لويس خورخي بورخيس… مهندس أدب المتاهات والقاهر للظلام

لقد جرب بورخيس الكتابة في مختلف الأنواع الأدبية من شعر وقصة، وكذلك كتب في مجال الفكر ثم الترجمة، فأنتج المقالات ذات النسغ الفلسفي الجارف، لهذه الأسباب كان ذلك العلم الفكري الذي اشتهر بتعدده وبفسحة مساحة مرجعيته. فمارس ذاكرته بكثير من الرهبة والجبروت على القارئ، إنما اللافت هو أن بورخيس في كل هذه الأنواع من الخطاب ظل جامعا ومركبا، إذ استحضر الحكي وطقوسه الجمالية في مختلف منتجه.
كتب المقالة الفكرية من خلفية شعرية، وهو ما كان يحلو له وضع نفسه في إطاره باعتباره شاعرا أكثر منه قاصا، لذلك كان ساحرا يراقص الكلمات ويحوك براهينه العجيبة ويبتكر أحلامه ومراياه. هذا بالنسبة للصورة التي تشكلها الكتابة عند بورخيس. أما صورته عن نفسه فهو ذلك القارئ المتواضع أكثر منه كاتبا، صاحب الكتابة المتاهية والمنفلتة العصية على القبض. فهو يفجر نصوصه على القارئ ويوهمه بقضايا ليست حقيقية، كصناعة أحداث ووقائع وشخصيات ونسبها إلى التاريخ والواقع، ما يتطلب من القارئ الكثير من الفطنة. وعليه فإن بورخيس هو نفسه لا يستطيع الانفلات من (وايلد، هوميروس أو أدغار ألان بو) وحتى كتاب الليالي «الف ليلة وليلة» فهو يهيم وجدا بهذه المرجعيات والمحكيات الساحرة. فإن الذين قرأوا بورخيس مثل أمبرتو أيكو، لا ينفك يعمل على تضمين شيء من المرجعيات البورخيسية، وإن عاند من أجل تجاوزه أو التنكر له أو الهروب من كمائنه. في النهاية لا يجد حرجا سوى التأكيد على أنه مدين بالكثير من أفكاره الأساسية وطروحاته إلى هذا الكاتب الأرجنتيني. من ثم يداعب أيكو بورخيس في روايته «اسم الوردة» موظفا الكثير من ملامح شخصية أمين مكتبة الدير الذي تقع فيه حوادث القتل. فنصوصه ذات الخاصية المتاهية هي ميزته وكذلك مواضيعه المحيرة مثل الحلم، الكتابة، العزلة، العمى والقلق. هي ذي صورة مهندس المتاهات الأرجنتيني المغرم بطيور فريد الدين العطار (منطق الطير) وكأنه طائر (السيمورغ) الذي يندس في الطيور جميعا.

لغة بورخيس ظلت رفيعة، على الرغم من العمى الذي حاصره ومارس عليه كثيرا من العزلة. فهو لم يرث العمى وحده، بل ورث معه أيضا الأدب، كما ورث النزعة الساخرة والحادة.

رفد من كتاب الليالي كما رفد من التصوف، إذ يبدو قارئا للعطار ولجلال الدين الرومي ولابن عربي وللنفري. كما هو قارئ للفكر الفلسفي في شخص ابن رشد وأيضا للأدب العربي القديم في شخص الجاحظ. يبدو أن بورخيس قد تشرب الثقافة الشرقية. كل ذلك يؤهل القارئ العربي إلى تشكيل صورة عن بورخيس تخومها المعرفية تعد كونية، لذلك عد الأديب العالمي الأكثر موسوعية، بهذه الروح المنذورة للسؤال وللسفرفي أزمنة الفكر، يكون بورخيس قد استجاب لروح عصره. وكأنه يقود السؤال نحو امتداده في حركة فكرية تستشرف الآتي وتقرأ تباشير الغد المحمل بغلال المعرفة. إن بورخيس اذن حين يتحدث عن مغامراته باحثا عن كتاب في أروقة المكتبة يتحدث في الآن نفسه عن قارئ، عن كل إنسان في استعادة العلاقة ذاتها التي تكون له مع الكون ومع الوجود. ليكون مشروعه هذا (مكتبة بابل) بمثابة الصوت الإنساني، وعليه فان بورخيس لا يتوخى الإجابة عن معضلات الوجود في موضوعيته، ولا الكشف عن أسراره وألغازه، وإنما يسعى فقط إلى الكتابة وإلى إنتاج نص أساسه اللعب بواسطة الكلمات والأصوات. في ذلك كثير من الحكمة والنضج العقلي الذي يرقى إلى العلاقة الرواقية مع الوجود. وبتوصيف آخر فهو يسعى إلى التعبير عن حكمة ما ببلاغة راقية شأنه في هذا شأن (الخيام والمعري). إن لغة بورخيس ظلت رفيعة، على الرغم من العمى الذي حاصره ومارس عليه كثيرا من العزلة. فهو لم يرث العمى وحده، بل ورث معه أيضا الأدب، كما ورث النزعة الساخرة والحادة. وهو النزاع نحو السخرية المرة. هكذا كانت الحياة بالنسبة إليه متاهة، حيث هي ممرات ودهاليز ومرايا. أما في ما يتصل بحالته المضطربة والمعبرة عن القلق المكين والمترجم بالسهاد ورؤية الكوابيس في المنام ثم نوبات الهلع التي تباغته والمترجمة في كتاباته القصصية والشعرية إلا وتجد مرجعيتها الخاصة في سيرته الذاتية، وفي شخصيته التي تعرضت لهزات نفسية بسبب المكان الذي ترعرع فيه وبسبب الرضة التي أحدثها السلم الخشبي على رأسه. لذلك وجد نفسه منذورا لكتابة كل ما هو مقلق ومفزع. ففي قصته «تقرير برودي» يرسم مجتمعا بدائيا وفاسدا، حيث تحتشد روح التهكم والسخرية في هذا المنجز السردي، أما في قصة الآخر فإنه يستخدم فكرة القرين ليعرض بعض آرائه في الماضي. أما «البرلمان» فهي الرواية القصيرة التي ود لو كتبها ولم يكتبها، وهي القصة التي يقول عنها بورخيس ذاته «قد تكون البرلمان أكثر قصص هذه المجموعة طموحا وموضوعها غاية بالغة الرحابة إلى حد أنها تختلط بنهاية الكون والأيام، أما بداياتها الغامضة فتسعى إلى محاكاة قصص كافكا وعلى صفحاتها نسجت كما هي عادتي بعض ملامحي الشخصية». هو راوي حكايات يمكننا أن نجد فيها كل أصوات البشرية، بما فيها الأصوات الغنائية والتأمل، وكذلك أصوات الشجاعة والأمل. تأثر بورخيس كثيرا بفن الملحمة الإغريقية القديمة وبقصة (طروادة) تحديدا، حيث ظل يردد قصة أخيل في (إلياذة هوميروس) «ربة الشعر ألا حدثيني عن غضبة أخيل». ما يشد بورخيس إلى هذه القصة هو حالة الغموض التي تكتنف البشر. ولمزيد من إضاءة ذلك يحدد بدقة موضوع القصة من خلال عنصر البطل، الرجل الغاضب الذي يهاجم مدينة طروادة وهو موقن بعد اقتحامها أنه سيموت قبل أن تسقط. موضحا عبرها أن الطرواديين هم أبطال حقيقيون وتراجيديون يدافعون عن مدينة هي آخذة في الاحتراق ويعرفون مصيرهم مسبقا، لكنهم يذهبون إليه لمعانقة حمام الموت كأنهم ذاهبون إلى عرس. وقد شبه بورخيس تراجيديا الطرواديين بتراجيديا يسوع الذي تقبل الموت والعذاب من أجل خير البشرية قائلا «تينك القدمان المقدستان سمرتا من أجل خيرنا على الصليب المر» إنها مأساة الإنسان في وجوده وطغيان هاجس الاغتراب عليه.
في كتابه «مديح العتمة» يؤكد بورخيس أنه نذر نفسه لخدمة محراب الأدب، وأنه فيه يمارس فعل التسكع لا يبرح أبدا عماه كفاتحة نحو شرفات من التيه والضلال والقلق والنظرة السوداء، ثم الانكفاء عليه للسخرية منه، لأن تجربته تعد بحق تشخيصا حقيقيا للمصير الإنساني الذي لا مخرج منه. لقد حرضه والده على القراءة والكتابة وعلى الإيمان بقوة الشعر، لأن هذا الأخير رسخ فيه، كما كان يقول قيمة الصبر والنزعة الرواقية في التعامل مع متاعب الحياة. لقد درس بورخيس اللغات الشرقية وعلى رأسها الفارسية، التي كانت فاكهتها هي ترجمة رائعة فريد الدين العطار، التي يرتبط متخيلها بمنطق الطير والعلاقة المتداخلة بين الواحد والكثرة، ثم بين طائر السيمورغ والطيور الأخرى، حيث الاعتقاد بمبدأ الحلول في الملحمة الصوفية. فروح الخيام كما كان يقول قد حلت بروحه. تلك الروح التي أحست بفداحة العالم. منه كثرة هوسه برباعيات الخيام التي قام بترجمتها إلى اللاتينية. وإذا كان جيمس جويس قد ألهمه برائعته (عوليس) فإن ماركيز أيضا ترك فيه دماميله بجغرافية وعالمه الروائي الساحر.
أما بالنسبة للثقافة السردية العربية فإن ترجمة جبرا إبراهيم جبرا لرواية «الصخب والعنف» لم تكن بريئة فقد استلهم منها كثيرا في المتخيل والأسلوب السردي لصناعة رواية «البحث عن وليد مسعود» كما أن غسان كنفاني قد نهل منها وتأثر بها في كتابة روايته «ما تبقى لكم»، لقد انقاد بورخيس إلى كتاب «ألف ليلة وليلة» منذ طفولته المبكرة. فهو الكتاب الأول الذي تلعثمه حين كان يكتشف قارات الكتابة فتلبسه عشقها وبواسطتها سمع نداء الشرق. لذلك كان مبدأ القراءة عنده شبيها بالصلاة اليومية. أليس هو القائل « فليفخر الآخرون بالصفحات التي كتبوا، أما أنا فأفخر بتلك التي قرأت».

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية