منظومة أس ـ 300 تعكر أجواء العلاقات الروسية الإسرائيلية

فالح الحمراني
حجم الخط
0

أعلنت روسيا في 24 أيلول/سبتمبر عن قرارها نشر منظومة الدفاعات الجوية أس ـ 300 في سوريا حيث ستغطي تماما الأجواء هناك أمام الطيران الإسرائيلي وغيرها من البلدان. ووعدت إن المنظومات ستصل لسوريا في غضون أسبوعين، وجرى اتخاذ القرار بعد أن أدت مناورات للمقاتلات الإسرائيلية في الأجواء السورية إلى تعرض طائرة الاستطلاع إيل/20 الروسية لضرب الدفاعات الجوية السورية ما أسفر عن سقوطها ومقتل 15 عسكريا روسيا. وأدى الحدث إلى إثارة أزمة غير مسبوقة في العلاقات الروسية الإسرائيلية، منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1991 وسيكون من الصعب خفض التوتر في العلاقة بسهولة، وإعادة الثقة بين قيادة البلدين كما كانت عليه سابقا. وما فاقم الوضع ان إسرائيل لم تعتذر للجانب الروسي على دور طائراتها في مقتل ضباطها.

إن قرار القيادة الروسية نشر منظومة أس ـ 300 في سوريا لم يكن رد فعل سريع على إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية، وإنما تنفيذا لقرار كانت موسكو قد تبنته منذ زمن بعيد، وأجلته بطلب من إسرائيل. “بيد أن الوضع تغير الآن” كما قال وزير الدفاع سيرغي شويغو. ويبدو أن روسيا لا تروم وحسب، تطبيع الوضع الداخلي السوري، وإنما أن تستعيد سوريا سيادتها وخروج كافة القوى الأجنبية منها. ولم تعد تطيق الغارات الإسرائيلية على سوريا، واستغلال تل أبيب الاتفاق الثنائي في هذا المجال بشكل مفرط وخطير. وأعلنت القيادة الروسية إن إسرائيل لا تمتلك الحق في شن الغارات على سوريا بحجة ضرب مواقع إيرانية، واعتبرته انتهاكا صارخا للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة. وسيعتمد الموقف الروسي لاحقا على مدى التزام إسرائيل بالاتفاق المبرم بينهما، ولهذا فان وصول معلومات مخابراتية لاحقا لتل أبيب عن مرور قوافل أسلحة إيرانية إلى لبنان بالقرب من القواعد الروسية في شمال غرب سوريا، سيبين مدى صلابة الاتفاق بين تل أبيب وموسكو. وهل ستجازف إسرائيل بضربها، رغم إنها قد تطول العسكريين الروس والدفع بالوضع إلى حالة التأزم التام، أم التراجع عن ذلك، وهل ستجابه إسرائيل وسائل دفاع جوية من طراز جديد؟

ويرى عدد من المراقبين إن تسليم أس ـ 300 لدمشق وتفعيل الحرب الإلكترونية في المناطق المحاذية لسوريا هي أيضا رسالة تحذير إلى الولايات المتحدة، وتلك الدول التي شاركت سفنها وطائراتها في الغارات الصاروخية على سوريا في نيسان/ابريل الماضي، ردا على استخدام بشار الأسد، كما تقول، الأسلحة الكيميائية ضد المعارضة المسلحة.

الحسابات الروسية

وحسب المعطيات المتوفرة، سيتم إنشاء نظام إدارة موحدة لقوى ووسائل الدفاعات الجوية في جميع أنحاء سوريا، تدخل في إطارها وسائل الحرب الإلكترونية، ووسائل إطلاق النار. بمعنى سيتم إنشاء نقطة قيادة مركزية موحدة، سيتعرف السوريون في إطارها على الهدف، وفي الوقت نفسه سيتأكد الروس من هوية الطائرة المغيرة ويؤكدون للسوريين لمن تعود إن كانت للخصم أو لدولة صديقة مثل روسيا.

ويقول الخبير الروسي المعروف فيكتور موراخوفسكي، الذي يعتقد أن سوريا في حاجة إلى أربع وحدات دفاع جوية للسيطرة على أجوائها، إن الضباط الروس سيديرون الأنظمة في الفترة الأولى ومن ثم يجري تدريب السوريين عليها في غضون 3 أشهر، لذلك إذا قررت إسرائيل شن غارات على المواقع في سوريا فيمكن أن تصيب العسكريين الروس مما ستكون له نتائج خطيرة بالنسبة لكافة الأطراف. ووفق بعض المعطيات إن روسيا ستنشر حولي 100 رأس صاروخي، لان كل منظومة تحتوي على عدة صواريخ.

ولكن مواقف المراقبين العسكريين الروس والأجانب تباينت بصدد إمكانية نقل الأنظمة إلى سوريا في غضون أسبوعين. وضمن هذا السياق فسر رئيس الأكاديمية الجيوسياسية مدير دائرة العلاقات مع الدول الأجنبية في وزارة الدفاع الروسية سابقا الجنرال ليونيد ايفاشوف، عدم ثقته بنقلها إلى سوريا في غضون أسبوعين، كما وعد وزير الدفاع شويغو، في أولا: إن هناك حاجة لإعدادها للتصدير، حتى وان كانت لدى الجانب الروسي أنظمة جاهزة للعمل، والأهم في رأيه يتوجب تدريب الطاقم السوري الذي سيُدير هذه الأنظمة، في مراكز التدريب الروسية، وهذا يتطلب على أقل تقدير 4 أشهر. وبعد تصديرها ونصبها في مواقعها المطلوبة تبدأ عملية التدريب التي من المفترض إن تستمر لأكثر من نصف عام. بعض المراقبين أعادوا الأذهان إلى ان إيران احتاجت إلى عام لنشر مثل هذه الأنظمة في أراضيها. وثانيا: كما يرى الجنرال هناك عدد غير قليل من الشخصيات المؤثرة وصاحبة النفوذ في القيادة الروسية التي ترتبط بعلاقات وثيقة بإسرائيل، وستعمل كل ما في وسعها من أجل الحيلولة دون تنفيذ خطة نقل منظومة أس ـ 300 إلى سوريا.

 ولكن هناك من عارض هذا الرأي. فقد نقلت صحيفة “موسكوفسكي كمسموليتس” الصادرة في موسكو في 26 أيلول/سبتمبر عن خبير عسكري كان في السابق آمرا لإحدى وحدات الدفاعات الجوية، قوله: بخصوص من سيدير منظومات أس ـ 300 في سوريا، يوجد هناك عسكريون محليون متدربون على إدارة المنظومة. مشيرا إلى أن عقدا كان قد اُبرم مع دمشق قبل عدة سنوات يقضي ببيعها منظومات أس ـ 300 ولكن تم فسخه بعد ذلك بطلب من إسرائيل، وفي إطار هذا العقد تلقى الضباط السوريون في روسيا دورة تدريب على إداراتها. وجرى تدريبهم لمدة 6 أشهر في إقليم لينينغراد. وهذا حسب رأيه يعني أن لدى الجيش السوري خبراء يتمكنون من إدارة كافة وسائل الدفاعات الجوية.

إسرائيل تتوعد

ورغم إن الجانب الإسرائيلي استقبل قرار موسكو بنشر منظومة أس ـ 300 بهدوء ظاهر، غير أنه لم يتمكن من إخفاء القلق الذي انتابه من القرار. وتوعد على لسان رئيس الوزراء ووزير الدفاع بمواصلة نهجه بضرب الأهداف التي تهدد أمن إسرائيل في سوريا، في إشارة إلى إيران وحزب الله. وتحدثت بعض المصادر الإسرائيلية وحتى الأمريكية على أن في مقدور إسرائيل إيجاد طريقة لاحتواء الأخطار التي تنجم عن منظومات أس ـ 300 وقامت باختبار طرقها على هذا النوع من الأنظمة أثناء المناورات في اليونان.

وتنم التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير الدفاع ليبرمان، عن إن إسرائيل تأمل في العثور على اتفاق مع القيادة الروسية حول عمل أنظمة أس ـ 300. ورغم ما تردد عن أن روسيا رفضت استقبال الوفد العسكري الإسرائيلي رفيع المستوى الذي كلفه نتنياهو بزيارة موسكو وإطلاع الجانب الروسي على كافة تفاصيل التحقيق الإسرائيلي، إلا أن مساعد الرئيس الروسي أوشاكوف أعلن إن الاتصالات بين بوتين ونتنياهو سوف تستمر. ونقلت وسائل الإعلام عن مصدر في مجلس الأمن الوطني الروسي قوله: “ليس هناك خطر من نشوب نزاع مسلح بين روسيا وإسرائيل. ويبدو إن الطرفين في حاجة لبعضهما الآخر في المرحلة الحالية، ولكن مواقفهما مختلفة إزاء القضايا المفصلية في المنطقة بما في ذلك القضية الفلسطينية والنزاع في سوريا والموقف من إيران”.

وهناك قراءة تقول إن التطورات المتعلقة بأنظمة أس ـ 300 تسير لحد الآن وفقا لخطة باشرت إسرائيل في تنفيذها (بالاتفاق مع الولايات المتحدة) خلال الأسابيع الماضية، حيث كثفت شن الغارات على سوريا. وإسرائيل استفزت الجانب الروسي من أجل نشر أنظمة أس ـ 300 في سوريا لمنحها ذريعة للدفع بالتطورات لاحقا نحو مجابهة عسكرية مع إيران، لتتوافق مع انطلاق الحملات الانتخابية سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة لإعطاء ترامب، الذي يعد الرئيس الأمريكي الذي قدم ولاء أكبر لإسرائيل من بين كافة الرؤساء السابقين، فرصة لانتخابه في فترة ثانية.

وقالت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الصادرة 25 أيلول/سبتمبر: إن بيان وزارة الدفاع الروسية يشهد على إن القيادة العسكرية الروسية حازمة في توجهها. وحذرت من تداعيات نشر تلك الأنظمة بقولها: “إن العامل البشري يلعب دورا كبيرا في تطوير الأحداث خلال ظروف الحرب. وإذا ما ارتكب ضباط الدفاعات الجوية السوريين خطأً كالذي ارتكبوه بضرب الطائرة الروسية مؤخرا، لن يشرف الخبراء الروس على أدائهم مستقبلا، وهناك احتمال من أن تؤدي التطورات إلى اندلاع حرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط”.

وتقول المراقبة السياسية المهتمة بشؤون الشرق الأوسط ماريانا بيلينكيا: “إن تطور الوضع يعتمد في القريب العاجل على النهج الذي ستتبناه واشنطن، التي تحاول استعادة المواقع التي فقدتها في الملف السوري”. وأضافت: “إن إسرائيل ستحاول إشراك أمريكا للضغط على روسيا، لاسيما وان واشنطن أعربت عن عدم ارتياحها لنشر منظومة أس ـ 300 في سوريا، وحتما سيناقش الطرفان هذا الموضوع”. وسارعت موسكو بالإشارة إلى عدم قبولها الضغوط عليها، وإلى استعدادها للتنسيق ولكن وفق شروطها. والسؤال هل أن الإسرائيليين مستعدون لذلك أم لا؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية