بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: حاول القاص والروائي حسن بلاسم أن يلخص محنة العراق؛ أمس واليوم، بقصته التي فازت بجائزة الاندبندت البريطانية، فبدأ قصته «المسيح العراقي» في أثناء حرب الخليج الثانية، من خلال تسليطه الضوء على «دانيال» المسيحي الذي كان يسمى «أبو علج» لأنه كان يعلك طوال الوقت وكأن»علكة دانيال كانت بمثابة بطارية لشحن شاشة دماغه»، كان دانيال نموذجاً مختلفاً للجنود العراقيين، لماحاً، ذكياً، يعشق الرادار وحاول أن يدخل القوة الجوية، لكنه فشل أكثر من مرة في ذلك، وعلى الرغم من دخوله للطبابة العسكرية، إلا أنه بقي متعلقاً بالرادار، حتى أنه وشم معادلة رياضية تخص الرادار على ذراعه: «هؤلاء شبان قردة. لا يعرفون حقيقة دانيال. شغلهم الشاغل ممارسة العادة السرية فوق رحلات البنات. صاروخ واحد ويصيرون عيورة متفحمة. في مثل هذه الحروب العبثية موهبة دانيال هي طوق نجاة. كنا معا في حرب الكويت. لولا قدراته المدهشة، لما نجونا. باستثناء كآبته، لا يمكن اعتبار دانيال من طينة البشر. أنه نسمة هواء عذبة. فرشت بطانيتي قربه، واستلقيت على ظهري، مثله، محدقا في السماء».
يبني بلاسم قصته من خلال استذكارات عدَّة، أولها حينما كانوا جنوداً في أثناء حرب الكويت، فقد كان دانيال قبلة الجنود في الهروب من الهجومات المتكررة، كان يتنبأ برائحة الموت أينما حلَّ، وهو ما ساعد راوي القصة «علي» في الحفاظ على حياته، لينجو من حرب كبيرة وفيما بعد دخول القوات الامريكية لبغداد بعد ثلاثة عشر عاماً، إلا أن علي، بعد أن ابتعد عن دانيال، أصيب بثلاث رصاصات في رأسه وهو يتنقل مع دورية أميركية، دانيال؛ من جانبه، رفض العودة للجيش وقرر أن يبقى مع أمه المريضة، رافضاً دعوات أختيه الكبيرتين للسفر إلى كندا، ورسالة أخته الكبرى الطويلة التي تحثه على الهجرة إلى كندا، غير أن دانيال، وفي ظل إصرار أمه على البقاء في بغداد، لم يغادر وطنه، متمسكاً بحياته وذكرياته وآلامه وأفراحه.
دانيال كان مسيحياً متديناً، زيارته للكنيسة كل يوم أحد لم يقطعها على الرغم من الظروف المحيطة بالمسيحيين. كل يوم أحد كان يأخذ أمه لحضور قداس الكنيسة، ومن ثمَّ يأخذها للغداء في أحد مطاعم بغداد، يلقمها الطعام الذي تطلبه بعد أن تتلمسه، فهي الضريرة والتي لا تقوى على الكلام ولا المشي.
مات علي بعد إصابته بثلاث رصاصات في رأسه، ومات دانيال، كان لقاؤهما في الآخرة متسعاً ليروي دانيال لعلي كيف مات:
«اقتاده الشاب إلى المرحاض. وارى الباب واحتفظ بطرف أصبعه فوق زر الحزام الناسف وبيده الأخرى أستل مسدسا من حزامه. صوبه إلى رأس دانيال. كان الشاب يعانق المسيح ويلف ذراعيه حوله بسبب ضيق المكان، وقد لخص ما يريده : أن يتبادلا الحزام، مقابل حياة العجوز.
كان الشاب في حالة هيستيرية وسيطر بالكاد على نفسه. قال إن هناك من سيصور الانفجار خارج المطعم. وأن لم ينسف نفسه فأنهم سيقتلونه. لم يرد دانيال عليه بكلمة. وراحا يتصببان عرقاً. حاول زبون دفع باب المرحاض. فتنحنح الشاب. ثم كرر وعده للمسيح بإخراج العجوز من المطعم بأمان، وإذا لم ينسف المسيح نفسه فانه سيقتل العجوز. مرت نصف دقيقة من الصمت، ثم وافق بإيماءة من رأسه وهو يحدق ذاهلاً في عيني الشاب. طلب الشاب منه أن يفك الحزام ويلفه حول نفسه. كان الأمر صعباً لضيق المكان. انسحب الشاب بحذر، تاركاً المسيح في المرحاض وحوله الحزام الناسف. اتجه مسرعاً صوب العجوز في زاوية الصالة. ربت على كتفها بلطف ومسك يدها. قامت معه مثل الطفل. كان الزحام أخذ يشتد في المطعم، ويتعالى الضجيج. الأفواه تضحك. وأصوات الملاعق تنطلق وكأنها حرب بالسيوف.
خر المسيح منهاراً على ركبيته. راح يتنفس بصعوبة ثم تدفق البول في بنطاله. فتح باب المرحاض وزحف نحو الصالة. التقاه شخص عند باب التواليت، فولى هارباً وهو يصرخ: انتحاري…. انتحاري…
وسط هلع الناس والأطفال وهم يدوسون فوق بعضهم بعض، لمح المسيح كرسي أمه فارغاً فضغط على الزر..».
هكذا تنتهي القصة، لكن دانيال لم يكن إرهابياً، بل إجبار الإرهابي الذي يرتدي الحزام الناسف وتهديده بقتل أمه إن لم ينفذ العملية حوله لإرهابي من نوع آخر، إرهابي يحب الحياة، يحب أمه، يحب أن يراها تخرج سالمة يقودها الإرهابي الحقيقي وسط هلع الناس وتطاير الجثث في كل ركن من أركان المطعم.
في هذه القصة خرج بلاسم عن التسلسل العادي للقصة العربية، فقد اختصر أكثر من عقدين من الزمن في صفحات قليلة، وهو ما جعله يحصل على «جائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي» البريطانية عن كتابه «المسيح العراقي» وهو أول عربي ينال هذه الجائزة، والأهم من هذا أن بلاسم قدّم هذا الكتاب كمخطوطة بالإنكليزية وليس بالعربية، لأنه كان ينوي نشرها بلغة ثانية وليس بالعربية احتجاجاً على دور النشر العربية التي تبتز الكتاب وتجبرهم على دفع تكاليف طباعة كتبهم.
عندما نشر بلاسم قصته «المسيح العراقي» في بعض مواقع الإنترنت، احتج البعض على ضعف لغته والأخطاء الإملائية والنحوية، لكن حسن قدمها هذه المرة باللغة الإنكليزية، وهو ما قد يغير من بنية الجملة، ويتهرب من اللغة التي وصفها بعض المتابعين بـ»الركيكة». من جانبه قال بلاسم في أحد اللقاءات الصحفية إن هناك نقاشا مستمرا في العالم العربي حول المشاكل التي تعاني منها اللغة العربية، والتي لم تواكب العصر بسبب الرقابة وعدم وجود مؤسسات قوية وجادة تعمل على بث حياة جديدة في ذلك، «العربية الفصحى تحتاج إلى ثورة ضد نظامها النحوي وعن «المقدس» القائم على أصولها، فعلى سبيل المثال منذ مئات السنين ونحن لم نستخدم الفصحى (الأدبية منها خصوصاً) في العالم العربي إلا في الكتابة والنشر ولم نستخدمها حتى في حياتنا اليومية، في العالم العربي تستخدم العديد من اللهجات المحلية كمتداول يومي ما أدى إلى أن يكون هنالك فصل بين اللغة التي نكتب بها وبين التي نتحدث ما أدى إلى جانب واحد من الجهل وعلى نطاق واسع في العالم العربي الذي يعاني أصلا من فشل كبير في مجال التعليم (حيث يستخدم نظام التعليم الفصحى في الكتب بينما المعلم يتحدث اللغة العامية) وهذا شرخ كبير بحاجة إلى معالجة جذرية، من خلال كل ما تقدم أقول أن سر بقاء اللغة العربية وحيويتها يكمن بالامتناع عن كل ما يسيء إلى جماليتها وقدسيتها، لأنها لغة القرآن أساساً واللغة التي صنعت من حروفها قصائد لكبار شعراء العربية قديمها وحديثها فمن غير الممكن إهمالها»، كلام بلاسم هذا ربما يبرر استخدامه اللغة العامية «العراقية» في الحوار الذي دار في القصة، وقصص المجموعة الأخرى. لكنه أيضاً يرى أننا بحاجة للتعبير عن الكوارث في حياتنا ومنها الحديث عن لغتنا العربية كما نتحدث بجرأة عما يسيء لحياتنا في حين أنها- أي لغتنا- ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكل معاني الجمال والقداسة.
يشار إلى أن حسن بلاسم، المولود ببغداد في العام 1973، صدر له أكثر من كتاب قصصي، منها «مجنون ساحة الحرية» الذي صدر باللغة الإنكليزية ومن ثم العربية، ورشحت لجائزة صحيفة الاندبيندت وجائزة فرانك اوكونور العالمية، وقد منعت من التداول في بعض الدول العربية بعد صدورها عن الدار العربية للدراسات والنشر في العام 2012.