ارتكبت إسرائيل الخطأ المتوقع في سوريا، لكنه حصل مع روسيا، وأدى إلى إسقاط طائرة “إيليوشن-20″، أو يوشون كما تعود السوريين تسميتها منذ دخول روسيا الحرب إلى جانب النظام نهاية أيلول (سبتمبر) عام 2015.
وكان الطرفان الروسي والإسرائيلي وقعا اتفاقية “عدم احتكاك” لتنظيم الهجمات الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية أو على أهداف عسكرية حساسة تابعة لجيش النظام. مع توافق على “عدم المساس برأس بشار الأسد”. ونصت الاتفاقية على قيام إسرائيل بإبلاغ عمليات الدفاع الروسية قبل أي استهداف للنظام السوري أو القواعد الإيرانية في سوريا، بهدف منع الاحتكاك وسحب الطيران الروسي من أجواء الأهداف المحتملة، وإيقاف حركة الطيران بشكل نهائي. وهو ما تعوده السوريون في الممارسة، حيث تختفي القاذفات الروسية من السماء السورية وتتوقف عن قصف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة مع بدء القصف الإسرائيلي.
ونجحت الاتفاقية، فلم يقع أي خطأ لمدة ثلاث سنوات، شن سلاح الجو الإسرائيلي خلالها أكثر من 200 غارة جوية (حسب تصريحات رسمية إسرائيلية) ضد أهداف تابعة لإيران وحزب الله في سوريا، وأهداف أخرى يشتبه أنها تابعة للبحوث العلمية أو مستودعات تحتوي على صواريخ أرض -أرض متوسطة المدى.
إسقاط الطائرة الروسية
أكدت وزارة الدفاع الروسية حسب تحقيقها، أنها تلقت عبر الخط الساخن إشعاراً إسرائيلياً أن الطائرات الإسرائيلية ستقوم بهجوم على هدف محتمل، قبل دقيقة واحدة من القصف الجوي على مستودع بالقرب من اللاذقية. ورغم تضارب التصريحات الروسية، والخلاف على الفارق الزمني بين تلقي الإشعار وإصابة الطائرة الروسية. إلا أن السؤال الأبرز هنا، لماذا عادت الطائرة الروسية إلى مجال العمل الجوي المتوتر المشغول بأربع طائرات مقاتلة إسرائيلية إف -16؟ ولماذا لم تتحقق قاعدة حميميم الجوية الروسية من خلو الأجواء عبر الخط الساخن لاتفاقية “عدم الاحتكاك”؟ وربما كان من الأسهل على قاعدة حميميم تنبيه العمليات في الدفاعات الجوية السورية أن طائرة صديقة دخلت في حقل العمليات وبؤرة التوتر الجوية، ووقف أي رد محتمل.
الأغرب في ما حصل هو أن الدفاعات الجوية التابعة للنظام أطلقت صواريخ منظومة أس-200 على الطائرة الروسية، حيث تحتوي المنظومة بالضرورة على آلية تمييز الطائرات “صديق – عدو”، وهو ما يمنع وقوع أي خطأ.
“لا تغضب الروس”
ردد خبراء أمنيون وعسكريون تلك العبارة كثيرا في الأيام الماضية، وقال المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل: “ينبغي أن نتذكر دائما الدرس الأول في التاريخ العسكري هو: لا تغضب الروس أو تستفزهم”، مضيفاً أن دولته “تواجه ورطة شديدة مع الروس، من شأنها أن تؤثر سلباً على حرية العمل الاستراتيجي الذي يقوم به سلاح الجو في الجبهة الشمالية”.
الغضب الروسي لم يتأخر فعلاً وعبرت عنه موسكو على لسان وزير دفاعها سيرغي شويغو، في أن بلاده ستقوم بتزويد جيش النظام السوري بمنظومة أس -300 فافوريت الأوتوماتيكية المتطورة. وهي المنظومة التي قررت موسكو تزويد الأسد بها في عام 2010 واكتمل تدريب ضباط إدارة الدفاع الجوي على استخدامها لعدة شهور في روسيا، وتدخلت إسرائيل عدة مرات لمنع تسليمها. وبالفعل نجحت ضغوط بنيامين نتنياهو على بوتين وأوقف إتمام الصفقة.
واستمر تصاعد الخلاف رغم المحاولات الإسرائيلية لاحتوائه، فرفضت موسكو استقبال أي مسؤول سياسي إسرائيلي لشرح وتبرير ما حصل، واقتصرت موافقتها على استقبال قائد سلاح الجو الإسرائيلي، عميكام نوركين، فيما رفضت استقبال وفد يرأسه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات.
ومن غير المتوقع أن ينجح نتنياهو في إقناع بوتين بتغيير قراره، وهو ما سيصعب إمكانية القصف الإسرائيلي على الأهداف الإيرانية في سوريا كما حصل في الفترات السابقة.
سيناريوهات المواجهة
في حال امتلك النظام السوري المنظومة الروسية المتطورة فهذا سيدفع إلى إعادة التوتر على غرار ما حصل في الأعوام الممتدة بين 1969 و1973، حين أسقطت إسرائيل خمس مقاتلات ميغ روسية يقودها طيارون سوفييت، والرد الروسي بتزويد سوريا ومصر بصواريخ أرض – جو أدت إلى إسقاط أكثر من 80 طائرة في حرب تشرين (أكتوبر) 1973، وهو ثلث عدد الطائرات التي كانت تمتلكها تل أبيب حينها.
الرد الروسي والتصعيد الحاصل دفع إسرائيل لوضع خمسة خيارات لإعطاب منظومة الدفاع الجوي الجديدة:
الخيار الأول هو الاستيلاء على صاروخ أس ـ 300 ونقله إلى إسرائيل، وهو ما فعلته عام 1969، حيث قامت بإنزال جوي في سيناء استولت فيه على الرادار السوفييتي P-12 الذي تسلمته مصر وتمكنت من نقله إلى داخل إسرائيل. والخيار الثاني تنفيذ عملية برية لتدمير الصواريخ، وهو أمر مستبعد وفي غاية الصعوبة. الخيار الثالث هو ضربة صاروخية كثيفة تستهدف مواقع أس ـ 300 على غرار القصف الإسرائيلي ضد جيش النظام خلال حرب لبنان عام 1982. والرابع يتمثل في إعماء الصواريخ إلكترونياً، كما في عام 2007 عندما أعمى الطيران الإسرائيلي الدفاعات الجوية السورية وقصف “مفاعل الكبر” في ريف دير الزور الغربي قيد الإنشاء حينها. وأما خيار ضربها عبر مجموعات تخريبية فيبقى بعيد المنال وغير مضمون أو مجد.
إيران الرابحة
إذا قررت روسيا التشدد لفترة طويلة ضد الهجمات الإسرائيلية، فإنها ستعيق حرية العمل الإسرائيلي في الأجواء السورية. وهو ما سينعكس إيجابياً لصالح إيران وحزب الله ويوفر بيئة آمنة لإعادة بناء مقدراتها العسكرية وقواعدها التي قصفها الطيران الإسرائيلي، وينعش خطوط تهريب السلاح إلى حزب الله اللبناني، ويعزز النفوذ والدور الإيراني في سوريا.
وعلينا أن لا ننسى أن التصعيد الحاصل كان سببه استهداف المقاتلات الإسرائيلية لمنشأة تابعة لجيش النظام السوري كان من المفترض أن تمر عبرها أسلحة دقيقة وفتاكة إلى حزب الله، حسب الرواية الإسرائيلية، التي ادعت أيضا أن الهدف هو “مخزن في مصنع سوري كان يحتوي على ماكينات وأجهزة كان من المفترض أن يتم نقلها إلى لبنان من أجل مشروع لرفع مستوى الدقة لدى حزب الله وفيلق القدس”. جدير بالذكر أن التصعيد الإسرائيلي ضد إيران بلغ ذروته مع إسقاط تل أبيب لطائرة الاستطلاع الإيرانية والقصف الإسرائيلي على مطار التيفور العسكري، والرد من قبل الدفاعات الجوية في جيش النظام وإسقاط طائرة إف-16 في شباط (فبراير) الماضي.
وتشير المعطيات العسكرية والإصرار الإسرائيلي على تبرئة نفسها إلى ضعف الرواية الروسية التي أعلنها الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف في مؤتمره الصحافي، وربما لدى إسرائيل من المعلومات ما يكفي حول ارتكاب الروس خطأ تقنياً هو السبب الذي أدى إلى الفوضى التي حصلت في المجال الجوي السوري شرق البحر المتوسط.
ولعل الاتهام الروسي للفرنسيين أنهم من قاموا باستهداف الطائرة من إحدى بوارجها القريبة من الساحل السوري، لا يدلل على الفوضى فقط، وإنما يعزز فرضية قيام طائرة الاستطلاع الروسية “إيليوشين – 20” بمهمة مريبة. ومن غير المستبعد أن قيامها بمهمة ما، هو ما جعل منظومة أس-200 لا تستطيع تعريفها كصديق حسب نظام التمييز “عدو- صديق” المتوفر في المنظومة.
التوتر الحاصل في سوريا وعدم مقدرة إسرائيل على استكمال قصفها في العمق السوري، ينذر أن الاستهداف سينتقل إلى لبنان بشكل مباشر، وقد تكون الصور التي أبرزها نتنياهو في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بمثابة إعلان مباشر عن العمليات المرتقبة، ويبدو أن التقديرات التي أشارت إلى صيف ساخن في لبنان، سيغير تاريخها حادث إسقاط الطائرة الروسية إلى شتاء مشتعل، قد بدأ للتو.