بطريقة مليئة بالإيحاء، ومترعة بمفردات التشويق وعناصر الدهشة البيضاء والصافية، يدلف الروائي الفرنسي دان فرانك، في روايته “الانفصال”، إلى عالم الثنائيات والعلاقات الشخصية، ذات المُثل المتوارثة والطبيعية بين كائنين كالعلاقة الزوجية، تلك التي تبدأ عادة بالحب والرومانتيكيات وأجوائها الإيروسية، وتُتخم وهي في بدايتها، بالأحلام والتطلعات إلى الآتي، وما يحمله من رؤى طوباوية محلومة تجاه الحياة، ومشتقاتها من سفر وحب متبادل، واستمتاع باليوميات والعاديات والمرئيات، تلك التي تمنحها تفاصيل الحياة اليومية، وتتطلع نحو ملئها بالأطفال والحركة الحبية، كالذهاب إلى السينما أو إلى مطعم أنيق لتناول الطعام المُحبَّب والشراب المفضل، مصحوبة بالتنزه في الحدائق، وتزجية الوقت في المقاهي، والسير في الشوارع متعانقَين أمام المارَّة، باذلين الجهد الرمزي والواقعي للناظرين إليهم كمحبِّين مؤتلفين، حالمَيْن بالغد المنتظر، والمستقبل المأمول بأن يقطعا الشوط حتى النهاية، ليكونا في الختام عجوزين متلازمين، لهما أبناء وأحفاد وما عليهما سوى التمتع بما تمنحهما الحياة، حتى يتم الختام السعيد والهادئ، والمجلو بالسنوات الجميلة التي عبرت بهدوء وأمان وعناق ساحر بين كائنين لم يصبوا طيلة سنواتهما إلا إلى الهدوء والمِتع الصغيرة المكنونة في تلك الحياة المشتركة .
غير أن ذلك لن يتم بيسر دائماً، لا سيِّما بين مزاجين مختلفين، وإرادتين صعبتين، وذهنين متنافرين، ستتكشف عبر مسار الزواج الذي ما أن يمر عام أو عامان وأكثر من تفاصيل وحيثيات التجربة الزوجية، حتى يبدأ الصراع الثنائي بالظهور، وبالأخص حين يكون هناك شخص جديد قد أخترق الحياة ليكون الثالث بينهما، لقد أنجبت العلاقة وليدهما المنتظر، وهي التي قالت له ذات حديث: “عندما ننجب أطفالاً معا لا يمكن أن نفترق أبداً”. وما أن ولد الطفل الثاني حتى دب الخلاف بينهما، هنا ستجد صعوبة في تربيتهما، فهي الآن تملك عشيقاً، أو زوجاً احتياطياً آخر، تفكر به دائماً، تلتقيه وزوجها يعرف ذلك، يتألم ولا يغار من الآخر الدخيل، فهما يحبّان المرأة الجميلة ذاتها، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ينتظر أن تقرر هي، كأن تترك البيت مثلاً، فهي على درجة عالية من الذكاء وهو كذلك، هي شديدة الجمال، مغرية وشهية، وهو رومانتيكي وزير نساء، يستطيع أحياء أخريات ووضعهن في مكانها ليس كزوجات بل كنساء عابرات لكاتب سيناريو سينمائي وروائي له علاقاته وإمكانياته مع دور النشر، فهو يعيش من قلمه، ويطعم به طفلين، ومستلزمات بيت، يتذكر لقاءاته الأولى بها، كيف كانت رقيقة وجميلة يوم رآها في بيت أحدى الصديقات، يجلس ويستعيد تلك اللقاءات حين يميل إلى كأس من الشراب، كيف “كانت ترتدي فستاناً أسودَ بسيطاً واقراطاً لامعة تشع حياة كعينيها الرماديتين، كانت تتلألأ، تحدَّثا وجهاً لوجه، وكل كأسه في يده، المرة الثانية كانت في بيته، كان يقطن ستوديو في الدائرة الخامسة في باريس. ذهبا للرقص في علبة ليلية في مونبرناس. المرة الثالثة كانت بعد غداء أعده مع واحدة كان يعشقها في شبابه. المرة الرابعة أخذها للعشاء في ساحة البانتيون، تحدثا كثيراً، جمالها يسحره، يحوله إلى غيمة خفيفة مخصبة عاشقة. بعد أسابيع تزوجا بسرعة”.
يقع الكاتب ضحية هواجسه، فهما يعيشان معاً ولكنهما منفصلان في الواقع، لا يتكلمان، وإن تكلما فالكلمة ستكون صباح الخير أو مساء الخير، أو حول أمر يتعلق بالولدين. يكتئب فيميل إلى أخذ جرعات مضادة للكآبة “الليكسوميل، تتعب أعصابه، ينتظر منها التفاتة حانية، رقة تطير إليه لتلامس يده أو كتفه. يذهبان للحديقة ولكنهما لا يضعان يديهما في حالة تشابك كالسابق، كانا يقبلان بعضهما، الآن هي تزوغ عنه وعن التلامس معه، أحياناً تتلاسن معه لسبب ما، ومرات تهجره فيتعذب، هو ينتظر أن تترك البيت هي وليس هو، يجرب فيغيب عن البيت وحين يعود لا تهتم لعودته، تفكر هي بأن يترك لها ولأولادها معونة يقتطعها من تعبه، ولكنه لا يقدم على ذلك ليتمتع عشيقها بماله وبزوجته وكذلك ينضاف إليه حرمانه من رؤية ولديه، يصغي لصديقة هجرها حبيبها وتعيش وحيدة في الطابق السابع، أحياناً يصعد إليها حين تنام زوجته ليسهر ويشرب معها، تشاركه أمره، فتنصحه بأن وضعه سوف لن يتغير كثيراً في الحال الجديدة، لا بل سيكون أسعد في حياة الوحدة والعزلة، فهو يحتاجهما لغرض الكتابة والتفرغ إلى التأمل والإخلاد لسيرورة عمله الإبداعي في الكتابة. صديقه الذي يعمل معه في كتابة السيناريو يُسرِّه ويقدم له نصائحه، يذكره بحال أصدقائه الباقين والمنفصلين عن زوجاتهم، فيتذكر عبره حياتهم وتفاصيلهم اليومية، يكلم نفسه ويُجري أحاديث باطنية، مونولوغ داخلي دائم، يبثه الراوي لنفسه، مرة بضمير المتكلم ومرة يلجأ إلى الديالوغ الحقيقي معها، يتقلب بين الأمرين، يشرب قدحاً من الويسكي، مع قرص من الليكسوميل. تجلس أمامه في البيت لا تحدثه سوى بالنظرات غير المبالية، الأطفال في غرفهم، لكنهم يبتعدون عن الشحناء أمامهما، يتسلى بنفسه، يكتب في مكتبه لساعات، وبعدها يجري المونولوغ مع نفسه، يحدثها، هو كريم وليس بخيلاً معها ومع أولاده، الكتابة تدرّ عليه بعض المال، فيشتري لها ملابس داخلية من الحرير وحقيبة يد، وأقراطاً، ومعطفاً، تتفاجأ فيحصل مقابل ذلك على قبلة منها، قبلة عادية يمكنها أن تمنحها لأي كان، لصديقاتها أو أصدقائها، تبخل عليه بقبلة ولكنها تكون كريمة مع عشيقها بالقبلات، كانت القبلة علامة مشجعة له، فدعاها إلى فندق فخم في مونمارتر، هو يتجنب الحديث عن الآخر الذي سيحتل جسدها، بعد أن احتل مشاعرها، هو يريد الحل السريع وهي تؤجل، هناك في المنزل ظل يسألها أسئلة حول نفسه وحياتهما المشتركة سأل: “إن كانت تريده أنْ يغادر فتجيب بالنفي.
ـ هل ستهجرينني؟
ـ ليس الآن .
ـ لماذا؟
ـ قلت للرجل الآخر إني لن أرحل الآن”.
ثم يتصاعد الديالوغ إلى أقصاه، حيث التذمر والتأفف ووضع الأشواك في الطريق، هي تجيد المداورة، وتجيد مط الأيام لصالحها، وهو متعجل يريد الحل النهائي والحاسم، هي مرتاحة لهذه العلاقة بينهما، فهما متباعدان، لا يتلامسان إلا في حالات غير إرادية وغير متقصِّدة، ثم تستمر في جدلها الذي يدفعه إلى تناول المزيد من جرعات الليكسوميل. تقول: انها في الوضعية المثلى للبرجوازية الصغيرة، رغم كونهما يساريين هما وأصحابهما، وليس ثمة من علاقة ثلاثية، لأن لا شيء حدث بينها وبين عشيقها، هو لا يتعلق بالشكليات، بل يتشبث بالواقع وما يصدر عنه. وتضيف :
” أن ثقل الروتين اليومي خنقها، إنه غير موجود، نادراً ما اهتمّ بها، دوما هو متفرِّغ لكتبه”. هو يحدثها عن الماضي، عن الأمس وأول أمس مذكرا إياها بماضيهما، ويتجنب الحديث عن الغد والأسبوع المقبل والمستقبل الذي تفكر به هي، كونه سيكون مرسوماً لها ولعشيقها، بينما الواقع يقول: هي التي اختارت العيش مع كاتب وتعلم مسبقاً أن حياته ستكون على هذا النحو، في العمق ليس لها أي مآخذ عليه، فهو يفكر بمرارة أنه ليس وقت تصفية الحسابات، هناك ما هو أهم، ولداه وزوجته.
تعتمد الرواية على التداعي الحر، حيث الراوي يسرد بضمير المتكلم، والشخصيات التي تدخل الرواية، وهم في الغالب أصدقاء الكاتب ـ يرسمها الراوي بدقة وبوعي يقارب الحقيقة، ويلجأ وفق هذا السياق إلى تسمية شخوصه بالأحرف، كعلامات لهم، فثمة سين وميم، وكاف وتاء وفاء وراء وغيرها من الشخصيات التي يلجأ إليها الكاتب للحديث عن مشاريعه وعن مشاكله أيضاً، فجلهم يرمز لهم بحروف، ربما الكاتب تقصد ذلك، كون العمل شبيهاً بالسيرة الذاتية، شبيهاً بالبورتريه المرسوم بدقة وحرفية وتقنية فنية. شخوص الرواية قليلون، والعمل يذكر إلى حد ما بأعمال السينما الايطالية، الواقعية، تلك التي تترصد تفاصيل الواقع الإنساني وتدرس أفقه الشخصي والبشري، على نحو بارع في إبراز الملامح الواضحة والفريدة للشخصية، غير الغامضة، بل الساطعة بجلاء أمام الكاميرا، ككاميرا فيلييني وفسكونتي وبرتلوتشي، وأتباع هذا الحس الأخاذ الذي يميز السينما الايطالية، والمعكوس خلال فترة الستينيات على السينما الفرنسية، تلك السينما التي تعتمد الحوار الرومانسي المُشعرن كهدف جديد ومضاد للسينما الأمريكية الهوليوودية. وبما أن الكاتب أو بطل رواية “الانفصال” كاتب سيناريو، فهو كان يصور بدقة ملامح شخصيته هو، وملامح زوجته الحالمة بالانفصال، وكذلك الشخصيات التي يلتقيها.
إن مادة هذا الكتاب فيلمية، قابلة للتحول إلى السينما كفيلم رومانسي، يحمل موضوعاً يحدث للكثير من الناس، لا بل هو القانون الجديد للحياة الجديدة، المليئة بالمطبات والمشاكل والعوائق الحديثة، واليومية التي تقف حاجزاً وعائقاً أمام الحلم والشغف والرومانسية .
بعد أن مر ثلاثة وتسعون يوماً وجدتْ نفسها وحدها، لقد تخلتْ عن الآخر، أو هو تخلى عنها، سترحل لتعيش وحدها، فكتبت له ذات يوم على مرآة الحمام بقلم الشفاه الأحمر “حلمي أن أجد شقة وأرحل”.
وفق هذا السياق تستمر هذه الرواية الممتعة، والشاعرية وذات المنحى الرومانسي الحالم، حتى تضيق المساحة بالتدريج بتراكم الأحداث وتفاصيلها الكثيرة .
في نهاية الرواية ستحدث أحداث كثيرة، والتداعيات ستستدعيها الذاكرة، لتذكر الحياة الماضية لعائلته، سيرى الكثير من الأصدقاء في المنتديات وفي دعوات العشاء والحفلات التي تقام للمثقفين، ولكنه سوف لن يهدأ له بال، ما لم يحدث شيء يغير حياته “ذات ليلة بعد بضعة أسابيع من الانفصال اتصل الولد البكر بأحد أصدقائه قال له بهدوء، أنا في منزل أبي، لقد طلقنا أمّي”.
دان فرانك: “الانفصال”
ترجمة: جمال الجلاصي
دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة 2018
155 صفحة.