نتنياهو المفاجئ والهزلي

حجم الخط
0

الجمعية العمومية للأمم المتحدة هي حدث دولي ذو أهمية قليلة، وبالتالي فإن زعماء العالم يعودون إليها كل سنة كي يلقوا الخطب ـ محدودة الزمن، وشكرًا للرب ـ أمام قاعة شبه مليئة في أفضل الأحوال، وهذه الخطب تكاد تُنسى على الفور بعد أن تلقى.
ثمة بالطبع استثناءات، مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كانت القاعة مليئة في أثناء خطابه، ما لم يمنع الكثير من الحاضرين الانفجار ضاحكين عندما عدد إنجازاته. بقدر ما فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استثنائي هو الآخر، وإن كان بخلاف ترامب، في أثناء خطابه كانت القاعة شبه فارغة. لقد حل نتنياهو اللغز الذي يسمح له بجذب الانتباه. فأقواله موجهة بالأساس إلى الجمهور في الوطن، ويعمل مساعدوه بكد من خلف الكواليس كي يسمحوا له بأن يلقي خطابه دومًا في ساعات المشاهدة الذروة في قنوات الأخبار في إسرائيل. يفعل رئيس الوزراء هذا منذ سنين، من خلال أحابيل وألاعيب، يعرض فيها بيانات وصورًا وجداول، وإنجليزيته الفاخرة هذه تساعده على نقل رسائله.
ولكن نتنياهو أيضًا يعرف في خفاء قلبه أنه، فضلاعن الانطباع الأولي، فإن لأقواله تأثيرًا قليلاولا تحدث أفعالًا، مثلما يرغب. فرسائل رئيس الوزراء تكرر المرة تلو الأخرى هوسه: إيران، إيران ومرة أخرى إيران. وما كشف النقاب عنه حول موقع آخر يوجد في طهران وفيه عتاد ومواد إشعاعية كان يتوجب على إيران أن تبلغ عنها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولم تفعل ذلك، كان بالفعل كشفًا مؤثرًا. وهو مؤثر أساسًا، لأنه يشهد على قدرة التغطية وعمق التسلل للموساد في هذه الحالة، بمعونة «أمان» (شعبة الاستخبارات) إلى إيران (بالمناسبة، كان يمكن لنتنياهو أن يكون سخيًا وأن يمتدح في خطابه أسرة الاستخبارات، لكنه لم يفعل هذا، وذلك على ما يبدو كي يحظى بمفرده بكامل الحظوة).
لقد روى نتنياهو في استعراضاته للصحافيين الذين رافقوه في زيارته إلى نيويورك بأن المعلومات عن المخزن في طهران سبق أن نقلت قبل نحو شهرين إلى أجهزة الاستخبارات. يمكن التقدير أنه يتحدث عن أجهزة استخبارات دول القوى العظمى الست، التي وقعت على الاتفاق النووي مع إيران قبل نحو ثلاث سنوات: الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، والصين، وألمانيا، وروسيا.
كما أن المعلومات نقلت للوكالة الدولية للطاقة النووية، لكنها مع ذلك لم تحرك الوكالة أو الدول ذات الصلة حتى الآن لعمل أي شيء. ولا حتى التوجه لإيران لتلقي الشروحات؛ فما بالك بإرسال ـ كما يفترض الاتفاق ـ المراقبين لفحص ما يوجد أو كان يوجد في مخزن سعت إيران لإخفائه.
في أثناء الزيارة، وقعت ثلاثة أحداث على الأقل ـ واحد مفاجئ، والثاني هزلي، والثالث محرج ـ جديرة بالإشارة على نحو خاص. المفاجئ كان في أثناء المؤتمر الصحافي المشترك بعد لقاء نتنياهو وترامب؛ فقد قال الرئيس الأمريكي إنه يؤيد حل الدولتين، وهكذا أعاد المسألة الفلسطينية إلى جدول الأعمال العالمي. نتنياهو فوجئ وأُحرج، وبعد ذلك اضطر لأن يتلوى من خلال السؤال «ماذا ستكون صورة الدولة الفلسطينية ـ كوستريكا أم إيران؟».
ولكن مع مرور يوم، حين تبين أن ترامب مثل ترامب، غير موقفه ولطف قوله في المسألة ـ عادت الحمرة إلى وجنتي رئيس الوزراء، وكلمتا «دولة فلسطينية» لم تعودا تظهران على شفتيه. فما بالك أن رئيس الوزراء يعرف بأنه رؤية إدارة ترامب تنسجم معه في مسألة إيران والفلسطينيين، وبالتالي ليس له مبرر يدعوه للقلق.
ستواصل واشنطن اثقال يدها بالعقوبات الشديدة على إيران، ويمكن التقدير بيقين عال بما يكفي بأنه في عهد ولاية نتنياهو ـ حتى إذا ما انتخب لأربع سنوات أخرى ـ لن تقوم دولة فلسطينية.
حدث واحد، كان أكثر مثابة لحظة هزلية، وقع عندما تفوه وزير الاتصالات أيوب قره، الذي يصعب عليه المرة تلو الأخرى التحكم بلسانه، فقال إنه شارك في لقاءات سرية عقدها نتنياهو مع زعماء عرب. وكشفت مراسلة «صوت الجيش» الإسرائيلي، اليئيل شاحر، النقاب عن أن واحدًا من أولئك الزعماء كان نائب رئيس إندونيسيا، الدولة الإسلامية الأكبر في العالم، التي ليس لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
يمكن التقدير بأن رئيس الوزراء التقى بالخفاء قادة آخرين من الدول العربية (إضافة للقاء العلني مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي) والإسلامية. وإن كانت الحقيقة يجب أن تُقال أن ليس في ذلك أي جديد؛ فمعظم زعماء إسرائيل استغلوا في الغالب الجمعية لمثل هذه اللقاءات.
والحدث الثالث، المحرج، كان في أثناء احتفال استقبال السبت، الذي أجراه رئيس الوزراء وعقيلته لأعضاء الوفد الإسرائيلي والضيوف، وفي أثنائه أطلقت وزيرة الثقافة والرياضة، ميري ريغف، والوزير قره أقوال تزلف ومدائح وجمائل على الزوجين نتنياهو. ولكن هذا لم يعد ينتمي إلى مجال التغطية السياسية، بل إلى نظرية النفس البشرية.

يوسي ملمان
معاريف 2/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية