حسنا فعلت محطة «المملكة» التلفزيونية – التي يهاجمها كثيرون في الأردن – عندما فضحت ما حصل على الطريق الصحراوي بين عمان والمفرق بإستضافة والد الطفل القتيل هاشم الكردي، لكي يحكي القصة.
هذه هي الصحافة التلفزيونية، التي كنا نفتقدها حتى لا تتكرس فلسفة التلفزيون الحكومي، حيث «العرس دوما عند الجيران».
المأساة كانت كبيرة عندما حطمت بحجر كبير جمجمة طفل في الثالثة من عمره وهو في حضن أمه وأمام مفرزة لقوات الدرك.
السبب بمنتهى السخافة، سيارة والد القتيل تجرأت وتجاوزت على الطريق العام موكبا لأحد الأعراس.
أشتم رائحة محاولة «لفلفة» الموضوع والتعامل معه وكأنه مشاجرة.
أحذر السلطة بكل رموزها من «تفليم محتمل»، لكي ينتهي الأمر بجاهة ووجاهة وفنجان قهوة يلاحق روح الطفل هاشم التي ترفرف حولنا وهو في النهاية لم يقتل برصاصة خاطئة أو صديقة أو على شواطىء اليونان.
في الواقع قلناها ونعيدها: يحصل الكثير في المجتمع الأردني لأن إجتهادا أمنيا تواطأ مع آخر سياسي ومراهق وقرر استبدال طبقة الشيوخ الحقيقيين في العشائر والمساجد بشيوخ «مولينكس» من النوع المسحج والخلاط.
نحن لا نسيء للعشائر طبعا، بل نسلط الضوء على أصحاب السوابق والبسطاء والموتورين، الذين قررت السلطة يوما جذبهم وتركيبهم على أكتاف العشائر بزعم التمثيل، فيما جلس «كبار القبائل» المختبرون في منازلهم وتعرضوا للإقصاء والتهميش .
تلك جريمة بحق التكوين الاجتماعي الأردني إرتكبت على غفلة عندما تحالف «النيوليبرالي» حقا يوما مع المحافظ الإنتهازي.
وهي جريمة حتى لو كان مرتكبها من حيث التكوين العشائري له علاقة بغرب نهر الأردن.
محطة تحاكم هشام بن عبد الملك
من عقلها محطة تلفزيونية صغيرة تحمل إسم «الكوفه» تفرد مساحة واسعة للبث لإعادة التذكير بوقائع «محاكمة فكرية وتاريخية» قررت مجموعة مساطيل إقامتها للخليفة هشام بن عبد الملك بن مروان بتهمة قتل الإمام زيد بن علي بن أبي طالب.
الجريمة تلك يفترض أنها وقعت قبل قرون وقرون والمحكمة توصف بأنها «شرعية وقانونية» وهي نسخة طبق الأصل عن محاكم شرعية بطابع درامي هندي، انتهت بتكفير الجميع وأقامها خليفة «داعش» الغامض في الموصل.
المشكلة أن عراقيين وأردنيين يتابعون بشغف هذه المهزلة، التي أديرت أيضا رقميا وعلى وسائط التواصل والسؤال: المحكمة قررت الاعدام فعلا.. كيف سينفذ؟
نزعم مسبقا بأن لصوصا من الطائفتين يقيمون تلك المحاكم حتى نستمر جميعا معلقين في زاوية صراع تحولت عظام أصحابه الأوائل إلى مكاحل.
ونستذكر هنا الشعب الياباني فهو في غالبيته ملحد وغير متدين، لكنه يقاوم الفساد والسرقة والرشوة بجسارة وينتج ويؤمن ببلاده ووضعها في الصدارة بدليل أن السيارة التي تحضر رئيس محكمة هشام بن عبد الملك المرتدي لعمامة سوداء، وحسب الصور المبثوثة يابانية الصنع.
أما السجادة الشرعية، التي يجلس عليها الإفتاء الداعشي في نسخته التي أقيمت مرة في بلادي الأردن فهي مصنوعة عند قوم بني الأصفر الممراض وأقصد الصين.
والحاج المصري الذي يعود لبلاده يحمل معه مجموعة مسابح مصنعة في كوريا ورشاشات المياه، التي تخفف عن الحجيج وطأة الشمس إستوردت من بلاد الله الكافرة، التي تسمى ألمانيا. هنيئا للأمة بهؤلاء «النطايح»!
حاخام مولينكس أيضا
لا نعرف سببا يدعو لتفسير ثقة النظام الرسمي العربي بعمر يطول لدولة الاحتلال الاسرائيلي بعد التقرير النوعي، الذي بثته محطة «الجزيرة» عن الأصوليين اليهود الذين يحكمون الإيقاع ويسيطرون عليه في القدس ومستوطنات الضفة الغربية.
كيان الإحتلال لديه – بحمد الله – فتاوى وحاخامات مولينكس أيضا مثلنا تماما.
جوناثان رجل متدين يحتاج لإذن من حاخام الحارة حتى يسمح له بحمل هاتف خلوي عصري.
إبتسم الرجل ببلاهة أمام الكاميرا وهو يؤكد: نيافة الحاخام سمح لي بحمل هاتف ومنع أخي من حمله. ثم يضحك: لا أعرف السبب في الحالتين لكن القرار نلتزم به.
قد تكون للمسألة علاقة بشركات إتصال دون غيرها يفضلها الحاخام إياه.
طبعا عائلة جوناثان تعيش دون تلفزيون وجهاز كومبيوتر والرجل لا يستطيع ملامسه زوجته أو معانقتها ويتجول مع ميليشيات دينية من ألف رجل تحرص عصر كل جمعة على منع البيع والتجارة ترقبا للسبت.
جوناوثان يشبه إلى حد بعيد صاحب تلك العمامة الإيراني الذي يعتبر «الأرنب حشرة نجسه» ويشبه المفتي العام لدولة الخلافة، التي كانت تقطع الرؤوس في الموصل. اللهم أحشر الثلاثة معا يوم الحساب… قولوا معنا آمين.
وعود الرزاز
على سيرة الحشر لا نعرف لماذا حشر دولة رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز نفسه وإيانا بمدة «سنتين» وهو يتحدث لبرنامج «ستون دقيقة» عن حكومة أغلبية برلمانية منتخبة قريبا مع العودة لصيغة قانون الانتخاب لعام 1989.
لو كنا مكان الرزاز لتواضعنا قليلا ولم نحدد سقفا زمنيا، لأن أسقف الزمن في بلادنا بلا ذاكرة ويمكن أن تتميز بمرونة شديدة في أي وقت.
عموما، سمعنا الكلام نفسه في الماضي وقبل عدة سنوات وتغيرت الظروف، ورغم علمنا بان الرزاز يقصد الفترة التي سيبقى فيها رئيسا لحكومة، إلا أن تحديد السقف الزمني لعبة محفوفة بمخاطر «مصداقية الخطاب الرسمي مع الناس» وهي نفسها اللعبة التي انتقدها الرجل عشرات المرات.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان