تغذية الخوف من المسلمين في الغرب

حجم الخط
0

قد يظن المتتبع حاليا لما يدور في المجتمعات الغربية من ممارسات تجاه المسلمين وسن القوانين لترسيخ وتثبيت هذه الممارسات على الأرض، إنما هي سياسة جديدة للحكومات الغربية أو وليدة العصر الحديث. فالتهجم على شخص الرسول الكريم وتشويه صورته ووصفه بالجنون والإرهاب، في مقررات مدرسية تدرس وتغذى بها عقول ناشئة تنهل من ثقافة واضعي المناهج وتتكلم في ما بعد بلسانهم، ثم إلى محاربة مظاهر الإسلام كمنع النقاب والحجاب والمآذن، وما يلحقه ويتبعه من تضييق على المسلمين في الغرب، وسن القوانين ووضع الخطط المستقبلية للحد من هجرة المسلمين وانتشار هذا الدين، لهو سلسلة مستمرة لم تنقطع، وطريقة عرفها المسلمون منذ بدء الرسالة المحمدية، فهي ليست جديدة وإن كان طنينها في الآذان ازداد وقعه والمحاربة انتقلت من السر إلى العلن ومن الضبابية إلى الوضوح.

فالخوف من الإسلام أو (الإسلاموفوبيا) ليست حدثا طارئا تنتهجه هذه الحكومات، بل هو استمرار لدوران عجلة الحقد والكراهية من الإسلام، فالقائمون على هذه السياسة يدركون هذا النهج وفاعليته في تأجيج الأحداث وترسيخ حالة الخوف والذعر من الإسلام والمسلمين ليحافظوا على حدة التوتر والهوة التي أوجدوها بين الحضارت، فيستغلوا ويوظفوا هذه الأجواء لمصالحهم ومن أجل مكاسب سياسية، ولإيجاد رأي عام عالمي بخطورة هذا الدين، وبأن الإجراءات التي تتخذ في حقه هي طبيعية لحماية المصالح والحضارة الغربية.

فشكل الصراع ونهجه وإن كان متعددا ومختلفا إلا أن طابعه الغالب طابع عقائدي وثقافي من الدرجة الأولى، وما وظيفة الجيوش وغزوها واستعمارها إلا لتنفيذ هذه السياسة وإجبار البلد الآخر بالقبول والرضوخ لها ولتبعيتها.

أهداف الصراع وأشكاله: قد يقول المشككون إن الإسلام كغيره من الأديان يريد أن ينشر رسالته بالقوة والبطش، وإن له نفس الأهداف والأسباب.. إلا أن التاريخ كفيل بالإجابة على هذا التساؤل وبيان الحق فيه.

فالإسلام منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم دخل حلبة الصراع مع كفار قريش، وهو صراع فكري وكفاح سياسي لثلاثة عشر عاماً، فكان يقوم على الحجة والدليل ويدعو إلى التفكر واستخدام العقل، فقد سفه كفار قريش على جهلهم وعبادتهم أصناماً لا تنفع ولا تضر، وسفه نظامهم الاجتماعي القائم على القبلية والعصبية والتمييز بين الرجل والمرأة والحط من شأنها ودفنها حية تحت التراب، فقال تعالى ‘وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت’، وسفه نظامهم الاقتصادي وعاب عليهم الربا والتطفيف وعدم إعطاء الناس حقوقهم فقال تعالى ‘ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون’ فجاء بنظام كامل متكامل من خالق البشر، فكان صراعه فكرياً منذ نشأته فجاء ليعمل العقل ويدعو للتفكر والتدبر، فكان هذا سلاحه ورؤيته في صراعه مع كفار قريش، إلا أنهم اتخذوا منحى آخر في التعامل معه، فلم يجابهوا الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فانتقلوا إلى التعذيب والقمع لمنع هذا الدين ومنع انتشار دعوته، وحتى بعد أن أصبح للمسلمين دولة واحدة تقود هذا النظام وتنشره فإنها اتخذت الصراع الفكري سلاحها الأول، والسيف كان مرحلة نهائية عندما تقف الحواجز المادية في نشر هذه الرسالة، فكان لابد من تحطيمها لإيصالها إلى العالم، فالغرب فهم هذه المعادلة المتمثلة بوحدة المسلمين والدولة الإسلامية، فاتخذ شكلاً آخر من الصراع فكان الغزو الفكري سلاحاً مضاداً لتحطيم وتفريق وحدة المسلمين ليتسنى له ولجيوشه دخول بلاد المسلمين بعد أن استعصت عليه هزيمة جيش المسلمين بحروب صليبية على مدى التاريخ.

فالغزو الفكري والثقافي وإيجاد النعرات والقوميات والطائفية هي القشة التي قصمت ظهر الدولة الإسلامية في اخر عهدها، وما تبعه من تصدير لثقافة فكرية مختلفة رأسمالية واشتراكية وغيرها غريبة عن هذا الدين وأصالته، مما ساعد في إيجاد أبواق للغرب تنادي بما يقول وتعمل على طمس الثقافة الإسلامية وتتبنى واقع الغرب في فصله الدين عن الدولة، مما زاد الهوة بين المسلمين والإسلام كنظام حكم فاستطاع الغرب بذلك ان يقصي الإسلام السياسي وإبقاء هذا الحال لليوم، باتخاذ حكام موالين له ومخلصين أشد الإخلاص. إلا أن دافع وأسباب الصراع ضد المسلمين لم تتغير منذ فجر الإسلام حتى الآن، وهو البطش والقتل ونهب خيرات الأمم وحب إشباع شهوة التسلط وبشهادة التاريخي والواقع الذي نعيشه.

بينما الحضارة الإسلامية التي بقيت آثارها إلى الآن في الأندلس شاهدة على أهداف صراع الإسلام مع الغرب، فقد جاءت من أجل البناء والعمل والتشييد ورفع مكانة العقل وتكريم الإنسان، فلم تجبر أحداً على اعتناق هذا الدين ولم تطمس حضارة الآخرين وتعاملت معها برحمة وعدل أدهشت أعدائها.

والعراق اليوم شاهد على آثار وأهداف صراع الغرب إلى اليوم، فلا يكفي المستعمرون إدعاء الكذب وتلفيق الأدلة لاحتلاله وأخذ المباركة الدولية للقيام بذلك، بل لقد أعلن عما في صدور الغزاة من قيامهم بحرب صليبية وزينوا للعالم بأنهم ذهبو للعراق بحجة بناء نظام ديمقراطي ونشر الحرية، فإذا بهم يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ ويهدمون البيوت على رؤوس ساكنيها وينهبون خيرات أراضيه وأدخلوا البلاد في حرب طائفية وأشعلوا فتيل نارها بنفط ودماء أبنائها، فهم لم يبنوا حضارة ولم يشيدوا سوى الخراب والقتل والدمار وهذه حال الحروب الصليبية من قبل، بل لقد استخدموا أسلحة فتاكة ما زالت تفتك بالمولود الجديد في أحشاء أمه حتى بعد عشرات السنين من استخدامها، عداك عن نشر مبادئه بالقوة والإجبار وما حملات التبشير عنا ببعيدة.

أما الإسلام فلم يجبر أحداً على اعتناقه قال تعالى ‘لا إكراه في الدين’ بل قد وصى الرسول صلى الله عليه وسلم قادة الجيش في الحرب ألا يقتلوا امرأة ولا طفلا ولا شيخا وألا يقطعوا شجرة ولا يهدموا صومعة، فرحمة الإسلام راعت البشر والحجر، فشتان بين أهداف الصراع وأشكاله بين الإسلام والغرب. إن انتشار الإسلام المتمثل بدخول أعداد كبيرة من غير المسلمين في الغرب في هذا الدين أصبح ظاهرة تشكل خطرا على الدول الغربية وثقافتها كما يدعون.

فصموئيل هنتنغتون في كتابه (صراع الحضارات) يظهر ويبين حتمية صدام الحضارة الغربية مع المسلمين وحضارتهم، وهذا الرئيس نيكسون يصرح بعد سقوط الشيوعية بقوله لقد انتهت الشيوعية الخط الأخضر، ولم يبق لنا سوى الإسلام الخط الأحمر. وتوني بلير يصرح بأن دافع غزو العراق دافع أخلاقي وليس اقتصاديا. وبوش أعلنها صراحة حربا صليبية وهذا فيض من غيض فالغرب اتخذ من الإسلام عدوا وخصما لمحاربته وشماعة يعلق عليها اخطاءه وما يختلقه من أحداث لتحقيق مآربه.

الإسلاموفوبيا الغربية متوقعة وهاجس أوجده الغربيون في بلادهم، ولكن الغريب وغير المتوقع أن الإسلاموفوبيا انتقلت إلى بلادنا، فالهجمة الشرسة على النقاب في الغرب لاقت رواجا وواقعا في بلاد المسلمين كمصر وسورية وربما غيرها ليطرح تساؤلاً واضحاً استنكارياً لماذا أو لمصلحة من؟.

فالترويج لها في بلادنا واصطناعها بعد أن لم تكن لإعطاء غطاء شرعي لشن هذه الحملة في بلاد الغرب وحتى لا يظهر محاربة الغرب للأقلية المسلمة في بلاده.

وهو مؤشرلاختلاق أحداث مصطنعة خارجياً لتصبح امراً عاديا بعد أن تكون واقعاَ مطبقاَ في بلاد المسلمين. قد يظن الغرب وعملاؤه أنهم يتحكمون في إدارة هذا الصراع مع المسلمين إلا أن المعادلة اختلفت فالأمة في طريقها للنهوض والصحوة في تقدم والخطى حثيثة وسريعة لإعادة عزة الأمة ومكانتها كما كانت، بل إن مفكري الغرب والسياسيين أصبحوا يدركون أن الدولة الإسلامية قادمة وبقوة، وما قدمه جون شيا المفكر الأمريكي البارز في رسالة لأوباما من حتمية المصالحه مع دولة الخلافة الخامسة وعدم اتخاذ العداء أساسا في التعامل معها في حال قيام دولة إسلامية لاستشعار لواقع قريب جدا بإذن الله آثاره ملموسة عاجلا أم آجلا قال تعالى ‘ولينصرن الله من ينصره’. د. علاء شماسنة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية