رواية «تل الذنوب» لفادي سهو: الريف فضاء روائيا

حجم الخط
0

■ لم يكن فضاء الريف غريبا عن الرواية العربية الحديثة التي انطلقت نماذجها الأولى من حياة الريف ومشاهد الفلاحين في حقولهم ومزارعهم، وهم يمارسون حياتهم اليومية ويخوضون صراعهم مع الحياة ومع المركز ومشاهد جميلاتهم يخترقن الحجب ويتسللن نحو عوالم العشق. فمن هذا الهامش ومن هؤلاء المهمشين وعوالمهم وطقوسهم، انطلق قطار الرواية العربية، ولعلنا نذكر في هذا المجال روايات «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي و«زينب» لمحمد حسين هيكل و«دعاء الكروان» لطه حسين و«يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم و«التوت المر» لمحمد العروسي المطوي، وغير ذلك من الروايات العربية التي يطول ذكرها. لتسقط الرواية العربية بذلك مقولة «الفن الروائي ابتدع ليعبر عن المدينة وليس الريف أو القرية، وارتبط ازدهاره بنشأة المدن الكبيرة وانتشار التعليم… لهذا كانت المدينة هي صانعة الرواية والمستهلك الأساسي لها»(محمد حسن عبدالله «الريف في الرواية العربية»).
والحقيقة أن رواية الريف العربيّة حملت الكثير من الجماليات واضطلعت بالعديد من الرسائل الاجتماعية والتاريخية، ولعل العودة إليها الآن تدخل في باب كتابة الهامش الاجتماعي. وهي تثير انتظارات عديدة: هل تغيرت صورة الريف في الرواية العربية خلال هذه العقود؟ هل تجاوزت الرواية العربية النمط القديم لتخييل الريف وشخصياته وحكاياته؟ هل تجاوزت نمطية الشخصيات المتنفذة والساذجة ومغامرات العشق المحرم وقضايا الأرض؟
تشكل هذه الأسئلة شغفا بحثيّا يطول الخوض فيه، ولكننا سنحاول اقتضاب النظر فيه من خلال هذا العمل الروائي الجديد، فلقد استهوى الريف بما فيه من طقوس ورمزية وعوالم جميلة وحميمية الروائي فادي سهو في روايته الجديدة «تل الذنوب» التي اتخذته فضاء لها باعتباره فضاء معاناة وحرمان وألم، وهو ما نفهمه من خلال عتبات الرواية التي تعد خطابا واصفا، حيث يصف الكاتب رواية «تل الذنوب» بأنها «ختام القهر والحرمان رواية مخلوقة من ألم».

الموت ليس مجرد لعبة في هذه الرواية، فالتفكير فيه ملح إذ هو كامن في العتبات وفي المتن.

تبدو الرواية لوحات لحياة هذا الفضاء الريفي ويوميات أهله ومعتقداتهم وقيمهم… كتابة لفضاء ريف الحسكة السورية ومشاغله الاجتماعية، وهي كتابة لصراع الفلاحين والريفيين مع الحياة وآفاتها. هي كتابة للحياة البسيطة وللبسطاء. كتابة للحياة بعيدا عن المركز في مواجهة الفقر والحرمان والمرض وصعوبة الترحال… فنقرأ عن الطفولة التعيسة: «كانت لعبة حاح موت لعبتهم المفضلة، لم تكن سيمياء الفقر تزودهم سوى بعود قطن يابس شارد عن كوم الحطب».
ونقرأ عن الموظف العسكري وهو يعاني الفقر ويعيش على الدَين ويتدبر سلفة كي يتمكن من العودة من دمشق إلى صغاره. وغير ذلك من حكايات البؤس والمعاناة فالفلاحون يعانون الحرائق وهجمات الذئاب، ويجدون صعوبة في الحفاظ على أرزاقهم، ولكن الكاتب يتجاوز كتابة هذا الحرمان نحو التلويح بنهاية «اليوتوبيا» والبراءة التي عرف بها الفضاء الريفي، فقد انقضت تلك الطيبة ولاح في الفضاء الريفي زمن الدسائس والمؤامرات، فالراعي نوفل يحرق حقوله حتى لا يستفيد منها الآخرون، وابتسام وصديقتها تنبشان القبر لعمل السحر واستهداف الآخرين…
تبدو» تل الذنوب» رواية ريف ورواية موت. لكن الموت ليس مجرد لعبة في هذه الرواية فالتفكير فيه ملح إذ هو كامن في العتبات وفي المتن. ففي الإهداء إشارة إلى الجدة التي ماتت غرقا في النهر «إلى أبي الذي غرقت أمه في نهر الخابور وهو ابن خمس سنوات أورثته اليتم. تركته وحيدا» وهو لا يغيب عن عناوين الفصول ونسجل حضوره في أكثر من عنوان داخلي: نبش القبر /نايا اليتيمة/جرف الموت. ولا يكاد فصل من فصول الرواية يخلو من حدث الموت الذي تنوعت أسبابه وأساليبه.
هذا الحضور يرتقي بالموت في الرواية إلى سؤال عميق يحتاج نظرا عميقا. لقد أصبح الموت هاجسا متواصلا، ولعل الكاتب يعبر عن هذا بقوله: «في زمن الانتصار على اللحظات الموجعة لم يعد ضـروريا أن يدون أحد حكايته مع الموت. أصبح الموت خرافة يصدقها الجميع «ولعل القارئ يحتاج إلى الانتقال من «سيمياء لعبة حاح موت» التي طرحها الكاتب في البداية إلى سيمياء الموت ذاته.
هذا الاهتمام بالريف والموت لن يحجب عن القارئ صلتها بالراهن وبالتاريخ، فقد مرت الرواية على الذاكرة العربية واستحضرت في مفتتحها حدثا تاريخيا له دلالاته الرمزية والمعنوية وهو سقوط بغداد…
«- يا حسام تعال، شاهد ماذا يحصل في بغداد؟
حسام: ماذا هل أسقط العراقيون أباتشي جديدة؟
ريم: لا…لا.. بل أسقط الأمريكيون بغداد»
تبدو في الختام رواية «تل الذنوب» على صلة بالتجربة الروائية العربية في كتابة الريف، ولعلها تلتقي مع النصوص السابقة لها في نقاط عديدة. ويمكن أن نعدها اشتغالا على جماليات الألم، فهي تنسج عوالمها ومناخاتها من هذه الآلام التي تحيط بالإنسان العربي، ومن هذه اليوميات المتعبة. ولعلنا بهذا الاستنتاج نلتقي مع ما طرحه الروائي فادي سهو في عتبات عمله ومع جملته التي ذكرها في الغلاف الأخير: «إن الدموع التي ذرفتها في سرد أحداث الرواية أسخى من الحبر الذي طبعت به».

٭ ناقد تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية