في البحث عن مخرج «النفس البشرية» انغمار برغمان

يحتفل الفن السابع هذا العام بمئوية المخرج السويدي «انغمار برغمان»، الذي رحل عن عالمنا في عام 2007، وبهذه المناسبة قدمت المخرجة الألمانية «مرغريتا فون تروتا» فيلمها التسجيلي» في البحث عن برغمان»، والفيلم هو بحث عن برغمان بكل تفاصيله الإنسانية والسينمائية، ولكنه بحث «فون تروتا» عن نفسها أيضاً، حيث تبدأ رحلة بحثها من فيلم «الختم السابع» لبرغمان»، وهو الفيلم الذي كان السبب وراء تركها دراستها في جامعة السوربون والتحاقها بالمعهد العالي للسينما.
عن هذا تقول المخرجة:» كان الفيلم صاعقاً بالنسبة لي عندما شاهدته في باريس بداية الستينات، ومعه اكتشفت أن السينما تختصر كل الفنون، من الأدب، إلى الرسم والنحت، إلى الموسيقا والمسرح، وانتهاءً بالفلسفة».
في ما بعد نراها واقفة على الشاطئ الذي صور عليه مشهد البداية من فيلم «الختم السابع»، محاولة استعادة تفاصيل المشهد بدقة، وكيف كان الفارس الصليبي يقف مكانها، متردداً في الصلاة لإله يراوده الشك في وجوده.
بعدها ستتابع «فون تروتا» يحثها السينمائي عن المخرج الذي غيرّ مسار حياتها، من خلال شهادات العديد من المخرجين الأوروبيين المنتمين ل «سينما المؤلف»، وغياب كامل لمخرجي هوليود بمن فيهم المخرج الأمريكي «ودي ألان» المعروف بتأثره ببرغمان.

رجل صنع لطفله يوماً فيلماً تسجيلياً أسماه «دانييل»، وكأنه اختبأ وراء الكاميرا لكي يرى طفله، أو كأنه لم يستطع أن يعبر عن حبه إلا بلغة «السينما» التي يتقنها.

كما ستلتقي برفاق درب برغمان السينمائي، ابتداءً من «فتاة السكريبت» التي رافقته ثلاثين عاماً، إلى الممثلين، وصولاً إلى مخرجي الضفة الأخرى في السويد، الذين كانوا يعارضون سوداوية أفلامه.
وطبعاً لا يكتمل فيلم عن «برغمان» من دون ممثلته المفضلة «ليف أولمان»، والتي انتهت أيضاً كمخرجة للكثير من نصوصه، في الفيلم تروي «أولمان» عن تعارفهما ووقوعهما في الحب أثناء تصوير فيلم «برسونا»، ثم تخبرها «فون تروتا» بأنها عندما شاهدت الفيلم شعرت في المشاهد القريبة من وجهها، وكأن برغمان نظر في مرآته فرآها، أو كأنه عثر على روحه فيها.
وفي مشهد لاحق من الفيلم تبدو «فون توتا» و«أولمان» صديقتين حميمتين تقلبان ألبوم الصور، وتقفان مطولاً أمام صورة قديمة جمعتهما، وفيها تسلّم «أولمان» صديقتها المخرجة جائزة سينمائية عن فيلمها «سنوات الرصاص»، الذي اختاره برغمان أيضاً ضمن لائحة أفلامه المفضلة.
في محاولة ربما للخروج من دور «المعلم»، كما حدث حين أعربت «فون تروتا» له عن حاجتها لأبوته السينمائية، وأجابها بسخريته المعتادة بأنه يحتاج لتبنيها له.
والحقيقة أن «برغمان» ظل طفلاً مشاغباً طوال حياته، ولم يغادر الغرفة المعتمة التي كان والده يعاقبه فيها، إلا لكي يدخل صالة معتمة أخرى، ويتابع فيها اللعب عبر تعرية ضعف الانسان ومخاوفه سينمائياً.
وفي هذا السياق اعترف مرة بأنه لم يغادر المراهقة إلا عندما بلغ الستين من عمره، وفي مكان آخر كتب بعد وفاة زوجته الأخيرة:
«للأسف، عليَّ الآن أن أترك غرفة الأطفال، وأعود رجلاً كهلاً».
على نحو موازٍ بدت شهادة ابن برغمان «دانييل» من أجمل مشاهد فيلم «فون تروتا» وأكثرها حميمية، وفيها يخبر الابن عن الأب الغائب عن عائلة هي أقرب إلى قبيلة من الزوجات السابقات، وأولاد لم يتعرّفوا على بعضهم إلا في وقت متأخر، وكأن ولادة الطفل كانت اعترافاً لا يحتمل التأويل بالحب، ولا يحتمل البقاء أيضاً.
والحال هذه يأتي السؤال الذي يطرحه دانييل في النهاية مشروعاً ومشرعاً على كل التأويلات:
«لماذا لا يستطيع رجل متفهم لهذه الدرجة لطفولته، أن يفهم أطفاله؟»
رجل صنع لطفله يوماً فيلماً تسجيلياً أسماه «دانييل»، وكأنه اختبأ وراء الكاميرا لكي يرى طفله، أو كأنه لم يستطع أن يعبر عن حبه إلا بلغة «السينما» التي يتقنها. هذه الجوانب الشخصية في حياة برغمان، التي كشفت عنها فون تروتا في بحثها عن الإنسان وراء المخرج الكبير، أعطت للفيلم نكهة خاصة.
وفي نهاية الفيلم تتحول المخرجة نفسها إلى ضيفة شرف على فيلمها، ومن خلال كاميرا التلفون المحمول للمخرج السويدي « أوستلوند»، لتجيب عن أسئلته المتعلقة ببرغمان وتأثيره السينمائي عليها.
ولكن الفيلم يتابع بعدها بنكهة برغمانية، فتدخل «فان تروتا» صالة سينما، تكون فيها المشاهد الوحيد، وعلى الشاشة مشهد من فيلم لبرغمان، يظهر فيه طفل صغير يدخل بدوره صالة سينما، ثم نرى، نحن «المشاهدين» فان تروتا» على الشاطئ، حيث بدأ فيلمها وفيلم» برغمان» أيضاً، ولا نعرف في النهاية من يشاهد من؟ الطفل أو المخرجة أو نحن؟
بحثي عن برغمان:
لا يمكنك أن تشاهد فيلم «فون تروتا» من دون أن تراودك الرغبة في التوغل عميقاً في سينماه وفي ذاتك أيضاً، ولا غرابة في ذلك فبرغمان يعتبر محلل سينمائي للنفس البشرية، وأفلامه تشبه مرآة ينظر فيها الانسان إلى روحه.
وقد نجح برغمان في تصوير «الروح» سينمائياً، من خلال الغوص بعيداً في اللاوعي الانساني، حتى لتبدو أفلامه أشبه بحلم تطفو فيه كل المخاوف والرغبات المكبوتة، ويبدو المخرج كما لو أنه يحلم، فيما نبدو نحن المشاهدين أقرب للمنوّمين مغناطيسياً، مستسلمين بكامل ارادتنا لبقعة الضوء الهائلة على الشاشة.
ربما يعود هذا إلى أن برغمان في طفولته كان يهرب من صرامة التربية عبر أحلام اليقظة، التي كانت من منظور والده «القس البروتستانتي» كذباً يستحق عليه العقاب، لكن الطفل، رغم أنه مسكون بالخوف، استمر في الهروب إلى عالم سحري تختلط فيه الحقيقة بالخيال والبشر الحقيقين بدمى العرائس. لاحقاً استطاع من خلال السينما أن يخرج إلى الضوء كل قلقه النفسي ومخاوفه، ولطالما كانت أفلامه تعج بأشباح حقيقية أو وهمية، مثل شبح «الأب» الذي ظهر في فيلمه الأخير «فاني وألكسندر» على شكل قس وزوج أم، وكأن برغمان أراد بهذا أن ينتقم من والده عبر تحويله إلى «زوج أم» سينمائياً.
أما في ما يتعلق بالشياطين التي كانت تؤرق نهاراته، فقد وضعها في لائحة خاصة، وحاول على الدوام ترويضها وهي على التوالي:
الكارثة، الخوف، الغضب، الدقة، وفي النهاية شيطان العدم.
وعلى نحو ما كانت الأفلام تعويذته لطرد أشباح الخوف، والسينما وسيلته للتواصل مع العالم الخارجي والخروج من العتمة والوحدة.
ومقابل شغفه الكبير بالسينما، التي لم يدرسها أكاديمياً، ظلت علاقته بالمسرح قوية دائماً، حيث تعرف على المسرح أثناء دراسته للأدب في الجامعة ومشاركته في المسرح الطلابي، وعن هذه العلاقة المركبة قال:
«المسرح هو زوجتي، والسينما عشيقتي المتعبة جداً»، وإلى «الزوجة « عاد عندما غادر السويد بعد اتهامه ظلماً بالتهرب من الضرائب، واتجه إلى ألمانيا حيث عمل مع ممثلين مسرحيين، وأعاد كتابة وإخراج العديد من نصوصه المسرحية القديمة باللغة الألمانية، وعن هذا قال ساخراً يوماً: «نصوصي تبدو أشد قسوة هنا، «فالألمانية» تخرج من العقل بينما «السويدية» فمن الأحشاء والقلب».

برغمان: نصوصي تبدو أشد قسوة هنا، فالألمانية تخرج من العقل بينما السويدية فمن الأحشاء والقلب.

ورغم أن تجربة الاغتراب زادت من اكتئاب برغمان، لكنه رفض العلاج النفسي خوفاً على الإبداع، وفي المقابل حول الشاشة الفضية إلى أريكة للعلاج النفسي، وجعل الصراعات التي تعيشها الشخصيات، صراعات مع ذواتها بالدرجة الأولى.
وعلى نحو ما كان عالمه السينمائي شديد التداخل مع عالمه الشخصي، حيث عاش في الواقع محاطاً بعدد قليل من الممثلين، الذين تحولوا إلى عائلة بديلة له، بالإضافة إلى أنه أغرم بالكثير من بطلات أفلامه.
وفي تبريره لهذا كان يقول إن المرأة أكثر راحة في بوحها للكاميرا، لأنها متصالحة مع المرآة أكثر من الر جل، والمرآة في السينما هي الكاميرا، ومحال أمام هذا التعري الروحي والتدفق الكبير للأحاسيس ألا يقع الانسان في الحب.
أما «أولمان»، ممثلته وعشيقته لسنوات طويلة، فهي ترى أن هذا يعود إلى جلوسه دائماً أثناء التصوير قربياً من الممثلة، في انتظار «لحظة التجلي» كعاشق، وليس هناك من نظرة تمنح المرأة إحساساّ بالتميز كما تفعل عين العاشق، فما بالك بعاشق يمتلك حساً بصرياً منقطع النظير كبرغمان.
ومازالت لقطات «الكلوز آب» التي اشتهر بها برغمان، أعظم تصريح للحب منحه المخرج لممثلاته الجميلات، ولكن أجملها على الإطلاق كانت لقطة «الكلوز آب» على الممثل والمخرج الكبير» فيكتور سوستروم» في فيلم «التوت البري»، حيث تقترب الكاميرا من وجه الممثل العجوز، وهو يرى على ضفة النهر المقابلة والديه، على نفس الهيئة التي كانا يتراءان له فيها عندما كان طفلاً، ثم نراهما يلوحان له.
وهنا تنفرج شفتي «سوستروم» عن ابتسامة طمأنينة ساحرة، ولا نعرف إذا كانت حنيناً إلى الماضي أوهي إرتعاشة الموت الأخيرة، أو هو فرح اللقاء بوالديه المتوفيين.
هذا، وعلى الرغم من أنه يكاد لا يخلو فيلم لبرغمان من الأسئلة الوجودية وعبثية الموت، إلا أن الموت في فيلم «الختم السابع» لعب دور البطولة المطلق، حيث ظهر على شكل ممثل يلاعب خصمه الشطرنج، وربما يكون المشهد الأخير من الفيلم هو الأجمل في تاريخ السينما، حيث يرى المهرج رفاقه الستة يسيرون فوق تلة بعيدة ممسكين بيد الممثل السابع «الموت»، الذي يراقصهم رقصة الموت الأخيرة.
وبعد هذا الفيلم صرح «برغمان»، أنه شفي من رهاب الموت، الذي كان يلاحقه منذ طفولته.
ويبدو أن الموت كان رحيماً معه في النهاية، فأتاه في ليلة صيف هادئة، وهو نائم في بيته الذي شيده على جزيرة «فارو» حيث عاش عزلته الاختيارية، وهناك دفن ولم يحضر جنازته إلا أصدقاؤه المقربون وعائلته الصغيرة، ووفقاً لوصيته التي وضعها بدقة متناهية كما يليق بمخرج مسكون بالدقة والتنظيم، والذي لا يمكن أن يفوته أي تفصيل حتى « مشهد موته» الأخير.
وقبل رحيله بيوم واحد، جاءت ممثلته الأولى «ليف أولمان» لوداعه، وعنما سألها عن سبب مجيئها، أجابته بأنها سمعته يناديها.
وبعد هذا نتساءل هل مات برغمان حقاً؟ وأفلامه السينمائية مازالت تنادي الملايين من عشاق «الفن السابع»، ليبصروا تحت جلد الصورة بل تحت جلدهم، حقيقة النفس البشرية بكل جمالها وقبحها.

٭ كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية