هل سينقذ نتنياهو القدس؟

حجم الخط
0

عندما يتم تلخيص صورة بنيامين نتنياهو في كتب التاريخ، في حين يتم ذكر أعضاء حكومته بملاحظات هامشية فقط، ستظل لدينا كتلة البناء التي ستعزى لفترة ولايته.
الوزير إسرائيل كاتس بإمكانه زيادة الثمن الذي ستجبيه قرارات متسرعة ودجل مهني في المدى القصير. ولكن عن فشل جهاز التخطيط الحضري الإسرائيلي الحالي، الذي يتحكم به سياسيون مضغوطون، والذي ينتهي الأفق الذي يرونه عند الانتخابات القريبة، سوف تدفع الأجيال القادمة الثمن بفائدة مرتفعة، إذا تم تطبيق مخططات البناء الحالية، فهذه هي ما ستتحول إلى رمز لإسرائيل في عهد نتنياهو.
المشاكل السياسية والاجتماعية والثقافية المشتعلة في الدولة تنعكس جيدًا على الهندسة المعمارية والبناء الحضري في المدينة الأهم في البلاد. التهور اليميني الذي يعبّر عنه بالسعي المتواصل لتهويد المدينة ماديًا ورمزيًا وكذلك بإغلاق «تهديدات أمنية» مثل معرض بربور. الفروق ما بين أحياء الفقر المهملة والأحياء الفاخرة ـ ولا نريد الحديث عن الفجوة الفظيعة بين المدينة الغربية والمدينة الشرقية ـ يبرز التهويد فيها للفضاء العام، ثم تجد صعوبة في مواجهة ذلك التوجه الآخذ في التعاظم، الذي لا ينحصر في بلدية القدس.
إن سلوك جهاز التخطيط البلدي لا يتم في فضاء فارغ، فكما هو معروف، فإن شبكات الدفاع المعقدة التي يوفرها القانون الإسرائيلي لا تنجح في وقف أعمال الفساد على المستوى القطري والمحلي في آن واحد. كذلك عادة تفضيل أشخاص مهنيين ضعفاء ليس أمرًا مقتصرًا على الجهاز المقدسي: نتنياهو نفسه قدم مؤخرًا عددًا من الأمثلة الواضحة تمثل هذا السلوك الفاسد. في حين أن وزيرة العدل ايليت شكيد تبذل ما بوسعها من أجل إعطائها شرعية ووضعها في إطار القانون.
ولكن الأكثر من ذلك، أن القدس تمثل في السنوات الأخيرة ضعف الروح الإسرائيلية، بالضبط في المدينة التي كان يجب أن تكون المحافظة على صورتها الفريدة هي المصلحة الأولى في الأهمية بالنسبة للحكومة والبلدية، ولكن يتم وبنشاط تقديم مخططات ستدمر جوهر المشهد الطبيعي التاريخي الأهم. وهذه المقاربة تخبرنا عن جهاز تعليم يتحول فيه التاريخ إلى موضوع هامشي في المدارس، والعلوم الإنسانية تتضاءل وتفقد مكانتها في الجامعات.
وأفكار بربرية مثل تدمير دائرة المشهد الطبيعي التي تحيط بأسوار البلدة القديمة عن طريق قطار هوائي، وإنشاء كتلة بناء ضخمة بالقرب من عين كارم، ستغطي تمامًا على القرية التي تحولت إلى واحد من المراكز السياحية الأهم في المدينة ـ سواء القرية القديمة «لفتا»، أو شارع تجاري يحافظ على ذكرى بداية عهد الانتداب البريطاني ـ ستمثل في المستقبل فصلاً مظلمًا في تاريخ المدينة والدولة معًا. هذا الواقع هو ساعة اختبار لمجتمع المهندسين المعماريين. وحقيقة أن عددًا من أهم المهندسين المعماريين في البلاد انضموا إلى النضال ضد القطار العلوي ـ هذا النضال الذي يراكم المزيد من الزخم، ومن بينهم موش سيفدي، موشي مرغليت، أمنون بار أور ـ يعدّ علامة مشجعة.
إن إقصاء المهندسين المعماريين عن الصورة العامة ينبع في المقام الأول من حقيقة أن صوتهم كمجموعة ضغط مستقلة لا يتم سماعه. هكذا خلق لدينا واقع غير مفهوم تم إقصاؤهم فيه من كل لجان التخطيط، بما فيها القطرية. وكان بالمقدور تعيين أشخاص مهنيين غير مناسبين، بما في ذلك عادة تعيين خريجي أقسام الجغرافيا لوظائف مثل مخطط منطقة القدس، أو تعيين مسؤولين عن الصيانة في الوزارات الحكومية. هذه الوظائف الهامة لا تتطلب تجربة أو معرفة غنية فحسب، بل حدًا أدنى من الإحساس الجمالي وتأهيلاً في مجال التصميم. ليس صدفة أن يتم تعيين محامي ليرأس اللجنة اللوائية للتخطيط في القدس، وسمح وزير المالية لنفسه بتعيين أفغدور يتسحاقي، وهو مدقق حسابات نشيط لكن ليس لديه أي مؤهلات في مجال التخطيط، ليرأس لجنة البنى التحتية الوطنية. وليس مصادفة أيضًا أنه ألقى على هذه اللجنة مهمة أن تقرر في مصير القطار العلوي في القدس، الذي قارنها يتسحاقي بمنشأة تزلج.
مشكلة أخرى لا تحظى باهتمامٍ كافٍ تتعلق بجهاز التعليم المعماري؛ فمنذ تأسيس «التخنيون»، الذي تعلم فيه معظم المهندسين المعماريين في السابق، تم التركيز في المؤسسات الأكاديمية في البلاد على الجوانب العملية للمهنة. التاريخ والنظرية أهملت أمام الإعجاب بالتكنولوجيا وتبن أعمى لأسطورة الحداثة. وكانت النتيحة وما زالت ميلالاستيراد سطحي للأفكار، منذ تطبيق نظريات «باو هاوس» و «لاكوربوزييه» في القرن الماضي، وحتى تبني الحلول المدهشة لـ «إخلاء البناء» و«استخدامات متداخلة». حتى إذا حدث تحسن في السنوات الأخيرة، بقي الميل لتطبيق أفكار بدون مراعاة السياق الفريد.هكذا مثلاً، الفكرة الخرقاء بإخلاء الأحياء الفقيرة ونقل سكانها إلى أبراج لا يستطيع ساكنوها دفع تكاليف صيانتها أو إنشاء أحياء سكنية ذات استخدامات متعددة، حيث لا يوجد للمناطق التجارية منها أي إمكانيات تجارية، وخلوها يخلق شعورًا بالتخلي والاغتراب.
في واقع كهذا، وعندما قرر تيدي كوليك استدعاء لجنة خبراء دوليين لفحص تخطيط مقدسي، بدا ذلك كتاريخ من كوكب آخر، فليس من المستغرب أن نعرف ماذا يُعد أصحاب المهنة الآخرون للمستقبل المادي للمدينة. كهذا، فإن مخططة اللواء، شيرا تلمي بابا، تتطرق لسنغافورة كنموذج للبناء المكثف في القدس، وتحلم بمدينة أبراج، وقطارات هوائية، وأدراج مترحركة، (The marker 7.4). ومهندس المدينة، شلومو أشكول، الذي لم تقنعه 10 سنوات في وظيفته أن القدس (أورشاليم) هي مدينة فريدة مميزة، لم يتردد في أن يقدم مخططًا لإعادة تشكيل مدخل القدس، والذي محي فيه كل ذكر لمبنى تاريخي يعطي للقادمين للمدينة صورة لمدينة حديثة مجهولة.
أشكول، مثل المسؤول عن الصيانة في وزارة السياحة أورلي زيف، لا يرون أي مشكلة في تنفيذ مشروع القطار العلوي، الذي يثير صدمة لدى مهندسين معماريين في البلاد والخارج. وحذر سفدي من أن القطار العلوي سيشكل مكرهة بصرية خطيرة، وعلى الأقل سيتحول إلى نقطة جذب سياحية تناسب «دزني لاند» ولن يحل بالمطلق مشكلة الاكتظاظ في البلدة القديمة، أما البروفيسور موشي جبعوني خبير المواصلات من جامعة تل أبيب، فأبدى انطباعًا بأنه لا يوجد هنا حل حقيقي في المواصلات. وسكان القدس ليسوا بحاجة له مطلقًا (هآرتس 17.9). ـ هي استنتاجات تضع علامات تساؤل على المشروع كله.
ولكن هنالك احتمالية بأن إنقاذ القدس سيأتي بالضبط من جهة غير متوقعة: من رئيس الحكومة نفسه. إذا كان ابن المؤرخ الذي بدأ طريقه بدراسة الهندسة المعمارية سيستيقظ وينقذ نفسه من إهانة وحل السياسة الحزبية الضحلة، والغارق فيه حتى ذقنه، يمكنه أن يفحص الواقع من منظور جديد. هكذا يمكن أيضًا أن يعترف بحقيقة أنه إزاء قرارات خاطئة في مجالات أخرى، التي بالإمكان تغطيتها بستارة من الدخان والعلاقات العامة، فإن صورة القدس، كما سيتم تشكيلها في السنوات القريبة القادمة، من شأنها أن تتحول إلى رمز سوف يسوِّد اسمه في كتب التاريخ للأمة.

زيفا شترنهل
هآرتس 5/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية