أدين لمدينة برلين أنها أعادتني إلى الشعر بعد خمس سنوات لم أكتب فيها قصيدة واحدة؛ كنت قد خرجت من ديوان (مرايا الملائكة)، المكرّس للسيرة المتخيلة للشهيدة الرضيعة إيمان حجو، منهكا. كانت كتابة الديوان مرهقة إنسانيا وانفعاليا، بحيث لم أجرؤ بعده على العودة إلى الشعر، بل لم أكن أجرؤ على قراءة بعض قصائده في الأمسيات، لأن قراءتها كانت تعني العودة لمعايشة كل لحظات كتابتها.
لكن برلين، وخريف برلين، أعاداني إلى الشِّعر.
كانت تلك الأيام التي أمضيتها في المدينة، في زيارتي الأولى لها، حافلة بجمال من نوع آخر، وإن كان جمالا يلامس الموت دون أن يُرخي قبضته المتمسكة بالحياة؛ مثل جمال إيمان حجو أيضا، إذ كانت تشعّ نورا رغم أن شظية كبيرة التهمت نصف بطنها.
بعد تلك الزيارة، ولِد ديوان (حجرة الناي)، الذي تتأمل فيه مئة وستون قصيدة الخريفَ من زوايا كثيرة، أتاحت لي أن أتأمل ما يعبرني من خريف أيضا، وأنا أغبط الأشجار التي تقف واثقة، أنه الخريف سيعبر، وأن الربيع سيعود ثانية.
زيارتي الأخيرة لبرلين، قبل أسبوعين، كانت حافلة بحوارات كثيرة ولقاءات رائعة مع كتاب من مختلف دول العالم، والحق أن المهرجان العالمي للآداب، الذي يقام في المدينة، واحد من أغنى المهرجانات العالمية وأكثرها تأثيرا.
من الأسئلة التي تلقيتها، وكانت الإجابة عنها تُضمر الكثير من الجد والكثير من السخرية، سؤال: لماذا لا توجد رواية بوليسية في العالم العربي؟
فعلا، هو سؤال مهم، لكن غياب الرواية العربية البوليسية مرهون أيضا بازدواجية غريبة، فهي ذات حظوة من قبل القراء، فتيانا وشبابا وما بعد ذلك من مراحل عمرية، لكنها تبدو مُستهجنة لخفَّتها! لأنها رواية تصبح أقلّ من جادة إذا كتبها كاتب عربي، من وجهة نظر القارئ العربي!
لكن هذا الأمر لم أتطرق إليه في إجابتي، إذ قلت ساخرا إن وقوع جريمة، عادة، يقتضي تحقيقا ومتابعة وتحليلا وجمْعا دقيقا للأدلة، ثم القبض على المتهم، وإذا ما أنكر يتواصل العمل على حلِّ لغز الجريمة وتشابك خيوطها وما خفي من دوافعها، وهذا أمر متّبع في كثير من دول العالم التي ولدت فيها الرواية البوليسية ونمَتْ، ولكننا في العالم العربي نُمسك بأول متهم ونظل نضربه حتى يعترف! وهذا يعني أن الكاتب العربي إذا أراد كتابة رواية بوليسية، فلن يكون عدد صفحاتها أكثر من عشر صفحات، لأنها ستتحدث عن ثلاث وقائع: لحظة القتل، والإمساك بأول متهم، والاعتراف!
الروائي العربي لا ينقصه الخيال، ولكنه وجد نفسه في القرن العشرين مطالبا بأن يجيب عن، ويحاور، سؤال التحرر الوطني والحرية الإنسانية
أعرف أن هذا التفسير فيه الكثير من السخرية، ولكن كيف لا يمكن أن يُضمر كل هذه السخرية، ما دامت الاستخبارات الحربية تُطبق اليوم على مكتبة وتصادر كتابا منتشرا في كل مكان، وتتهم الناشر بمعادة الدولة ونشر أسرارها، وتذهب به إلى ما وراء الشمس؟
السؤال الثاني الذي لم أفكر فيه كثيرا من قبل، هو: لماذا غابت رواية الخيال العلمي عن أدبنا العربي، ولم تكن جزءا منه، رغم أن هذه الرواية كانت معروفة على نطاق واسع، من خلال مؤلفات كثير من الكتاب العالميين الذين تُرجموا بوفرة إلى العربية، ومبكرا.
في ظني أن رواية الخيال العلمي غابت لأسباب كثيرة، لكن السببين المهمين، كانا؛ أولا: غياب البيئة العربية العلمية التي نمت فيها الرواية الأوروبية، وبخاصة في القرن التاسع عشر، مع بدايات عصر النهضة، مع أن رواية الخيال العلمي، كما نعرف، كانت سباقة في إيجاد اختراعات داخل مساراتها، لم يكن العلم قد توصّل إليها، ومن المصادفات الجميلة أنني شاهدت برنامجا منذ أيام يتحدث فيه عدد من العلماء ويعترفون أن كثيرا من الاختراعات الجديدة توحي، أو أوحت، لهم بها السينما والأدب.
أما ثاني هذه الأسباب، ففي ظني أن الروائي العربي لا ينقصه الخيال، ولكنه وجد نفسه في القرن العشرين مطالبا بأن يجيب عن، ويحاور، سؤال التحرر الوطني والحرية الإنسانية، والمشكلات الكبرى التي تواجه تقدم الشعب العربي، ومن بينها العدو الخارجي والسلطة المتوحشة، غالبا، وما خلّفته في حياتنا على مستوى الفقر، وانعدام التطور، وكبت الحريات، وتكبيل العقول بدءا من الكتاب المدرسي، في حالات كثيرة، وليس انتهاء بامتلاكها وهيمنتها على الصحف والإذاعات ومحطات التلفزيون.
ولذا ظلت الكتابة العربية تبحث للبشر عن موقع لهم على الأرض، إذ من العبث أن تبحث الكتابة في حالة كهذه عن رحيل فردوسي ممتع إلى الفضاء، هي التي تدفع ثمنا باهظا لأنها تصرّ على أن تكون أقدامها مزروعة في التراب.
في الأيام القليلة في برلين، كان المرء قادرا على أن يتحاور حول قضايا كثيرة تؤرق البشر، ومن بينها قضية اللجوء وما تركته من جروح عميقة في روح العالم، وأن يستمع لتجارب الآخرين القادمين من قارات العالم، وأن يسمعوا منه عن تجربته.
وبعد:
في البدء لم يكن هذا الخريفُ ..
كانتْ عاشقة!
قد أمسكتْ بزهرةٍ وردّدتْ في سرّها:
يُحبّني، لا لا يُحبّني، يُحبّني، لا لا يُحبّني
وحينما انتهتْ أوراقُها ولم يُجب أحدْ
مضتْ إلى الحقول واحدا فواحدا لتسأل الزهورَ والأبدْ
جوريّة، زنبقة، نوّارة:
يُحبّني، لا لا يُحبّني، يُحبّني، لا لا يُحبّني
ولم يُجِبْ أحدْ
مضتْ إلى الأشجار تخصفُ الورَقْ:
يُحبّني، لا لا يُحبّني، يُحبّني، لا لا يُحبّني
ولم يُجِبْ أحدْ
.. فاصفرَّتِ البلَدْ!