نسيم خفيف من الأمل هب في هذا الأسبوع على صفوف المعارضة في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي ترامب بأنه يفضل حل الدولتين على أي حل سياسي آخر. في وقت سابق التقت تسيبي لفني وإيهود أولمرت، كل على حدة، مع أبو مازن، وعبرا عن دعمهما الكبير للعملية السياسية التي يكون هدفها إقامة دولة عربية أخرى في الشرق الأوسط في أراضي يهودا والسامرة. من ردود أعضاء الكنيست في المعسكر الصهيوني وميرتس ظهر تأثر معين إزاء إعلان ترامب بأن الخطة السياسية التي سيضعها على طاولة الطرفين ستقدم خلال شهرين إلى أربعة أشهر فقط.
في الليكود والبيت اليهودي يرون الأمور من زاوية مختلفة. من ناحية عملية، رغم التصريحات المكررة لترامب عن الثمن الذي ستدفعه إسرائيل كجزء من الاتفاق السياسي، يواصل الرئيس الأمريكي اتخاذ خطوات دراماتيكية بالتحديد لصالح إسرائيل وضد الطرف الثاني. إن الإضرار بالأونروا وممثلية م.ت.ف في واشنطن جاء بعد بضعة أيام على أحد هذه التصريحات.
إذا توقفنا لدى الطاقم المحيط بترامب فسيكون علينا الوصول إلى نتيجة بأن المس بإسرائيل بعيد جدًا عن أجندته، وهذا يشمل وزير الخارجية بومبايو والسفير فريدمان والمستشار والصهر كوشنر ووزير المالية منوحين والسفيرة في الأمم المتحدة هيلي وآخرين.
يدور الحديث عن أشخاص تولوا وظائفهم الحالية وهم يتبنون موقف مبلور بخصوص من هو المحق ومن هو المذنب في النزاع، واحتمالية أن تخرج منهم بشرى سلبية لإسرائيل تبدو ضعيفة جدًا.
ولكن الخوف قائم، فحسب مصادر معينة فإن ترامب ينوي عرض خطته السياسية في شهر كانون الثاني، نتنياهو الذي عبر عن تفاؤل بعد أقوال الرئيس الأمريكي وقال إنه لا ينتظر مفاجآت، يعمل في الأسابيع الأخيرة على أن يتم تأجيل عرض الخطة قدر الإمكان. الرسالة التي ينقلها لترامب هي أنه لا سبب للعجلة؛ فالطرف الثاني هو أصلاغير مستعد، وكانون الثاني موعد مبكر جدًا.
إحدى الإشارات التي وصلت إلى جهات دبلوماسية إسرائيلية تقول إنه خلافًا لأقوال ترامب بأنه رفع القدس عن الطاولة بعد الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، فإن القدس اليوم هي في صورة لم تكن موجودة فيها في أي يوم. هذا لا يعني أن ترامب يكذب، بل إنه من ناحيته يمكن التوصل إلى نتيجة أن أجزاء معينة في القدس، ليست هي القدس.
للقدس بالذات ـ والتوقيت هو الأمر الأسوأ بالنسبة لنتنياهو؛ فالسنة هي سنة انتخابات. وضع خطة سياسية في موعد قريب من الحملة الانتخابية الإسرائيلية ستهز سفينته بشدة، وبصورة خطيرة جدًا. هذا لا يعني أن نتنياهو لا يعرف التلاعب برؤساء أمريكيين ـ لقد قام بذلك في السنوات الثمانية لولاية أوباما بصورة أثارت انفعالالا بأس به في أوساط الليكود. ولكن المناورة تحتاج إلى أن تأخذ من اللغة والضغط. وكذلك مطالب غير لطيفة من خلال توقع أن الرفض الحقيقي سيأتي كالعادة من الطرف الآخر.
في الانتخابات القواعد مختلفة؛ بينيت ينتظر نتنياهو في الجولة، كل تنازل أو إشارة على تنازل من جانب رئيس الحكومة سيؤدي إلى رد قاتل من البيت اليهودي. بالنسبة لبينيت لا يستطيع أن يكون هناك توقيت أفضل من خطة سياسية أمريكية قريبة، ورئيس الحكومة الذي يناور بين القاعدة اليمينية ورئيس كثير المطالب.
قبل سنة تقريبًا، خلال زيارته في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، أمسك ترامب للحظة السفير الإسرائيلي داني دنون وقال له: قل لنتنياهو أن لا يرتكب حماقات، ويجب عليه السير معنا، فلديّ طاقم يؤيد إسرائيل أكثر من أي رئيس قبلي. دنون فهم الإشارة: بعد ثماني سنوات من ولاية أوباما جاء رئيس منحاز حقًا لصالح إسرائيل، لكنه يعتقد أن الجانب الرافض في نهاية الأمر هو نتنياهو وليس أبو مازن.
بعد سنة على ذلك يمكن القول بالتأكيد إن موقف ترامب قد تغير. هل هذا هو الانقلاب الأخير أم أنه يتوقع حدوث انقلاب آخر، هذه مسألة بقيت مفتوحة وتؤدي إلى كوابيس لا بأس بها في إسرائيل.
انظروا من هو العائد
نتنياهو يعود من نيويورك إلى الدورة الشتوية للكنيست، حيث المسألة الرئيسية «قانون التجنيد» لم تعالج بعد. هذه المسألة تطرح علامات استفهام أكثر من الإجابات. المعركة البلدية فعلت فعلها في الممثليات الحريدية التي لم يتبين بعد نهايتها. حتى إذا واصلت اغودات إسرائيل وديغل هتوراة التنافس بصورة مشتركة للكنيست القادمة فذلك يبدو أن الشرخ بين الطرفين أكثر عمقًا من أي وقت مضى. وهذا وجد تعبيره الآن في الانتخابات لرئاسة بلدية القدس وفي مدن حريدية أخرى، لكن ليس مستبعدًا أن يؤثر أيضًا على موضوع التجنيد.
الطرفإن الصقريان، يعقوب لتسمان وافيغدور ليبرمان، يمكن أن يجدا نفسيهما على جانبي المتراس في القدس ـ الأول يؤيد موشيه ليئون والثاني يؤيد زئيف الكين ـ وفي أعقاب ذلك سيتم تخريب كل إمكانية للتسوية حول من منهما في موضوع التجنيد. افتتاح الدورة وموعد الانتخابات الذي سيتبين فيها، سيملي أيضًا فترة ولاية داني دنون في الولايات المتحدة. دنون أثناء الانتخابات سيكون في إسرائيل. في الأسبوع الماضي برأته الشرطة من كل تهمة طرحت مما نشر في القناة الثانية وكأنه استخدم مكتب السفير في الأمم المتحدة كمقر للانتخابات التمهيدية له، وبهذا تم منع التشويش على عودته إلى الحلبة السياسية المحلية.
سادت خلال السنوات الأخيرة علاقات جيدة بين دنون ونتنياهو ـ خلافًا للعلاقات بينهما عندما كان دنون عضو كنيست ووزيرًا. عندما وصلت معلومات سياسية هامة لدنون من ممثلي الدول في الأمم المتحدة قام بنقلها فورًا لرئيس الحكومة. فقد عمل دنون بما يرضي نتنياهو، وخاصة في الأمور الهامة لنتنياهو مثل ساعة خطابه في الأمم المتحدة، بحيث يكون مناسب بقدر الإمكان لبث الأخبار في التلفاز، وكذلك في مشاركة إسرائيل في منتديات هامة.
معارك حاسمة لم تكن بينهما، وكثير من إنجازات إسرائيل الأخيرة في الأمم المتحدة جاءت بفضل دنون، الذي قلل من أهمية كل عملية اعتقد أنه يمكنها خلق توتر بينه وبين رئيس الحكومة. لقد جاء الدعم غير المحدود لنيكي هيلي لإسرائيل بدرجة كبيرة بفضل السفير الإسرائيلي، وكانت مؤيدة لإسرائيل قبل ذلك بسبب معتقداتها الدينية كهندية اعتنقت المسيحية، لكن لم يكن لديها تقرير بمعرفة حقيقية للمسائل الهامة. الدعوة التي تلقتها من دنون لزيارة إسرائيل أدت إلى زيارتها الأولى في إسرائيل، وعززت هذه الزيارة لديها شعور العدالة تجاه إسرائيل واليهود.
ولكن دنون لا يوهم نفسه، ونتنياهو لن يستقبله بذراعين مفتوحين. هو لن يحاربه، لكن احتمال أن تتم ترقيته في تشكيل الحكومة القادمة ليس عاليًا. التجربة السياسية التي راكمها دنون تؤهله لمنصب وزير الخارجية، لكنه هو وكل الآخرين يعرفون أن هذا المنصب تم بيعه سلفًا. كل رئيس حزب سيدخل الائتلاف له أفضلية عن أي شخص من أعضاء الليكود. هكذا أيضًا بالنسبة لوزارة الدفاع ووزارة المالية.
إذا انطلقنا من نقطة البداية فإن إسرائيل كاتس وجلعاد اردان على الأقل سيحافظان على مكانتهما إذا لم تتم ترقيتهما، وكذلك ميري ريغف وياريف لفين وجدعون ساعر الذي سيعود، فإن ودنون يمكن أن يجد نفسه مع كل التجربة الدبلوماسية ويحسن العلاقة مع نتنياهو، ويعود إلى وزارة العلوم والفضاء، فما من شك بأن قيمته ارتفعت أثناء غيابه.
حَوَل لبيد
في حين أن أساس المعركة في اليمين هي على قاعدة اليمين، فإن القصة في اليسار مختلفة. بدون انتقال أصوات من اليمين إلى اليسار ـ ليس هناك ائتلاف. آفي غباي ويئير لبيد يبذلان جهودهما لفعل ذلك بدون نجاح زائد. رفع لبيد الوتيرة هذا الأسبوع، وإن ضمّ تهيلا فريدمان وكنلي تور باز إلى حزب «يوجد مستقبل» ليس غمزًا للجمهور المتدين، بل هو إغراء حقيقي. هذا الجمهور واسع ومتنوع. في الوقت الذي يوجد فيه أكثر منه، من الذين يمكنهم رؤية «يوجد مستقبل» كحزب مناوئ للدين ومرفوض، فإن شريحة معينة داخله تعتبر لبيد خيارًا محتملًا. هذه نفس الشريحة التي استند إليها نفتالي بينيت في 2013 عندما عقد تحالفًا مع لبيد كشرط للانضمام المشترك إلى الحكومة بدون الحريديين.
من أجل تبرير هذه الخطوة، أعلن بينيت في حينه أنه على 80 في المئة من الأمور يتفق الحزبان بصورة كاملة. إذا كان الأمر هكذا فلا يوجد سبب حقيقي لعدم التصويت للبيد. وهو أيضًا مع تعليم المواضيع الرئيسية للحريديين بالإكراه، وتجنيدهم للجيش بالإكراه، وليس لديه أي مشكلة مع العمل في أيام السبت.
بالمناسبة، فريدمان وتور باز ليستا المتدينتين الأوليين في «يوجد مستقبل». أحد المؤسسين هو الحاخام شاي بيرون، وكذلك دوف لفمان كان عضوًا في الحزب، واليعيزر شتيرن هو عضو كنيست من قبل الحزب حتى الآن.
رغم هذه الخطوة الهامة يبدو أن فريدمان وتور باز ليستا معروفتين بشكل كاف للجمهور. فريدمان كانت مديرة عامة لمنظمة «أمناء التوراة والعمل» وهي إحدى منظمات صندوق إسرائيل الجديد الذي يعمل على تغيير علاقات الدين ـ الدولة. من طبيعة الأمور تميل المنظمة أكثر باتجاه الدولة وضد الدين، لكن رؤساءها ونشطاءها يحسبون على رجال الصهيونية الدينية. المنظمة ولبيد متناسبان في هذا السباق مثل القفاز مع اليد.
ما الذي ينتظر دايتش؟
رحيل عزاريا أيضًا هي أمرأة مقدسية متدينة شكلت قائمة بلدية تقوم بهذا القدر أو ذاك على المبادئ نفسها. قائمة «مقدسيون» لها، وقائمة «النهوض» لعوفر بركوفيتش التي تتنافس على رئاسة البلدية، هي أيضًا أحزاب تعتبر تقريبًا توائم في الأجندة المدنية، إلا أن قائمة «مقدسيون» تركز على من يعتمرون القبعات المنسوجة.
في المؤتمر الصحافي في هذا الأسبوع، سحبت عزاريا ترشحها وأوضحت أن بركوفيتش كان يجب أن يكون هو المرشح الطبيعي لها، لكن دعمها سيحصل عليه الكين بسبب احتمالاته بالفوز وبسبب ضعف مؤهلات بركوفيتش.
الانتخابات البلدية في القدس هي الساحة المحلية الأكثر أهمية في الحرب على السلطات التي ستجري بعد نحو شهر. هذا الصراع يعتبر الآن مفتوحا تماما، فبعد تأييد ديغل هتوراة وشاس لموشيه ليئون كان واضحًا أن يوسي دايتش، المرشح الحريدي، سينسحب فورًا من المنافسة. وهذا لن يحدث. دايتش ما زال متنافسًا، وثمة شرط حاسم لفوزه، وإن لم يكن من المؤكد أنه يكفي، وهو أن يحظى بدعم معظم الأحزاب الحريدية، بما فيها ديغل هتوراة وشاس بالطبع.
ماتي توخفيلد
إسرائيل اليوم 28/9/2018