لا يستطيع المراقب لليوم الاول من الانتخابات الرئاسية المصرية ان يتجاهل حالة الاستقطاب السياسية والاجتماعية الحادة التي تكشفها هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد. وهو استقطاب معقد الى درجة تفقد معها المصطلحات معناها، ولا يصح في حضرتها القفز الى الاستنتاجات السهلة، او المناسبة تماما لهذا الطرف او ذاك.
وكل من يحاول تحدي هذا الواقع او مساءلته لن يسلم من الاتهامات او التصنيفات الجاهزة عند كل الاطراف.
فاذا حاول احدهم ان يتحدث عن المخاوف المشروعة عند بعض المصريين من ان تكون الحرب على الارهاب في جوهرها حربا على الحريات، سيجد بسرعة من يتهمه بانه اما اخواني، او «احد عملاء 6 ابريل». واذا حاول آخر ان يبحث في الاخطاء السياسية التي ارتكبتها جماعة الاخوان سيجد من انصارها من يعتبره اما «فلولا او انقلابيا من انصار السيسي».
واذا حاولت ان تشرح انك لا فلول ولا اخوان ولا عميل ولا مؤيد للسيسي، سينظر اليك بكثير من الاستغراب وربما الريبة.
لقد ادى «غسيل الدماغ» الذي تمارسه بعض وسائل الاعلام المصرية الى ايجاد طبقة آخذة في الاتساع تعتبر ان «الفلول افضل من العملاء»، وان كل منتقد او معارض للنظام سيكون اما اخوانيا او عميلا، وبالتالي يجب استبعاده او قمعه وافساح المجال لـ «الفلول» باعتبارهم البديل الجاهز لمساندة العهد الجديد.
واذا ذكرت احدهم بمساوئ عهد مبارك، سيقول لك «ان ايامه كانت افضل من الان».
وهكذا اختفت الارض الوسطى التي يفترض نظريا ان تمثل مساحة ممكنة للنقاش الموضوعي املا في الوصول الى حد ادنى من التوافق.
ولعل هذا الانسداد السياسي – الفكري احد اسباب المشاركة الضعيفة من الشباب في الاستحقاق الانتخابي الحالي، في تكرار لما حدث في الاستفتاء على الدستور. فالاغلبية الساحقة من الشباب ليسوا مسيسين، ناهيك عن ان يكونوا فلولا او عملاء او غير ذلك من التصنيفات الجاهزة.
وبالرغم من مراهنة المرشح الرئاسي حمدين صباحي على الشباب، ووعوده لهم بتقديم فدان من الاراضي الصحراوية ومبلغ عشرة الاف جنيه (نحو 1400 دولار)، الا انه فشل في تقديم رؤية سياسية لفك لغز هذا الوضع اليائس سياسيا، ما جعلهم غير متحمسين للمشاركة.
وهو مأزق يشاركه فيه منافسه المشير عبد الفتاح السيسي، الذي فقد دعم الشباب مبكرا، وفشلت عدة اجتماعات عقدها مع ممثلين للشباب في بعض الاحزاب الورقية في تغيير موقف الشباب منه.
واللافت ان هذا الفتور تجاوز كافة الحواجز الايديولوجية بين الشباب، اذ اتفق عليه شباب الاخوان والسلفيون والليبراليون والاشتراكيون وغيرهم.
وبالرغم من الحماس الذي يصل الى العصبية من بعض المنتمين الى كل الاطراف لهذه التسميات، الا ان اغلبية المصريين يرفضون في ضمائرهم اي تقسيم لهم على اسس سياسية او ايديولوجية.
واذا استمرت المشاركة في الانتخابات في يومها الثاني والاخير تتراوح بين ضعيفة ومتوسطة فان السبب الحقيقي سيكون ان المصريين لم يجدوا فيها خطابا او برنامجا يوحدهم.
ويكتسب هذا الانقسام ابعادا اعمق، عندما تنظر الى الفارق بين «مصر التي يغنى لها» و»مصر التي يعيشها اولئك من يغنون لها» ليتضح حجم الهوة بين «الحلم» الذي اتفق المرشحان على محاولة بيعه للناخبين، والواقع المنهار اقتصاديا وسياسيا وامنيا. هوة استعصى على كثيرين ان يعبروها، فقرروا البقاء بعيدا. بينما قرر اخرون ان يصدقوا الحلم – الوهم واستجابوا لدعوة «الرقص من الالم» على انغامه. الا ان الالم لن يذهب مع انتهاء الاغنية. ولن يستطيع احد ان يرقص الى الابد.
ولا يملك المراقب الا ان يتعاطف مع هؤلاء البسطاء، وان يحترم نبل ايمانهم بالحلم – الوهم، وان كان قد لا يستطيع ان يتحمل عواقب مصارحتهم بحجم الكارثة.
فيا له من مأزق تاريخي لم ينج منه احد.
رأي القدس