الناصرة ـ «القدس العربي»: بمناسبة الذكرى السنوية الحادية عشرة لرحيل المناضل حيدر عبد الشافي التي صادفت قبل أيام يستعيد كتاب جديد تواضع وأخلاقية طبيب الفقراء والبسطاء، مشيرا لتنبهه المبكر جدا إلى أن اتفاق أوسلو سيوقع كارثة على الشعب الفلسطيني. وأصدر الكاتب الفلسطيني نعمان عبد الهادي فيصل كتابه الجديد، وهو الخامس له بعنوان «الدكتور حيدر عبد الشافي – الرجل والقضية». ويؤكد أنه مبادرة شخصية، وعمل تطوعي في المقام الأول، تقديراً لدور حيدر عبد الشافي. ورفض الكاتب منذ أن بدأ العمل في هذا الكتاب احتواءه أو رعايته من أي جهة، معتبرا ذلك محاولة لإيفاء هذا الرجل حقه، كأمانة وطنية لذكرى قامة عالية. ويقع الكتاب في 1227 صفحة، وملحق للصور بالألوان، وأودع في دار الكتب والوثائق القومية في القاهرة خلال يوليو/تموز 2018، وقد قدم لهذا الكتاب رياض الزعنون وزير الصحة الفلسطيني الأسبق. ويعتمد الكاتب على المقابلات والوثائق والجرائد خاصة الفصل المتعلق بالمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية في تغطيتها للأخبار. يقول الكاتب نعمان فيصل في كتابه إنه كان طبيب الفقراء والبسطاء يعالج ويصرف الدواء للمحتاجين مجاناً.
تصدى حيدر عبد الشافي للمشاريع الإسرائيلية الاستسلامية، فأبعدته إسرائيل إلى سيناء المصرية تارة، ونفته إلى لبنان تارة أخرى، حتى وصفه موشي دايان ذات مرة بـ«المتطرف».
السيرة والمسيرة
ولد حيدر عبد الشافي في مدينة غزة في 10 يونيو/حزيران 1919، وينتمي إلى بيت عريق اشتهر بالعلم، وكان أبوه الشيخ محيي الدين درويش عبد الشافي ذا مكانة كبيرة، كواحد من كبار الشيوخ في فلسطين، التحق حيدر بالجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج فيها طبيباً عام 1943. وبذل حيدر عبد الشافي نشاطاً سياسياً واجتماعياً، في الأوساط الطلابية الناشطة في تلك الجامعة، حتى انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لجمعية العروة الوثقى عام 1937 التابعة لتجمع القوميين العرب مع منيف الرزاز، وصلاح عنبتاوي، وكان الأب الروحي لهذه الجمعية قسطنطين زريق أحد أعمدة الفكر القومي العربي. وفي عهد الإدارة المصرية على غزة بعد نكبة عام 1948، برز حيدر عبد الشافي في هذه الفترة كمدافع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال ضد مشاريع تصفية القضية، واستنهاض الجماهير في مظاهرات مارس/آذار عام 1955 لإسقاط مشاريع التوطين، وإسهامه الملموس في تأسيس الجبهة الوطنية على إثر احتلال عام 1956، أحد الأطر الوطنية الرافضة للاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب رئاسته للإدارة الصحية عام 1957 في قطاع غزة، ورئاسته لأول مجلس تشريعي فلسطيني عام 1962، ثم مشاركته في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في القدس، واختياره أحد نواب رئيس المنظمة أحمد الشقيري، وأيضاً انتخابه عضواً في لجنتها التنفيذية الأولى عام 1964. وبعد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة عام 1967 تصدى حيدر عبد الشافي للمشاريع الإسرائيلية الاستسلامية، فأبعدته إسرائيل إلى سيناء المصرية تارة، ونفته إلى لبنان تارة أخرى، حتى وصفه موشي دايان ذات مرة بـ«المتطرف». اختارته منظمة التحرير الفلسطينية في تونس رئيساً للوفد الفلسطيني المفاوض لمؤتمر مدريد عام 1991 ومفاوضات واشنطن الثنائية بين إسرائيل والفلسطينيين، وظهر حيدر عبد الشافي مفاوضا متمرسا ومتمكنا.
بعد السلطة الفلسطينية
وبعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية لأرض الوطن شارك في معركة الانتخابات التشريعية العامة التي أُجريت في 20 يناير/كانون الثاني 1996، وفاز فيها، وحصل على أعلى الأصوات في دائرة مدينة غزة، إذ حصل على 58229 صوتاً، إلى أن استقال من عضوية هذا المجلس عام 1997 احتجاجاً على إخفاق المجلس بدوره المنوط به في تحقيق الديمقراطية المطلوبة، ومكافحة الفساد. شارك في أكثر من 30 جمعية ومؤسسة أهلية وتوفي حيدر عبد الشافي فجر يوم 25 سبتمبر/أيلول 2007. مشددا على أنه كان دائم التأهب للمساعدة والخدمة، ترفده إلى ذلك المبادئ الديمقراطية، وقيم الإنسانية. كما يقول فيصل في كتابه «الدكتور حيدر عبد الشافي الرجل والقضية» إن حيدر عبد الشافي تميز بالوعي والإدراك والمعرفة الواسعة حول مستقبل المنطقة السياسي.
كبير المفاوضين
موضحا أن حيدر عبد الشافي خاض المعركة السياسية والدبلوماسية مع الإسرائيليين – باعتباره كبير المفاوضين الفلسطينيين – بكفاءة، وأدار الحوار مع الوفد الإسرائيلي بمسؤولية عالية. في حين أنه أدرك مبكراً أن الإسرائيليين يتفاوضون فقط لأجل التفاوض. ويوضح الكتاب أيضا أن عبد الشافي كان قد اكتشف مبكراً طبيعة الدور الأمريكي المنحاز لإسرائيل، ليمثل إشارة قوية على وعيه وإدراكه الكبيرين. يقول فيصل في كتابه إن حيدر عبد الشافي كان سابقاً لعصره، وقارئاً ماهراً لمفاصل الصراع، وكيفية مواجهته، فالدعوة التي يطلقها الفلسطينيون اليوم بترتيب البيت الفلسطيني، كان هو من أوائل من دعا إليها، باعتبارها أسلوباً عملياً، يساعد الفلسطينيين على تعبئة طاقاتهم، وتنظيم أنفسهم، وما زالت هذه الدعوة قائمة حتى الآن، كما كان دائماً يؤمن بالمشاركة في اتخاذ القرارات، وعلى أهمية النهج الديمقراطي، والقرار الموحد بمشاركة الكل الوطني. ويشير إلى أن حيدر عبد الشافي كان يهتم بالإستراتيجية، ولا يكترث بالتكتيك، لا يساوم ولا يناور، ويعبر عن فكرته بدون الالتفاف عليها، بما فيه من انضباط العسكري والتزام العقائدي، ولا يتحدث عن نفسه قط أو عن إنجازاته. وأشار الكاتب فيصل في كتابه إلى أن حيدر عبد الشافي كان يؤمن بالنهوض بالمجتمع، فهو صادق مع نفسه، وبالهدف النهائي لا المرحلي، ولا يستعجل زمن القطاف، ويؤمن بأن لكل مرحلة موازينها، فالقضية الفلسطينية حق ثابت يجب أن نسترده مرة واحدة، وأن نعد أنفسنا لذلك، مهما طال الزمن، وأن نحشد كل القوى الوطنية في إطار الوحدة، ونسقط المشروع الأنكلو صهيوني الاحتلالي والإحلالي.
هل كان شيوعيا ؟
وبخلاف مثقفين وباحثين آخرين ينفى الكاتب نعمان فيصل في الكتاب انتماء عبد الشافي للشيوعية. وعن ذلك يقول «وإنصافاً الشافي لم يكن شيوعيا. وقد أوضح هو بنفسه بالقول الفصل حقيقة أيديولوجيته الوطنية الجامعة لكل مفردات الحركة الوطنية الفلسطينية، عندما قال في حديث مع جريدة «الصباح»: «لم يكن لي علاقة تنظيمية بالحزب الشيوعي، ولم أنتمِ لأي حزب سياسي». وخلص للقول بهذا المضمار «إن الشعب أكبر من الكيانية التنظيمية، فانحاز إلى روح الشعب وطموحه، وهكذا».
وأوضح الكاتب أنه كان أشبه بما يسمى بـ«الضمير الجمعي للشعب الفلسطيني»، إذ لم ينحز لهذا الفصيل أو ذاك، وإنما كانت وطنيته وإخلاصه لشعبه. ويشير الكتاب إلى أن الشافي قاطع حفل توقيع اتفاق أوسلو الذي جرى في البيت الأبيض في واشنطن في 13 سبتمبر 1993، حيث كان يعتقد أن الاتفاق يهدد الفلسطينيين بعدم استعادة أرضهم أبداً، ولم ينتظر طويلاً بعد إعلان اتفاق أوسلو، فوجه انتقاداً حاداً لاتفاق أوسلو الذي توصلت إليه منظمة التحرير مع إسرائيل، مشككاً في إمكانية إحلال سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وكان من بين انتقاداته على اتفاق أوسلو كما أوضحها الكاتب في الكتاب هو حرية إسرائيل أثناء المرحلة الانتقالية في خلق حقائق جديدة، ما قد يؤثر على مفاوضات الوضع النهائي. وحسب الكتاب لم ير حيدر عبد الشافي أوسلو اتفاقا بالمعنى التفاوضي الصحيح، بل هو عملية إملاء من الجانب الأقوى.