تحية الى عبدالرازق فرّاج ورفاقه

حجم الخط
6

«ماء وملح»، هذا هو الشعار الذي يرتفع اليوم في فلسطين تضامنا مع الأسرى الاداريين في اضرابهم المفتوح عن الطعام المستمر، خصوصا بعدما عمدت سلطات الاحتلال الى منع الملح عن بعض المضربين، بهدف كسر مقاومتهم.
في 24 نيسان/ ابريل 2014، اعلن حوالي مئة معتقل اداري فلسطيني الاضراب عن الطعام، ثم بدأ المعتقلون الاداريون الذين يناهز عددهم الثلاثمئة معتقل في الانضمام اليهم، بحيث تحوّل هذا الاضراب الى صرخة حرية، تصنعها ارادة الأسرى الفلسطينيين، الذين يواجهون نظاما قضائيا اسرائيليا لا يزال يستند الى القوانين الاستعمارية البائدة التي فرضها الاحتلال البريطاني على فلسطين.
والحكاية ايها الناس، ان سلطات الاحتلال الاسرائيلية تمارس قانونين في الضفة الغربية المحتلة، القانون الأول هو القانون المدني الاسرائيلي الذي ينعم به المستوطنون في مستعمراتهم وطرقهم الالتفافية الخاصة، وحماية الجيش الاسرائيلي لانتهاكاتهم ضد ابناء القرى الفلسطينية التي سلبوا ارضها، اما القانون الثاني فهو القانون العسكري الاسرائيلي الذي يستند الى قانون الطواريء البريطاني، والذي يبرر الانتهاكات اليومية ضد المواطنات والمواطنين الفلسطينيين.
قانون الطواريء البريطاني تحول الى ثابت قانوني في قاموس الاحتلال، فما اسم هذا الطاريء الذي طرأ منذ مئة سنة ولا يزال طارئا الى اليوم؟
وفي سياق القانون الثاني يندرج الاعتقال الاداري، الذي يسمح لسلطات الاحتلال باعتقال الفلسطينيين من دون توجيه اتهامات محددة اليهم، ضاربا عرض الحائط بحقوق الانسان، جاعلا من السجين الاداري الفلسطيني في وضعية الرهينة التي لا يسمح لها بالدفاع عن نفسها لأنها لا تعرف ما هي التهمة الموجهة اليها.
هذا الواقع ليس جديدا، فقد نشأت دولة التمييز العنصري القانوني في 15 ايار/ مايو 1948، حين اعلن قيام دولة اسرائيل. اذ طبقت السلطات الاسرائيلية قانونين على مواطني الدولة، القانون الأول هو الحكم العسكري الذي فُرض على المناطق والقرى الفلسطينية، والقانون الثاني هو القانون المدني الذي طُبق على المواطنين من اتباع الديانة اليهودية. الحكم العسكري كان وسيلة لضبط سكان البلاد الأصليين وتطويعهم واذلالهم ومصادرة ارضهم وممتلكاتهم، وتحويلهم الى غائبين- حاضرين في بلادهم. ولم يُرفع الحكم العسكري الا عام 1966، ليفرض بعد ستة اشهر على المناطق المحتلة، بحيث انتقلت تجربة الضبط والاذلال والتطويع ومصادرة الاراضي الى الضفة وغزة. اي ان اسرائيل التي تفاخر بأنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة، كانت «ديموقراطية» لمدة ستة أشهر فقط، هي المدة الفاصلة بين احتلالين، بحسب المؤرخ امنون راز كاركوتزكين.
نظام الابارتهايد هو جزء تكويني من الدولة الصهيونية، وهو لم يبدأ عام 1967، بل بدأ منذ تأسيسها، ولم يتمدد الى مناطق 67، الا بعدما صار راسخا، ونجح في تطبيع نفسه، او هكذا يعتقد، في مناطق 1948.
حكاية هذه الدولة العنصرية مع التمييز وخلق مواطنين من الدرجة الثانية ونهب المكان بحجج قانونية يفرضها منطق الغلبة والهيمنة، هي الحكاية الأساسية في دولة قامت على التطهير العرقي، وتنعّجت الى ان وصلت الى القدرة على التنمّر، كاشفة مع نهاية مسرحية «عملية السلام»، ان هدفها لم يتغير، وان ما انجزته في اراضي 48 جاء الآن وقت فرضه على الضفة الغربية.
هنا يأتي الاعتقال الاداري، بصفته احد ادوات هذا المشروع، واحد وسائل القمع التي يلجأ اليها الاحتلال.
حكايات المعتقلين الاداريين لا تنتهي، لكنني سأروي اليوم حكاية واحدة، لا لأن بطلها عبدالرازق فرّاج يختلف عن اقرانه في شيء، بل بالضبط لأن حكايته تسمح لنا باكتشاف عشرات الحكايات المشابهة. انه اليوم مع رفاقه في السجن الاسرائيلي، يمارس حريته عبر النضال من اجل الحرية، معلنا اضرابا عن الطعام، ومتابعا مسيرة اضرابات الأسرى الذين صاروا اليوم ضمير فلسطين وقضيتها.
بدأت الحكاية في اللد، في مسيرة الموت التي مشاها اهل اللد بعد المذبحة الكبرى التي تمت في مدينتهم في 12 و13 تموز/ يوليو 1948، حين طرد خمسون الف لداوي ولاجيء الى اللد من القرى المجاورة بالقوة من مدينتهم، ومشوا تحت شمس العطش يوما كاملا في العراء قبل ان يصل الناجون الى نعلين.
عبدالرازق فراج الذي ولد عام 1963 في مخيم الجلزون هو ابن حكاية مذبحة اللد التي لم تروَ. عاش الحكاية من دون ان يسمعها كاملة من والديه، فالحكاية كانت جزءا من تكوينه الداخلي، وكان عليه ان يعيشها عند احتلال الضفة وهو في الرابعة من العمر.
اعتقل للمرة الاولى عام 1985 وحكم عليه بالسجن ست سنوات بتهمة الانتماء الى الجبهة الشعبية، يومها كان طالبا في جامعة بيت لحم، وعندما خرج من السجن التحق بجامعة بير زيت. كان على فراج ان يقضي 17 سنة كي يتخرج، وهذا يعود في الأساس الى «افضال» الحكم العسكري. فبعد خروجه من السجن بدأت رحلته في السجون، ولكن هذه المرة من دون توجيه اي تهمة له. تهمته انه معتقل اداري، اي ان قانون التمييز العنصري الاسرائيلي يسمح بأخذه رهينة من دون اعلان اي سبب سوى الشك في ان الرجل يشكل خطرا على الاحتلال.
عام 1994، اعيد اعتقاله، وبقي في السجن عامين، ليفرج عنه عام 1996.
اعتقاله الاداري الثاني تم عام 2002، ولم يفرج عنه الا عام 2006، حيث امضى 52 شهرا في السجن.
الاعتقال الثالث جرى عام 2009، ودام تسعة اشهر.
الاعتقال الرابع عام 2011 لمدة ثمانية اشهر.
الاعتقال الخامس بدأ في 25 شباط/ فبراير 2014، ولا يزال مستمرا.
حوالي ثمانية اعوام في الاعتقال الاداري يضاف اليها اكثر من ستة اعوام سجن، فتكون المحصلة حياة قضاها الرجل بين سجن وسجن ووطن يتحول الى منفى.
لكن الرجل صنع حياته كما يصنعها المنفيون والسجناء، تخرج من الجامعة ، وعمل مديرا ماليا واداريا في اتحاد لجان العمل الزراعي، ، تزوج وانجب ولدين باسل ووديع، وحال اعتقاله دون في انديانا. دون مشاركته في حفل تخرج ابنه باسل في جامعة Earlham college منذ التحاقه بالاضراب عن الطعام في 30 نيسان/ابريل نقل عبد الرازق من سجن عوفر الى العزل الانفرادي في سجن ايالون، ولم يسمح له بتناول الملح كأقرانه من السجناء المضربيين.
عبدالرازق فراج ومحمود شبانة وسالم بادي وعبدالجابر فقهاء وغسان بدران وعبدالخالق النتشة ورفاقهم، يخوضون معركة مقاومة التمييز العنصري في بلادهم المنكوبة بالاحتلال. لهم تليق الحرية وبهم تستعاد فلسطين قضية حق وعدالة.

الياس خوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية