■ يبدو أن رحيقَ الشّوك الخالص الذي استقرّ في أدمغتنا بعد هذه الثورات العربية قد دفعنا لعدم الإيمان بمطلق الأشياء حتى الروحانية منها، بل على العكس أصبح تهريب المفاهيم من خارج قواميسنا، سمة المثقف العربي الذي مازال يراقب الحقائق القائمة حاليا ويعالجها مستدعياً إرثه التاريخي في الانتصارات القديمة. وما أراه الان ان أكثر مظاهر وضعنا الحالي تهديدا لنا، هو أننا مازلنا نعتبر العوامل الأكثر فتكا بنا وتحطمنا من الداخل هي أمور عادية وقدريّة لا يمكن تجنبها، مثل بعض الانظمة التي تحكمنا حتى الان، ومن نفذ من داء الخُرافة والأساطير يعلم أن الخطأ ليس خطأ تماما ولا الصواب يكون صوابا بالكامل.. فلا توجد حرية كاملة او ديمقراطية شمولية.. ومع الأسف لم تعد تلك الفكرة السائدة حول التعاطي مع الحقوق والواجبات بين المواطن والدولة مطلبا وطنيا .
إن ما قرأناه وشاهدناه في وسائل الاعلام قبل ايام عن حبس رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود اولمرت ثماني سنوات، وتغريمه مليون شيكل بتهمة (الرشوة والخيانة العامة) بقرار القاضي المعروف بأحكامه الصارمة دافيد روزين، هو إشارة لاحترام عدونا إلى جانب كراهيته !
قد يبدو الأمر ملتبسا علينا الا نفرق بين تعاطي الكيان الصهيوني وجيشه مع الاطفال والشباب والنساء في فلسطين وطريقة إهانتهم امام الحواجز العسكرية، وتطبيق أعلى مراحل الديمقراطية داخل نظام الحكم .
من الصعب هجاء الديمقراطية أمام هذا الموقف واستعارة نقيضها بعد اختلاف معانيها وأشكال تأويلها وتطبيقها، أولا لأن تهريب المفاهيم خارج حدود قواميسنا، كما ذكرت بداية، قد يدفعنا للحاق بها، وبالتالي حدوث عملية انزلاق تدريجي لتاريخنا، وما ترتب عليها من مفارقات وتناقضات في تطبيقها، حتى ما أفرزته من أيديولوجيا افقية وعمودية جعلت منها سلاحاً بلا غمدٍ، بحيث يمكنك استعارة الديمقراطية عند الحوار العائلي للخروج عن تقاليد معينة أو في الخطاب الشعبي للحصول على صوت انتخابي، وحتى مبرراً للقتل العشوائي أيضاً. وهنا يمكننا تسميتها في حلتها الجديدة بالسيف الذي يأخذ شكل الناي، وهذا التوصيف قد يكون مشابها لما قاله كارل ماركس الذي كان يعلم أن الرأسمالية التي أصبح عمرها 150 عاماً ستظل باقية، فكانت رؤيته «ان الديمقراطية في جوهرها هي ديكتاتورية طبقة» وبذات الوقت كان يرى ان الدولة لا يمكنها تطبيق الاشتراكية بالقوة.
وعلينا ان نعلم جيدا أنه ليس كل ما يتبع مصطلح الديمقراطية يُعتبر ديمقراطياً، وليس بالضرورة أن يكون إضافة لحقيقتها ومعناها، فالديمقراطية الأثينية (ديمقراطية الكادحين والمنتجين) وديمقراطية روما (هيمنة الارستقراطية) أو الديمقراطية الليبرالية (الفصل بين الدولة والمجتمع المدني) لم يكن أي منها إضافة إلى المعنى الحقيقي للديمقراطية بل على العكس. واليوم يتفق الرأي العام الاقليمي على ان المطلب البروليتاري الديمقراطي الشعبي هو اجتثاث عوامل الاستبداد والغطرسة داخل أجهزة الدولة كاملة، والحد من تقزيم المواطنة وتأطير سلطة الحاكم وتقليص نفوذه بمعزل عن أي مدرسة ديمقراطية بائسة نجدها في نفايات التاريخ. على العرب جميعا والباحثين منهم تحديدا أن يعيدوا النظر بدوافع هذه الثورات وأسباب قيامها قبل تفسير مآلاتها..لان المشهد العام مؤلم جدا، ابتداء من ليبيا التي قدمت شرعية للغرب لمقايضة حريتها المؤقتة باحتلال غير عضوي وانتهت بفائض فوضى بكل أشكال الحياة فيها كما نراها الان.. وانتهاء بسفراء الغرب الذين يصدرون التصريحات الرسمية في بلادنا العربية على اعتبار انهم الناطقون باسم الدولة وهم يفعلون ذلك بموافقة الدولة ! ان التعايش مع الطائفية في لبنان والاعتزاز بطريقة الحياة هذه، أدت إلى تحالفات مع جهات خارجية عديدة، بدءاً من سورية ومن ثم إيران والولايات المتحدة، وانتهاء بما تسمى إسرائيل، وهذه ديمقراطية نسبية في مفهومها الجديد، والامتداد الأمريكي المتواصل في العراق هو ديمقراطية جديدة أيضا، وأسلوب الحشد والتعبئة الذي تبنّاه النظام السوري لترهيب الناس من الخلافات الطائفية هو ديمقراطية نظام أيضاً.
لقد قامت الولايات المتحدة بإعادة تعريف المصطلحات وتخزينها في ذاكرتنا الشعبية، بحيث تحوّل الاحتلال إلى مقاومة إرهاب، وتحوّلت العولمة إلى امبريالية واحتلال، والأمركة إلى حداثة وتطوير أيضاً، اذ قامت الولايات المتحدة التي علينا الاعتراف بذكائها بالتركيز على مفهوم لا يحتاج لموطئ قدم، وصدقه مطلق في مناهجنا الدراسية فاشتقت منه كلّ الرذائل التي مارستها فوق أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأفغانستان والعراق، وما تقوم به الآن على أرض ليبيا وغيرها.. تماما مثل كعكة عيد الميلاد، فلا أحد يكترث بمذاقها بعد وضع الشموع فوقها، ما دامت تُقدّم في مناسبة جميلة لا يرفضها أحد.. إنها الكعكة الديمقراطية إن دخلت بيتاً حوّلته إلى غناء ورقص وفرح مُغطّى بالبياض، فتلك حكمتها وحكمة المحكوم بتقاليد الميلاد.
على المحللين والإعلاميين والنقاد والأكاديميين والمفكرين، وعلى الانتلجنسيا العربية في كل المجالات أن يعقدوا الندوات والنقاشات حول كل الخطابات التي تصدر عن الغرب عموماً وما تُسمى اسرائيل تحديداً، لكي تكشف عن خفايا هذه الكلمة غير العزلاء، وعلى القارئ والمشاهد أن يتحوّل من دور المتلقي إلى الناقد والمشارك أيضاً في صناعة المستقبل للجيل القادم، لأن المعبد باعتباره خير مكان للعبادة قد يكون أفضل مكان لنوم العابرين.
وأقول اخيرا على الشارع العربي أن يشهد هذا الانتقال الجدّي نحو الديمقراطية، وان يبدأ بممارستها في اصغر تفاصيل الحياة، وعلينا الا ننشغل بالثأرية والانتقام من الأنظمة السابقة بعد أن يأخذ القانون مجراه، لأن الثورة الحقيقية هي التي تسعى لانصهار الشرخ في بنيتها للعمل على إعادة التئامه بطريقة أمتن مما كانت عليه، وعندما قال أضخم عقل عربي في المنطقة الأستاذ محمد حسنين هيكل «ليس علينا تعطيل المستقبل لتصفية حساباتنا مع الماضي» كان هذا القول من شخص عاش الديماغوجية المصرية في النظام القديم، وقوله بمثابة دعوة للشعوب التي تعيد إنتاج نفسها ألا تلتفت لماضيها العكر خوفاً من امتداده لصفو المستقبل.. وذلك يذكرني برثاء القرية لضحاياها الذين ماتوا من أجل تمدينها، لكنّها أصرّت بقوة تاريخها أن تحافظ على ملامحها القروية ولم تكترث لسَيل الدّماء .
٭ كاتب فلسطيني مقيم في موسكو
عماد فؤاد مسعود