مدينة أريحا عاصمة أغرب وأعتق أديرة العالم

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: دير القرنطل في صحراء أريحا الفلسطينية، واحد من أبرز وأعتق الأديرة في العالم، وقد بات مزارا سياحيا يؤمه حجاج وزائرون من كل العالم لكنه ليس وحيدا. تنتشر في فلسطين مئات الأديرة، سبعون منها للروم الأرثوذوكس أقدمها وأغربها من ناحية تاريخها، موقعها ونمط عيش رهبانها ونساكها وهو يتوسط المنطقة الصحراوية بين القدس وأريحا ونهر الأردن. تقوم في هذه المنطقة أديرة تاريخية كثيرة تعود على ما يبدو لصلة السيد المسيح بها، حيث تم تعميده على يد يوحنا المعمدان في «المغطس» داخل نهر الأردن المجاور وتجول فيها خلال ترحاله إلى القدس. ودير القرنطل واحد من أديرة الروم الأرثوذوكس التاريخية، يقع غربي أريحا على سفوح وادي القلط المنحدر من منطقة القدس حتى أريحا، ويمتاز بوفرة أقبيته وطواحينه التي تستفيد من تدفق مياه الينابيع على مدار العام.

يعود تاريخ دير قرنطل أو «جبل التجربة» إلى سنة 325 ميلادية، عصر الملكة هيلانة

ووفق المعتقدات المسيحية فإن السيد المسيح وبعد أن عمدّه يوحنا المعمدان أمضى 40 يوما صائما في أحد كهوف المكان وعندها جاءه إبليس وحاول إغوائه فقال مقولته الشهيرة «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان».

التسميات والدلالات

في مدينة أريحا غرب الضفة، يبرز جبل شامخ بارتفاع 350 مترا يعرف بأسماء عديدة أشيعها «جبل قرنطل» لأنه يرتبط باسم الدير المحفور بين صخوره، ويحمل دلالات تاريخية ودينية تؤهله للظهور بوضوح على خريطة السياحة الدولية. يعود تاريخ الدير الذي يطلق عليه أيضا «جبل التجربة» و»جبل الأربعين» إلى عام 325 ميلادية في عصر الملكة هيلانة، وتدور حوله قصص عديدة أهمها أن السيد المسيح لجأ إليه بعد تعميده في نهر الأردن وصام فيه 40 يوما. وسعت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية لتسجيل المكان ضمن مجموعة أخرى من المواقع الأثرية في مدينة أريحا، أو كما يسميها البعض «مدينة القمر» على لائحة التراث العالمي. وقال مدير عام دائرة السياحة والآثار في المحافظة إن «وزارة السياحة منذ زمن تهتم بالأديرة في فلسطين لإدراكها لأهميتها سواء من الناحية الدينية أو السياحية لاستجلابها عددا كبيرا من الزوار الذين يأتون لغايات دينية وسياحية».

الأربعون

القرنطل الذي بني في القرن الرابع حول مغارات سكنها نساك، يعتبر أغرب الأديرة في بنائه في كتف جبل قرنطل، بعضه معلق في الهواء وبعضه الآخر منحوت في الصخر. دير القرنطل الذي يحتوي على كنيسة ويسكنه أربعة رهبان اليوم كان اكتسب تسميته بعد ما تم تحريف كلمة قوارنتانا اللاتينية «الأربعون» وهي تسمية منحها الصليبيون للموقع في القرن الثاني عشر، ولهذا يدعى الجبل حتى اليوم «جبل القرنطل». بموجب المعتقدات والتقاليد المسيحية أقام السيد المسيح في مغارة تحت الدير طيلة 40 يوما صائما وعلى خلفية ذلك دأب الرهبان على التنسك في مغارات كثيرة في جنبات الجبل هناك اقتداء بالسيد المسيح واستلهاما له.

دير القديس يوحنا، المبني من القرن الخامس ما زالت فيه بقايا فسيفساء ونقوش ورسومات

في الوادي السحيق بين القدس وأريحا والمعروف بوادي القلط، تنتشر صوامع وأديرة أغلبيتها الساحقة للروم الأرثوذوكس، تتواصل حياة الرهبنة فيها منذ قرون كثيرة، بعضها دون انقطاع. ولعراقتها باتت الأديرة في المنطقة الصحراوية متاحف لموجودات أثرية ثمينة ومزارات للحجاج والسائحين من كل العالم ومن أبرزها دير مار جريس التاريخي الذي يقوم منذ القرن الرابع في سفح وادي القلط، ظهره للجبل وأمامه جدول تتدفق مياهه من القدس حتى نهر الأردن، وفي وسطه تقوم صومعة تاريخية ومن حوله مغارات اعتاد الرهبان على التعبد والتأمل فيها. وبنى الدير يوحنا الطيبي (من مدينة طيبة المصرية، الأقصر حاليًا) وفي القرن السادس سُميّ الدير «سان جورج» نسبة إلى القديس جورج الخزيفي من قبرص الذي تَنسّك هنا في هذه المنطقة. يتبع هذا الدير كنيسة الروم الأرثوذكس ما يبرر وجود علم اليونان على سطحه وهو بعيدٌ عن صخب الحياة اليومية في مدينة أريحا، ويستقبل الزوار أربع ساعات يوميًا.

نساك الكهوف

وأغلبية هؤلاء الرهبان من الأجانب خاصة من اليونان وروسيا، وهم يتحاشون الانكشاف والتحدث للصحافة ولا يجيدون اللغات سوى اللغة الأم ولغات قديمة. كسائر الأديرة في صحراء الخليل والمنطقة الممتدة بين القدس وأريحا، يستيقظ الرهبان في دير مار جريس قبيل انتصاف الليل على أنغام الأجراس للتعبد ولإنارة أضرحة القديسين. ويدفن أهل الدير موتاهم داخل بئر ويتم الاحتفاظ بجماجمهم في ركن داخل الدير حتى تكون خير موعظة للبشر وللحياة الدنيا. وحسب الباحث يوسف مطر، الذي سبق وكتب عن المواقع المقدسة في فلسطين، فما يزال جثمان الخزيفي كما هو دون أن يتحلل منذ وفاته وهو محفوظٌ في صندوق زجاجي، يجده الزائر لكنيسة الدير، وهو بمثابة معجزة بالنسبة لمسيحيي الروم الأرثوذوكس، لذا يحجّون إلى الدير من مختلف أنحاء العالم، للفُرجة والتَبرّك. وإلى جانب الجثمان، تلاحظ عددًا من الجماجم، وهي لرهبان قتلوا على يد الفرس عام 614 وتم العثور على هذه الجماجم أثناء عمليات التنقيب وترميم الدير لاحقا. كما تم تحنيط جثمان الخزيفي، أحد القديسين القدامى المحفوظ داخل تابوت من زجاج. أما أرضية الغرفة التي يوجد فيها الجثمان فتزيّنها الفسيفساء التي تعود للقرن السابع والثاني عشر. ينوه مطر، إلى أنه في عام 1179 قام الصليبيون بترميم الدير، ثم هُجر لفترة طويلة حتى جاء راهب يوناني اسمه كالينيكوس 1878 وقام ببنائه وترميمه مجددًا وسكن فيه حتى عام 1901.

بخلاف غذاء الروح فإن غذاء الجسد لدى الرهبان شحيح وفقير

وبخلاف غذاء الروح فإن غذاء الجسد لدى الرهبان شحيح وفقير. فهم لا يتناولون اللحوم ويقلون في تناول الطعام. جورج، كاهن يوناني مقيم في الدير استقبلنا ببشاشة وأوضح أن الأديرة في منطقة صحراء الخليل تجتذب منذ القرون الماضية آلاف الرهبان، لافتا لإقامتهم في البدايات داخل الكهوف. ويشير الراهب جورج إلى إنه لم يبرح الدير منذ أن التحق به قبل 15 عاما عدا مرتين زار فيهما سيناء وموطنه اليونان منوها إلى أن العيش في الصحراء يتطلب إرادة قوية من حديد وأيمانا راسخا واستعدادا للتضحية بالكثير في سبيل التعبد والتأمل. ويتابع «بالنسبة لكثيرين يبدو الدير سجنا لكنه بالنسبة لنا هو جنة عدن، وأنا لا أعرف ماذا يحدث في العالم وفقط سمعت من صديق أن هناك مظاهرات ومذبحة في غزة».

في وادي القلط، تنتشر صوامع وأديرة أغلبيتها الساحقة للروم الأرثوذوكس
ويشير إلى أن الرهبان يقضون جل أوقاتهم في القراءة الدينية والفلسفية وفي التعلم، والتفكّر والصلاة، قائلا انهم يتقاطعون من هذه الناحية مع الصوفيين في الديانة الإسلامية. وردا على سؤال يشير أنه وصل للبلاد من قبرص غداة تخرجه من كلية الهندسة واتخاذه قرارا بأنه لن يصبح مهندسا ويرغب في اللحاق بدير وهو اليوم يلتقي أقرباءه مرة كل عام، ويضيف «رفضت عائلتي توجهي للدير وما زالت أمي تبكي علي حتى اليوم».

دير يوحنا

وفي شرقي أريحا، المدينة الأقدم والأكثر انخفاضا في العالم (400 متر تحت سطح البحر) والقائمة على بعد كيلومترات معدودة من نهر الأردن، يقوم دير تاريخي آخر، هو دير القديس يوحنا، المبني من القرن الخامس. رمّم الصليبيون هذا الدير في العصور الوسطى وفيه أيضا بقايا فسيفساء ونقوش ورسومات، وهو على مسافة قصيرة من «المغطس» موقع تعميد المسيح الذي يحج له المسيحيون. ويشبه الدير القلعة في تصميمه ويزدان بقمة جميلة تحتوي على أربعة أجراس. وعلى مقربة منه يقوم «دير حجلة» الذي تحفظ فيه أعمال فنية تاريخية هي الأخرى من العصور الوسطى. وهناك دير مجاور يدعى دير الأحباش ملاصق لنهر الأردن وتموّله حكومة أثيوبيا ورهبانه منها ومن السودان.

الفارسية والإسلامية

بعد إنهاء جولة في الأديرة التاريخية في محيط أريحا يمكن للزائر أن يزورها ويستكمل زيارته للمدينة. لا ينقطع الحجاج المسيحيون عن زيارة هذه المدينة القائمة كالواحة الخضراء داخل الصحراء وفيها أيضا تنتشر بعض الأديرة تعود لعدة طوائف مسيحية من أقدمها دير الروم الأرثوذوكس، وفي مدخله شجرة جميز عملاقة تتسم بالقدسية بالنسبة للمسيحيين يقال إنها من زمن المسيح. داخل هذا الدير كنيسة مار زكا، وقد بنيت على الطراز المعماري البيزنطي في القرن الرابع وأرضيتها مغطاة بالفسيفساء وتحتوي على قبور قديسين. ويوضح الجغرافي الباحث دكتور شكري عراف، إن الأديرة تجسد الرؤية الحقيقية للمسيحية القائمة على التواضع والقناعة والتزهد. وحول بقاء هذا العدد الكبير من الأديرة في فلسطين وفي الشرق عموما يستذكر عراف، أن عددها في الأصل كان أكبر وأن الغزو الفارسي لفلسطين مطلع القرن السابع دمّر معظم أديرتها وقتل وشرد رهبانها. ويتابع «لكنها ما لبثت أن نعمت بالاستقرار والأمن بعد ظهور الإسلام، حيث تعاملت الأغلبية الساحقة من الحكام المسلمين معها بتسامح تؤكده الوثائق والروايات التاريخية».

يدفن أهل دير مار جريس موتاهم داخل بئر

ومن الآثار الإسلامية الهامة في مدينة أريحا قصر هشام، وهو قصر عربي رائع بناه هشام بن عبد الملك، على خربة المفجر. ويقع في منتصف منطقة صحراوية على بعد خمسة كيلو مترات إلى الشمال من مدينة أريحا. كان القصر قد شيد ليكون مشتى للخليفة ومقرا للدولة في فلسطين وقد فضل الخليفة هشام بن عبد الملك، حرية الصحراء على حياة المدينة في العاصمة دمشق لكي يتمكن من ممارسة هواية الصيد علاوة على البحث عن المناخ المناسب في فصل الشتاء كما يرجح بعض المؤرخين. ويتكون القصر من مجموعة من البنايات والحمامات والجوامع وقاعات مليئة بالأعمدة الأثرية، وتعتبر الفسيفساء والزخارف والحلي من الأمثلة الرائعة للفن والعمارة الإسلامية القديمة. يقول الخبراء إن زلزالا عنيفا ضرب المنطقة ودمر الأبنية في قصر هشام قبل أن يكتمل. وبفعل الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت الفسيفساء والرسومات الرائعة الموجودة في القصر وهي اليوم في حالة ممتازة بعد إخضاعها لعملية ترميم وصيانة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية