بغداد –”القدس العربي”: لم تعد المخاوف من تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني على المشهد العراقي المتأزم، مجرد هاجس بل تحولت إلى حقائق ملموسة مليئة بالتحدي والتهديد، وتجسدت جليا أمام دول العالم خلال اجتماع الأمم المتحدة الحالي، وسط محاولات عراقية يائسة لخرق الحصار الأمريكي المفروض على إيران.
فقد تابع العراقيون والعالم بقلق، الحملة التي قادتها الولايات المتحدة خلال اجتماعات الأمم المتحدة الحالية لتجييش دول العالم ضد إيران، واستمعت إلى لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتشددة ووصفه إيران بالراعي الأول للإرهاب في المنطقة والعالم مع توجيه تهديداته بفرض المزيد من العقوبات عليها، إضافة إلى تحشيد دول العالم خلال حضور ترامب جلسة لمجلس الأمن وفي مؤتمر مناهض لنشاطات إيران النووية على هامش دورة الجمعية العامة الحالية.
وجاءت كلمة الرئيس الإيراني حسن روحاني ردا على ترامب، وقد شابتها روح التحدي والتهديد المتقابل، لتؤكد ان العلاقة بين الطرفين وصلت إلى طريق مسدود وان المواجهة حتمية عاجلا أم آجلا، وذلك نتيجة تمسك كلا منهما بالمضي في مشروعه.
ووسط تصاعد التهديدات والعقوبات الأمريكية على إيران ووصول التحدي المتبادل إلى مستويات خطيرة، فالمتوقع ان العراق لن يكون بمنأى عن تداعيات هذا النزاع، الذي ظهرت مؤشراته الأولية عبر تدخلات الطرفين الدوليين في أزمة تشكيل الحكومة المقبلة وسعيهما لاختيار شخصيات قريبة من مشروعهما، وعبر التهديدات الأمريكية للحرس الثوري والفصائل العراقية المسلحة المدعومة من إيران فيما إذا حاولت استهداف الجنود والمصالح الأمريكية في العراق.
وخلال الاجتماع الدولي بشأن نشاطات إيران النووية على هامش الجمعية العامة، كرر القادة الأمريكان توجيه التهديدات لإيران، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إن على الولايات المتحدة وحلفائها “فعل كل شيء لقطع التمويل عن الحرس الثوري الإيراني”. فيما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون “لن نسمح لخامنئي أو سليماني أن يدمرا الشرق الأوسط” مشيرا إلى أن سليماني “هو في الحقيقة زعيم عصابة من الميليشيات التي تزعزع استقرار الدول” ومشددا على أن “الولايات المتحدة لن توقف الضغط على إيران حتى توقف طهران أنشطتها الخبيثة”.
وأشار المبعوث الأمريكي إلى سوريا براين هوك، إلى أن النظام الإيراني يعمل على تأجيج الصراع في المنطقة، مؤكدا أنه يجب ألا نسمح لطهران بلبننة سوريا والعراق واليمن، في إشارة إلى هيمنة حزب الله الموالي لإيران على لبنان.
ويأتي هذا التصعيد في الأزمة، في وقت تحتدم خلافات القوى السياسية العراقية سعيا وراء بناء التحالفات اللازمة لتشكيل حكومة جديدة ستواجه عاصفة من التحديات والمشاكل المزمنة. وتبدو المؤشرات في حراك تشكيل الحكومة المقبلة أنّ إيران ترغب في اختيار رئيس وزراء مقرب منها، وان يكون مقبولا لدى واشنطن أيضا ليتمكن من إقناعها باستثناء العراق من الالتزام بالعقوبات على إيران، وهو احتمال يبدو بعيدا عن الواقع.
وكشف رئيس الحكومة حيدر العبادي انه غير متمسك بالسلطة وان هناك من يريد استقالة حكومته ولكنها “لن تتخلى عن مسؤوليتها في حماية المواطنين والبلد”. ويعكس ذلك التصريح الخلافات التي تعصف بحزب الدعوة العاجز عن توحيد صفوف قياداته رغم الاجتماعات المتكررة للاتفاق حول إدارة الحزب واختيار الشخصيات المرشحة في تشكيلة الحكومة، بينما عقدت كتلة الإصلاح المدعومة من التيار الصدري عدة اجتماعات وأعلنت انتقالها إلى مؤسسة سياسية لها برنامج وهيكلية دائمة وقواعد لعملها في البرلمان في حالة شكلت الحكومة أو انتقلت إلى المعارضة.
وفي سياق الصراع على منصب رئيس الجمهورية (المقرر للكرد وفق المحاصصة) والذي يجب ان يتم حسمه في الثاني من تشرين الثاني/اكتوبر، فقد وصل عدد المرشحين للمنصب إلى عشرين، في صورة تعكس عمق الخلافات بين القيادات الكردية وفشل كل جهود توحيد البيت الكردي.
ومع ان مرشحي الاتحاد الوطني برهم صالح والحزب الديمقراطي فؤاد حسين هما الأوفر حظا بين المرشحين، إلا ان بقية الأحزاب مصرة على المضي في التنافس على المنصب لتعكس تشظي القرار الكردي وموت الاتفاق الاستراتيجي المعقود بين الحزبين الكبيرين عام 2005 حول تقاسم السلطة في الإقليم وبغداد. وذلك تزامنا مع تصاعد مطالبات القوى السياسية بتعهد الرئيس الجديد بالمحافظة على وحدة العراق، بعد ترشيح شخصيات كردية روجت لانفصال الإقليم عن العراق عام 2017، وبعد عودة مسعود بارزاني للحديث عن مشروعه الداعي إلى انفصال كردستان عن العراق.
ورغم كل ما يقال عن استقلالية القرار العراقي، يبدو ان حسم اختيار رئيسي الجمهورية والوزراء، سيبقى في انتظار ضوء أخضر من الولايات المتحدة وإيران، اللتين يعد التوافق بينهما على المرشحين للرئاسات الثلاث، مفتاح تشكيل أي حكومة في العراق منذ 2003.
وكانت مصادر الحكومة العراقية قد أعلنت نيتها مطالبة الولايات المتحدة السماح للعراق بالاستمرار في التعاون الاقتصادي مع إيران واستثناءه من الالتزام بالعقوبات، تحت ذريعة حاجة العراق لبعض الخدمات الإيرانية مثل الطاقة الكهربائية وبعض السلع الأخرى.
والسؤال الطبيعي هنا هو هل ان الولايات المتحدة التي تجيش دول العالم لإحكام عقوباتها الاقتصادية على إيران، سوف تتساهل مع مساعي الحكومة العراقية لخرق تلك العقوبات، وتسكت عن استمرار التعاون الاقتصادي بين العراق وإيران؟ الجواب متروك للأيام.