تيري روود لارسن! عمرصبري كتمتو ترددت كثيرا قبل كتابة مقالي هذا لأنه قد يبدو للبعض أنني أسيء لمن دعاني وجمعني مع تيري روود لارسن، الذي ربطتني به صداقة متينة في التسعينات، خاصة أن صاحب الدعوة هو الصحافي النرويجي المعروف أود كارستن تفايت، الذي كان واحدا من أوائل الصحافيين الذين دخلوا عام 1982 الى مخيمي صبرا وشاتيلا، وشاهد بأم عينيه مذبحة الفاشيين هناك، تحت حماية شارون وقواته الاسرائيلية التي دخلت ضواحي العاصمة اللبنانية بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، بتفاهمات عربية ودولية. وحينما نقل هذا الصحافي الشهير أحداث المذبحة الرهيبة التي تعرض لها سكان المخيمين الى شاشات التلفزة النرويجية، تدفقت مشاعره بقوة شديدة الى مآقيه، لم يستطع خلالها أن يخفي دموعه وهو يصف الحدث.
نظرا لما يربطني بهذا الصحافي من وشائج الصداقة، فقد اعتدنا مع صديق نرويجي ثالث هو السفير النرويجي في وزارة الخارجية هانس فيلهلم لونغوا، أن نلتقي أيام عملي سفيرا في النرويج، من وقت لآخر ونتناول وجبة أو أكثر في مطاعم العاصمة أوسلو. واستمر هذا التقليد عندما أصبح السفير لونغوا سفيرا للنرويج في دمشق ما بين العام 2006 و2009 واستمرت لقاءاتنا بعد انتهاء مهامي سفيرا ونقل اقامتي الى دمشق لمدة عامين بعد أن تحولت الى سفير متقاعد.
وحتى لا أطيل على القارئ الكريم، لا بد لي من العودة الى تيري روود لارسن، هذا الصديق الذي تحول الى خصم معاد للشعب الفلسطيني وللرئيس الراحل عرفات وللقضايا العربية عامة، بعد أن كان مناصرا لها. ففي عام 1992 عندما كان لارسن مديرا لواحد من أهم معاهد الأبحاث النرويجية فافو، وبعد زيارة قام بها للنرويج أحمد قريع (أبو علاء) حينما كان مديرا عاما لمؤسسة صامد المعروفة، تم الاتفاق على أن يقوم لارسن بزيارة الى تونس يلتقي خلالها أبو علاء والقيادة الفلسطينية، وبتنسيق مع الخارجية النرويجية التي كانت قد أجرت اتصالا مع حكومة رابين لتنقل لهم رغبة الرئيس عرفات بأن تكون النرويج الوسيط النزيه والطرف الراعي لاجراء محادثات سرية مباشرة بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية. وللحقيقة والتاريخ فقد كنا نحن من طلب من النرويج القيام بهذا الدور، وبعد اقتراح تقدمت به شخصيا للرئيس عرفات عام 1990، لكن عرفات لم يأخذ به، واستجاب له بعد عامين، وفي شهر آب/اغسطس تحديدا لعام 1992 حيث أوفد الأخ الصديق بسام أبو شريف الذي وصل أوسلو ولم يتصل بي الا بعد أن دخل غرفته في أحد فنادق العاصمة واستقر فيها، ثم هاتفني طالبا حضوري اليه وبأنه يحمل تفويضا شفويا من الرئيس. عند حضوري الى الفندق أبلغني بسام أن الرئيس أوفده كي نطلب من النرويجيين وساطتهم ورعايتهم للمحادثات، فطلبت من الأخ بسام أن أتصل بالرئيس عرفات حيث أكد لي تفويضه لبسام كي نذهب معا للقاء صديق عرفات حينها وزير الخارجية تورفالد ستولتنبرغ، وكان معنا الزميل يوجين مخلوف سفيرنا في السويد.
كل هذه التحركات سبقت زيارة لارسن الى تونس في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1992 والتي رافقته خلالها حيث استقبلنا أبو علاء قريع في مكتبه وحضر اللقاء أيضا الدكتور ماهر الكرد، الذي كان يعمل في مؤسسة صامد. وقبل مغادرتنا لمكتب قريع متوجهين الى فندق هيلتون تونس التفت تيري روود لارسن نحو أحمد قريع وقال له أود لقاء الرئيس عرفات، أجابه قريع بالموافقة على الطلب وبانتظار أن يستدعينا الرئيس، وما كدنا نصل الفندق وندخل المطعم لتناول وجبة العشاء، وبعد أن وضع النادل صحن الزيتون والزيت التونسي والفلفل الحار على الطاولة، كما جرت عليه العادة في المطاعم التونسية، اذا بلارسن ينقض بشوكته على حبة زيتون أتعبته في التقاطها، كما أن فضوله جعله يتريث بالسيطرة عليها كي يسترق السمع عندما فاجأني المرافق الذي كان معنا واقترب من أذني هامسا يقول: سعادة السفير ان الرئيس أبوعمار ينتظرك مع ضيفك النرويجي في مكتبه، فالتفت الى تيري وقلت له: تيري هل تريد أن تتعشى أولا أم تلتقي الرئيس عرفات، فما كان منه الا أن ألقى من يده شوكة الطعام ولم يأكل حتى حبة الزيتون قائلا: لا طبعا أريد أن نذهب للقاء الرئيس.
انني أورد هذه الحادثة لأهميتها فيما سيأتي، من أجل التوصيف الأمين والدقيق لشخصية هذا الرجل الذي يتمتع بموهبة الانتهازية واحترافها، والتي أوصلته الى أعلى المواقع والمهمات الدولية، وان دلت على شيء فانما تدل على خطورته وهو يحتل هذه الواقع، لأنه يسترخص كل شيء في سبيل وصوله الى مبتغاه، حتى لو كان نهجه هذا سببا في اراقة الدماء وافتعال الصراعات والفتن مثلما حدث في لبنان.
لقد كان تيري حقا رجلا صادقا وواقعيا في بداية عمله ممثلا لكوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة لدى السلطة الفلسطينية واسرائيل، وكلنا يذكر موقفه الجريء والموضوعي من المذبحة التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي في مخيم جنين وفي المدينة ذاتها، والنقد الحاد الذي وجهه للاسرائيليين، مما حدا بشارون أن يعمم على جميع المؤسسات الاسرائيلية عدم التعاطي مع لارسن واغلاق كل الأبوب الحكومية في وجهه واهماله بشكل تام.
أما الحادثة الثانية التي تهمنا في هذا المقال فهي التالية: في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1996 استقالت رئيسة وزراء النرويج جرو هارلم برونتلاند من منصبها لأسباب جد شخصية، وسلمت رئاسة الوزارة لرفيقها في الحزب الاشتراكي الديمقراطي توربيورن ياغلاند، الذي يرأس الآن لجنة نوبل للسلام، كما أنه انتخب مؤخرا أمينا عاما للمجلس الأوروبي. كان توربيورن ياغلاند صديقا حميما للارسن وذلك بعد سطوع نجم الأخير في أعقاب اتفاق أوسلو، فقد كان اتفاق أوسلو بركة حلت على لارسن، ولهذا اختاره كوفي عنان ممثلا له في الشرق الأوسط، حيث أقام في غزة وبدأ عمله هناك وكان على صلة يومية بالرئيس عرفات الذي أحبه كثيرا وفتح له جميع الأبواب، الا أنه ترك غزة ليلتحق بالحكومة النرويجية الجديدة عندما اختاره رئيس الوزراء الجديد ياغلاند وعينه وزيرا لوزارة مستحدثة خصيصا للارسن اسمها وزارة التخطيط. وعلى الرغم من نصيحة عرفات لتيري بالبقاء ممثلا لكوفي عنان في الشرق الأوسط نظرا للعلاقة الطيبة التي جمعتهما، الا أن تيري فضل الوزارة متطلعا الى ما هو أبعد من ذلك، وأصبح نجما كأنه ابريق عسل يتهافت عليه صحفيو النرويج وأوروبا، بل والعالم.
لم يدم شهر العسل لتيري طويلا، فقد نشرت الصحف النرويجية خبرا مفاده أن تيري روود لارسن خدع مصلحة الضرائب قبل عشرة أعوام ولم يبلغ عن دخل مقداره ما يقرب مائة ألف دولار، وبعد ما ورد في الصحافة لم يكن أمامه الا الاستقالة التي طلبها منه رئيس الوزراء، فاستقال بعد أقل من شهر على تعيينه وزيرا، ثم عاد بعدها الى استجداء كوفي عنان كي يعيده الى منصبه السابق وكان له ذلك، الا أنه وقبل أن يعود الى عمله ممثلا لكوفي عنان ذهب الى اسرائيل وحصل على مباركة بيريس وبقيت له موافقة عرفات، وحدث أنني كنت في غزة وقمت بزيارة مقر بعثة المملكة النرويجية هناك ولقاء الصديق سفين سافيا، الذي كان سفيرا للنرويج لدى السلطة، واذا بي ألتقي بلارسن وزوجته مونا يول، عندها قال لي تيري: سوف نذهب بعد قليل للقاء الرئيس عرفات ولكننا لم نطلب موعدا بعد، فاتصلت بمكتب الرئيس وأكدوا لنا أن الرئيس سيلتقي بنا وما علينا الا الحضور الى المنتدى مقر الرئاسة في غزة، وصلنا هناك وكان معنا الدكتور سميح العبد، وكان الرئيس لايزال مستمرا في اجتماعه مع السفير الروسي لدى السلطة، فجلسنا في الغرفة المجاورة، وبعد قليل أطل الرئيس علينا وسألني مازحا وموجها سبابته نحو لارسن: من هذا؟ من هذا؟ فابتسم تيري روود لارسن وعانق عرفات الذي بادره قائلا: ألم أقل لك يا تيري أن تبقى معنا؟ واذا بالدموع تنهمر من عيني تيري على خديه ولم يستطع اخفاءها، فأخذه عرفات من يده ودخلنا جميعا الى غرفته الكبيرة وتناولنا طعام الغداء بحضور السفير الروسي.
هكذا كانت علاقتنا بلارسن سمن على عسل، ولكنها بدأت تتراجع بعد أن أوصد شارون الأبواب في وجهه نتيجة لموقفه الجريء والأخلاقي من أحداث جنين، فقد شعر بأنه معزول نهائيا من قبل المؤسسات الاسرائيلية الرسمية، وهنا لجأ لصديقه الأفعى بيريس الذي بدوره أعطاه الكلمة السحرية اللازمة كي تفتح أمامه أبواب اسرائيل، وكلمة السحر هذه تعني أن يبدأ بالهجوم على السلطة وعلى الرئيس عرفات، وهذا ما فعله واستمر فيه، بل ازداد بالتطاول علينا بعد انهيار محادثات كامب ديفيد، وبعد انتخاب الرئيس بوش الابن خلفا للرئيس كلينتون، أصبح مقربا من وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع رامسفيلد، ووصلت به الصفاقة الى أنه وفي مقابلة أجرتها معه المجلة الأمريكية ‘أتلانتك’ الصهيونية والمتطرفة والمعبرة عن فكر المسيحيين الجدد، قال لارسن: ان ياسر عرفات كذاب، وقد قلت له أنت تكذب علي، وتعرف أنك تكذب علي، وتعرف بأنني أعرف أنك تكذب علي.
مرت أكثر من ست سنوات لم ألتق خلالها لارسن نظرا لوجوده معظم الوقت في امريكا منذ العام 2004 حيث أصبح رئيسا لأكاديمية السلم العالمي، التي تمول بأموال خليجية عربية وأموال يهودية.
في أحد الأيام قرأت في الصحافة النرويجية ما قاله لارسن عن عرفات، وشعرت بضيق شديد لأنني أعرف أنه كان يكذب، فأنا أعرف عرفات جيدا وأدرك تماما أنه لن يسمح لشخص مثل تيري أو غيره أن يقول له أنت كاذب، حتى لو كان الكلام مزاحا، وقد جهدت كثيرا لايصال رسالة شفوية اليه مفادها أنه هو الذي يكذب وهو الذي ينتهز الفرص، وهو الذي بنى مجده الشخصي على حساب الآخرين، بل ربما على دمهم أيضا، وقد قلت ذلك لأصدقاء مشتركين بيني وبينه الى أن وصلته الرسالة، وقد عرفت ذلك في حفل العشاء الصيفي الذي دعانا اليه الصحافي المعروف، كما ذكرت أود كارستن تفايت بوجود السفير النرويجي السابق في سورية لونغوا، الى جانب 28 صحافيا وصحافية من أهم الاعلاميين النرويجيين، واذا بلارسن يدخل علينا مع زوجته ولم أعرف أنه كان مدعوا أصلا، واتجه نحوي وعانقني بحرارة وطبع على خدي عدة قبلات، كما نفعل نحن العرب تماما، وسلم على زوجتي وجلس على نفس الأريكة التي أجلس عليها مع السفير لونغوا، وكان جلوسه في الوسط، وبدأ على الفور بترديد كلامه الذي قاله لمجلة ‘أتلانتك’ عن الرئيس أبي عمار، وتركته حتى انتهى، ثم قلت له، يا تيري أنت الآن تكذب علينا، وتعرف أنك تكذب علينا، وتعرف أننا نعرف بأنك تكذب علينا، لقد تخليت عنا من أجل مصلحتك الخاصة وبانتهازية محترفة وأصبحت بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين تمثل حالة مخجلة، ولطالما رغبت في مواجهتك لأنك كنت صديقا، وغرضي من المواجهة هو ابلاغك الرسالة التي أقولها لك الآن، وهي لا شك قد وصلتك سابقا من بعض أصدقائنا المشتركين، وقلت لهم أيضا تمنيت أن أراك مواجهة لأقول لك ذلك كي لا يصبح الأمر نميمة، ولا يمكنك أن تتصور مدى سعادتي الآن وأنا أخبرك من أنت وماذا تعني لنا نحن الفلسطينيين، ولم تفتح لك أبواب شارون الا بعد أن تعرضت لنا ولصديقك عرفات الذي بكيت بين يديه ذات يوم.
بطبيعة الحال أنكر أن يكون انتقدنا كي يفتح له شارون الأبواب، وانتقل للحديث عن سورية متهما الرئيس بشار الأسد باغتيال الحريري، وعندما قلت له ان هذا كذب وافتراء وان أصدقاءه شارون وبيريس ورامسفيلد هم القتلة، أجابني بأن الأيام القليلة القادمة سوف تثبت صحة اتهامه للرئيس الأسد، وكان هذا الحديث قد دار بيننا في أواخر شهر تموز/ يوليو الماضي، وقبل أن يصرح الرئيس سعد الحريري ببراءة سورية من دم أبيه، وقلت له ان هذا الكلام عار من الصحة، فأجابني قائلا: أنا أعرف أنك نشأت في سورية ولك أصدقاء هناك وما الى ذلك من هذه الأحاديث، فأجبته وأنا أعرف أيضا أنك صديق لرامسفيلد وكوندوليزا رايس. جرى هذا التراشق بالكلام في أجواء الاستماع الهادئ للضيوف والاعلاميين الذين لم يكونوا متعاطفين أبدا مع طروحات تيري روود لارسن.’ سفير سابق يقيم في النرويج