العراق ـ «القدس العربي»: الجدل بين الدين والدولة يمتلك مساحة ساخنة من الحركة، دائما ما يتحرك عليها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ورغم سخونة هذا الجدل واستمراره منذ أن سقط آخر نموذج للسلطة الدينية ممثلا بالدولة العثمانية، إلا أنه لم يفرز ما يشير إلى نقاط التقاء تفتح أفقا لتنامي زمن مستقبلي يوقد بصيص أمل أمام الفرد والمجتمع، وعلى ذلك تبقى العقبة الأساسية في هذه الإشكالية في أن المؤسسة الدينية ليس لديها ما يكفي من الاستعداد للذهاب في مسار هيكلة رؤاها ووظائفها، استجابة لمقتضيات العصر، وهذا ما يضعها دائما في حالة مواجة مع ما هو مدني، ممثلا بالدولة بكافة قوانينها وتشريعاتها الوضعية، ورغم عدم إمكانية حسم هذا الصراع على المدى المنظور، بل على العكس من ذلك كل المؤشرات تتحرك باتجاه تصاعد وتائره، لا بد من البحث عن السبل للخروج من هذه اللغة الثنائية الضدية.. وبناء على تمظهرات هذا الجدل في الزمن، ماضيا وحاضرا ومن المؤكد مستقبلا، جاء حوار «القدس العربي» حول هذا الموضوع مع مثقفين وأكاديميين عراقيين، إضافة إلى شاعر مصري، وهُم كلُّ مِن: جاسم خلف إلياس/ناقد أدبي اكاديمي، هجران الصالحي/ أستاذة مادة الفلسفة، زاهر موسى/شاعر عراقي، سفيان صلاح/ شاعر مصري.
لايمكننا أن نتصور توافق الفكر العلماني، مع الوصاية الدينية بوصفها نصا غير قابل لاستبداله بمنهج عقائدي وضعي.
هشاشة الفكر العربي
استهل الحديث الناقد الأكاديمي جاسم خلف إلياس بالقول إن «العلاقة بين الدين والدولة من أبرز الإشكاليات التي واجهت الثقافة الإنسانية عموما، حتى باتت تشكل (عقدة تاريخية) كما يسميها بعض الباحثين. «ويضيف إلياس متابعا تعميق فكرته «غالبا ما كانت تتعرض المفاهيم التنويرية التي ترى ضرورة ابتعاد الدين عن الدولة إلى هجوم من قبل السلطة الدينية»، بحجة أنها مؤامرات سياسية، أو ضد المقدس، فالعلمانية تتجلى في رفض الامتيازات الدينية التي تفرّق بين الناس على أساس الدين. والمفاهيم التنويرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر وإلى الوقت الراهن وجدناها قد تجسدت في عدم تسييس الدين من جهة، وعدم إعطاء قدسية للسياسة من جهة أخرى، ولكن هل نجحت في ذلك؟ وبهذا الصدد يضيف إلياس مستشهدا بجملة للمفكر أيمن عبد الرسول ميريت، وهو أحد الذين تناولوا الفكر التنويري في كتابها الموسوم «في النقد الإسلامي الغربي» فيقول، «إن الفكر العربي هش نظريا، يحاول جاهدا الجمع بين العقل والنص، فيتغلب النص حينا، والعقل حينا آخر، ولا يحاول نقد النص والعقل معا، فالفرق بين العقل في المطلق والعقل في الإسلام، يحتاج إلى مراجعة، فالأول حر تماما، ينتج نصه المختلف. أما الثاني تابع للوحي لا يتخطاه، بينما الوعي متغير دائما». يواصل إلياس في حديثه فيقول «إذا كان الأول يرى أن تجرد الدين عن الدولة هو المنقذ من إشكالات اجتماعية وسياسية، فإن الثاني يرى أن مسألة تحكيم الشريعة لا مساومة عليها، وعلى هذا الأساس لا يمكننا أن نتصور توافق الفكر العلماني، مع الوصاية الدينية بوصفها نصا غير قابل لاستبداله بمنهج عقائدي وضعي. وستظل هذه الإشكالية قائمة بسبب القطيعة بينهما، ونحتاج إلى فكر توافقي لردم الفجوة والانطلاق إلى بناء مجتمع حر وسعيد».
البحث عن دور فاتيكاني
الشاعر زاهر موسى من جانبه يتوقف أمام الحقبة الاستعمارية للمنطقة الناطقة بالعربية، ويجدها قد تعاملت عبر سلطاتها مع مؤسسات دينية لها سلطتها الروحية، وأن هذه المؤسسات مثل الأزهر والزيتونة وحوزة النجف، كانت منفصلة عن جسد الدولة إلى حد ما. ويضيف بهذا السياق أن «شبه استقلالية هذه المؤسسات الدينية عن الحكومات التي كانت تلفظ أنفاسه،ا بالإضافة إلى السلطات الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة جعلها أقرب إلى فهم اللامركزية عبر صدفة تاريخية محضة، وأن لامركزية التفكير وصناعة القرار أنضج المحتوى الديني بسرعة قياسية»، ويخلص زاهر موسى في حديثه قائلا «هذا، كان واضحا في الحركات التي نادت بالدستور وحقوق المرأة، مثلا النائيني في العراق والطاهر الحداد في تونس، لكن شبه الاستقلالية أنضج أيضا ردة فعل ارتدادية على هذه الأفكار التنويرية، حيث بدأ أبناء هذه المؤسسات بصياغة أطر جديدة لمكانتهم تنافس مفهوم الدولة الوطنية الحديث، والإخوان المسلمون مثال على ذلك». ويصل موسى إلى استنتاج يؤكد فيه على أن «محاولة تأميم العقل الديني من قبل النخب السياسية العلمانية وقمع استقلالية البؤر الدينية جعل الأخيرة تدافع عن نفسها بشراسة، فضحت أنساقا كارثية داخلها على سبيل المثال، الصراع مع إخوان من أطاع الله في السعودية وقمع الجماهير في إيران، وهذه التداعيات ما زالت مستمرة حتى الآن «كما يتطرق موسى إلى ما تعانيه السلطات الدينية شبه المستقلة من أزمة في داخلها فيمضي بهذا الاتجاه قائلا «تحن هذه السلطات إلى زمن الحقبة الاستعمارية وحكومات الانتداب الضعيفة، ذلك الزمن الذي كانت تملك فيه مؤسسات دينية قرارها الذي كان يميل للمسالمة والتجاوب مع التطور، ما دام لا يمس جوهر سلطتها، إن ، بديل ذلك موجات من المقاومة أو الإرهاب أو النضال ضد الديكتاتوريين، حسب اصطلاح أبناء هذه المؤسسات ممن يحاولون إعادة الحياة لقرارها الخاص» .
مازال الوطن العربي يعاني من خلل ما في تكوينه الثقافي يجعله يعاني من تشوش في الرؤية لا يحسم أدق وأخطر قضاياه وهي قضية حضوره في المستقبل».
خلل التكوين الثقافي
الشاعر المصري سفيان صلاح هلال، ينطلق في رؤيته لهذه العلاقة من تأكيده على صعوبة عزل أنساق الخطاب الثقافي العربي عن مجريات الأحداث العالمية، وعن الواقع المحلي ويواصل حديثه في هذا الإطار مؤكد على أن «العلاقة بين الدين والدولة ظلت علاقة وثيقة حتى بدايات عصري التنوير والنهضة، ويكفي أن العالم كان متكتلا تحت اسمي: الخلافة الإسلامية والصليب، ورغم الحرب التي شنتها الكنيسة الغربية على العلماء والفلاسفة هناك، فقد استطاع الخطاب العلمي فرض سطوته وإظهار العالم الحديث بعد تفكيك المنظومة الفكرية الغربية». أما في ما يتعلق بالعالم العربي فإن الشاعر صلاح يجد نفسه في موضع لا يستطيع فيه أن يصف هذا العالم بأنه «قد دخل عصر النهضة بالمفهوم الغربي وحتى بعد تفكيك آخر امبراطوريات الخلافة الإسلامية في تركيا وتحول المنطقة إلى دول ترجع غالبا لهويتها التاريخية العميقة». ومن جانب آخر يعلق صلاح أسباب استمرار هذا الجدل العقيم على الغرب، فمن وجهة نظره «ارتبط عصر النهضة بثورات صناعية واقتصادية جعلت الغرب يوقع العرب فرائس استعمارية، وقد أدت كل هذه الظروف إلى ظهور أشكال رئيسية في الخطاب الثقافي، فهناك – الخطاب الديني والذي اتخذ شكلين: شكل إحيائي إصلاحي لجعل الدين يتماشي مع مستجدات العصر، وشكل سلفي يريد إرجاع الخلافة منكرا كل ما طرأ من تغيرات عالمية ومعاديا للغرب متخذا من الاستعمارية متكئا ومن حاكمية الله مرجعا. وخطاب سياسي نظّر إلى تجديد طرق الحكم واستحداث الأيديولوجيات وعمل المجالس، وقد كان هذا مرتبطا بتطور الأحداث دائما، فاستخدم القومية أحيانا والهوية الإسلامية أحيانا والهويات المحلية أحيانا، وقد استخدم الدين في بعض الخطاب السياسي وقد أدى هذا لنتائج متضاربة نفعت أحيانا أثناء حركات التحرر وأضرت أحيانا، وكانت سببا في حروب طائفية أضعفت الدول، ويضيف سفيان صلاح مستدركا بهذا السياق، «أيضا هناك الخطاب التقدمي، وقد اتخذ الغرب نموذجا يحتذى به وفي كثير منه هناك انسلاخ عن الماضي بكل معطياته، باعتبار أن الواقع المعاصر نتاج حربه مع الماضي ولا يمت بصلة له ويحاول ربط المجتمع بالقانون، بدلا من ربطه بالمنظومة الأخلاقية الدينية التي تعطي الدين قوة بوصفه أحد بني المجتمع. وقد تفرعت عن هذه الخطابات أنساق ثقافية فرعية تنتمي للفكرة الأم، وإن اختلفت في المناهج التطبيقة»، ويخلص في رؤيته هذه إلى أنه «رغم مضي قرنين منذ نهضة محمد علي ودخول التعليم النظامي المتمدين ليحل محل النظام الشفاهي في العصور السابقة، فإن الوطن العربي ما زال يعاني من خلل ما في تكوينه الثقافي يجعله يعاني من تشوش في الرؤية لا يحسم أدق وأخطر قضاياه وهي قضية حضوره في المستقبل”.
الدولة كمؤسسة وضعية تتقبل النقد والتأييد، المدح والذم، المساندة والمعارضة على حد سواء. أما الدولة الدينية فإنها ذات مرجعية قائمة على قانون الحق الإلهي وعلى فكرة الحاكمية لله.
ضرورة الفصل
من جانبه يرى أستاذ الفلسفة في جامعة الموصل هجران الصالحي أن «هناك مجموعة نقاط مشتركة بين كل المحاولات التي سعت إلى فهم العلاقة بين الدين والدولة على اختلاف أزمنتها ورجالاتها، أولاً: أن تلك المحاولات تزداد ضرورتها في ظل الأزمات، لانعكاس أي أزمة على طرفي الجدل (الدين والدولة). ثانياً: فهم حدود الدين ومهامه وحدود الدولة ومهامها يساهم في وضع حلول مقترحة للأزمات ويخفف من آثارها السلبية على الواقع. ثالثاً: أن أهم ما يميز كل تلك المحاولات هي أنها محاولات فردية، ولا يمكن مقارنتها بحركات التنوير في أوروبا، بدءاً من المعتزلة وابن رشد ومروراً بإسهامات الرواد في بداية عصر النهضة العربية وصولا إلى أواسط القرن العشرين مع عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وهشام جعيط ومحمد أركون وليس انتهاء بنصر حامد أبو زيد».
ويرى هجران في رؤيته التي تحمل طابعا تفاؤليا نتيجة قراءته للتجربة الأوروبية أن التطورات السياسية على مدى القرون القريبة الماضية قد رجحت ضرورة فصل الدين عن الدولة، خاصة مع تطور الدولة، فيقول بهذا الشأن «إذا اردنا أن نتواءم مع الحداثة فإنه من الواجب أن نفصل الدين عن الدولة وأن تكون المؤسسة الدينية جزء من مؤسسات الدولة، بمعنى أوضح أن لا تهيمن عليها أو تخضع لها. إن الدولة كمؤسسة وضعية تتقبل النقد والتأييد، المدح والذم، المساندة والمعارضة على حد سواء. أما الدولة الدينية فإنها ذات مرجعية قائمة على قانون الحق الإلهي وعلى فكرة الحاكمية لله، ولا تؤمن بالقوانين الوضعية، ولهذا عّد الفلاسفة أمثال أفلاطون وأرسطو وهيغل ورسل هذا الحكم الديني بأنه أحد أسوأ أشكال الحكم الاستبدادي.
ويرى دعاة فصل الدين عن الدولة أن مثل هذه الأفكار تشكل عائقا أمام خلق مجتمع مدني، وكل دعاة الدولة الدينية كانوا دائما مشدودين إلى الماضي عبر خلق يوتوبيا متخيلة خالية من النقائض والعيوب، لذا نجدهم عاجزين عن تقديم حلول للمستقبل وهذا ما حدث في مصر بعد إقالة (حسني مبارك) وسيطرة الإخوان المسلمين على الحكم في مصر، وما حصل أيضا في العراق بعد سقوط النظام السابق عام 2003» .