الشاعر اللبناني وديع سعادة: كل شعر سياسة ولكن بالمعني العميق للكلمة!
اجري الحوار: عابد اسماعيلالشاعر اللبناني وديع سعادة: كل شعر سياسة ولكن بالمعني العميق للكلمة!إنه الشاعر وديع سعادة، كما يحب أن يتخيّل نفسه، أو ربما كما يحبّ أن يكون عليه حاله. يودّع عاماً، ويستقبل آخر. يدوّن قصيدة، ويمحو أخري، وبين التدوين والمحو يطلقُ سراحَ حياته. يجلس في حديقة منزله الخلفية، في مدينة سيدني الأسترالية، يحصي الزهرات التي تفتّحت في غيابه، والأوراق التي تساقطت علي شرفة منزله. يحصي قصائده التي كُتبت أثناء هبة ريح؛ والغيوم التي عبرت، تاركةً لؤلؤها يلمع في سماء استعاراته، متأملاً النجوم التي تهاوت في بئر سحيقة، حفرها للتوّ بنظراته. إنه، علي الأرجح، يلهو بأسرار القصيدة، ويلعب بالحروف علي هواه، ويحصي دبيب الحياة في موجودات العالم المرئي، مفككاً لغز الظل والضوء، الإقامة والرحيل، مُرجِعاً كلّ شيء إلي جواهره الأولي، إلي الطبيعة البكر، قبل الطوفان. جالساً في ظلّ شمس أو نور ليل، يكرّ خيوطَ حياته، ثم يعيد حياكتها، غير مبال بتقلبات المخيلة، التي تجلب معها تقلّبات الفكرة والمزاج والطقس، تماماً كما يحدُثُ، مرةً تلو أخري، في قصائد ديوانه الأخير (تركيب آخر لحياة وديع سعادة)، الصادر، بطبعة إلكترونية، أواخر عام 2006، والذي كان سبباً مباشراً في إجراء هذا الحوار.هنا، في هذا التجوال الحر مع القصيدة، نري الشاعر يبوح ببعض أسراره، ويتكتّم علي بعضها الآخر، متوارياً خلف الكلمات حيناً، وخلف الصّمت حيناً آخر، مسلّطاً الضوء علي صورة ذاته، التي ما تفتأ تبتعد مثل رجع صدي. يستعين بالكناية والرمز والتورية، للتعبير عن صداقته للغياب، ويفصح، بنبرة الشاعر، الرائي، عن حيرته تجاه القصيدة، التي تبدأ من زجاج وتنتهي بزجاج، كما يشير، مسمّياً بعض ركائزها الفنية والمعرفية واللغوية، بعد مسيرة شعرية متميزة، قضي نصفها في المغترب الأسترالي، ونشر خلالها عشر مجموعات شعرية، استطاعت أن تمنح لقصيدة النثر العربية أسلوباً فنياً جديداً، وتقترح لغة شعرية، شديدة الاختلاف والخصوصية. وفيما يلي نصّ الحوار: في إحدي قصائدك تقول: الذكري تكاد تكون كل وجودنا… ، ما هو الماضي بالنسبة إلي وديع سعادة، وهل تخشي أن توقظ الذكريات؟ هل تخشي انزلاق المحسوس إلي ذكري في قصيدة لي تعود إلي العام 1968 أقول: الذكري ثلج / لا يُضمن الوقوف فوقه طويلاً / ارحلْ ، وها أنا بعد قرابة أربعين عاماً أقول الذكري تكاد تكون كل وجودنا . ألا يستدعي ذلك التأمل فعلاً كيف علي الرغم من مرور كل تلك السنوات لم أرحل عن الذكري بل ما زلت مقيماً فيها؟أعتقد أن الإنسان نتاج ذكريات. نتاج الماضي، نتاج التاريخ. هو ابن لغة من الماضي، وعقل من الماضي، ومفاهيم من الماضي. ابن تكوين بسيكولوجي وحتي فيزيولوجي من الماضي. أعتقد أننا نحن لسنا نحن إنما أسلافنا. في قصائدك نبرة عرافة أو كهانة، تارة ترثي العالم، وتارة تمجّده. كيف يمكن للقصيدة أن تري وتتنبأ وتستشرف، وتظل في الوقت ذاته غائرة في العالم، تنتمي إليه، وتحمل رائحته وإيقاعاته؟ القصيدة هي ابنٌ لقيط للعالم. العالم ليس والدها وفي الوقت نفسه لا تستطيع الفكاك من أبوّته.القصيدة هي في العالم وفي مكان آخر في الوقت نفسه. حضوره فيها يستدعي التمجيد وغيابه عنها يستدعي الرثاء.واللقيط يري ما لا يراه الابن الشرعي. تصل نظرته إلي أعماق ومجاهل وظلمات لا تمرّ علي نظرة عين شرعية. للقيط رؤي واستشرافات لا يراها الابن الشرعي ولا حتي والده، ومقابل ذلك ينال عقاباً: أن يظلّ غير شرعي في العالم، موجوداً وغير موجود. تأخذ من اللاهوت عطره، وتهمل الجانب الفقهي، المعرفي. كيف تري علاقة الدين بالشعر؟ وهل الشعراء معنيون بأسئلة الموت والحياة؟ أم يجب علي الشعر أن يهتم بالعابر، والموقت، والزائل، أقصد بالإنسان، حامل الخطيئة؟ أبدأ من الجزء الأخير من سؤالك لأورد فقط ملاحظة عابرة لا تخفض مطلقاً من قيمة السؤال، وهي أن الشعر لا يتآخي مع كلمة يجب التي هي قيد، بل هو يرغب في كسر كل القيود.أنا، بصراحة، لست متديناً، لكن علاقة الدين بالشعر أحيلها أيضاً إلي الذكري . أما أسئلة الموت والحياة فليست مرتبطة بالدين بالضرورة، إنما هي مرتبطة بالكائن مؤمناً كان أو ملحداً. إنها مسألة كينونة لا أظن في الإمكان الفكاك من طرحها، وذلك لا يتناقض علي الإطلاق مع اهتمام الشاعر بالعابر والموقت والزائل وليس بما يحسبه البعض ثابتاً ودائماً وأزلياً.الشعر يهتمّ بالعابر والموقت والزائل بالتأكيد، أي بالإنسان. لكني لا أعتقد أن الإنسان حامل للخطيئة إلا بالمفهوم الديني، وبهذا المفهوم لا أعتقد أن الإنسان هو الخاطئ بل الذي حمّله الخطيئة. نشرت عشرة دواوين شعرية حتي الآن، كان آخرها تركيب آخر لحياة وديع سعادة . ماذا تعني لك حياة الشاعر، وهل تري بأن من يلمس قصيدتك يلمس حياتك؟ كنتُ أرغب في أن يكون العالم شيئاً آخر، أو علي الأقل أن تكون حياتي شيئاً آخر، فرحتُ ـ في ديواني الأخير ـ أتوهم اختراع عالم آخر وحياة أخري لي. لكنّ وهم هذا الاختراع لا ينطلي علي الشاعر ولا علي القارئ، ولذلك يبقي ذاك العالم، وحياة الشاعر معاً، بعيدين عن الملمس الحقيقي، يبقيان في متناول الملمس المتخيَّل فقط.ربما حياة الشاعر هي غيابها. الأرجح أن الشاعر لا يكتب سوي غيابه. أنت شاعر يعيش علي الحافة، حافة ما، شعرية أو وجودية. ما الذي تراه حين تحدّق في الهاوية؟ لست وحدي من يعيش علي الحافة بل كل الشعراء، وربما العالم بأسره. قد يكون الفارق أن الشاعر يستشرف حافته، ويتقدم إليها غير مغمض العينين إنما ناظراً ـ بهلع أو بلا مبالاة ـ إلي عمق هاويته.أحدّق في هذه الهاوية من غير هلع. فما في عمقها رأيته من زمان وحاولت مصادقته منذ سنوات عديدة. ربما كل ما كتبتُه كان محاولة لصداقة هذه الهاوية، بمعني أن أجعل روحي رديفة اللامبالاة وأنا أسقط فيها. فاللامبالاة هي الصداقة الوحيدة المتاحة مع الهاوية. اللامبالاة هي أيضاً الصداقة الوحيدة المتاحة مع الطريق إلي تلك الحافة، وأنا حاولتُ علي مدي هذه الطريق أن أدرّب نفسي علي صداقة الخطوة الأخيرة.حين أحدّق في الهاوية أري أن كل حياتي كانت هناك، وأنه كان عليَّ أن أكون لا مبالياً أكثر. أري تقاطعاً بين قصيدتك والفلسفة. هل تقرأ هيدغر مثلاً؟ ما سرّ هذا الاهتمام بالأثر، الصدي، الكينونة؟ أم هي مجرد أفكار تتحول بين يديك إلي صور واستعارات؟ هل ثمة من علاقة بين الشعر والفلسفة؟ وهل تؤمن بما يسمي قصيدة الرؤيا ؟ أعتقد أن الأفكار تتحول إلي كينونة ـ لا إلي صور واستعارات ـ حين معايشتها في الحياة أو حتي في التخيلات.الصدي هو مستقبل الصوت. والحياة ماضيها أثر ومستقبلها أثر. أما الكينونة فهي محاولة تغيير هذه المعادلة، بجعل الصوت مستقبلاً لنفسه وأثر الحياة في المستقبل لا في الماضي.قد يكون هذا الوهم هو سر اهتمامي بالأثر والصدي والكينونة. فأنا حين أكتب عن الأثر أتوهم بثّ حياة فيه لجعله في الحاضر وإنقاذه من موت الماضي، وحين أكتب عن الصدي أتوهم الوهم نفسه بجعل الصدي صوتاً ينطلق من فم قائله الآن.هذا، بالتأكيد، وهمٌ لا رؤيا. وهمٌ مردّه ربما الألم علي مصير الأثر، ومصير الصدي، ومصير الكينونة. هل تشعر أنك الحفيد المتأخر لشاعر كبير، عربي أو غربي؟ هل تتكتم علي سر؟ من هم أسلافك؟ هل أدونيس أحد هؤلاء؟ الشاعر هو حفيد كل الذين قرأ لهم، لكنه في النهاية لا يكون سوي حفيد نفسه.لا أشعر بأني حفيد متأخر لأي شاعر، لا أدونيس ولا سواه. أشعر بأن هناك قرابة بين جميع الشعراء، لكن ذلك لا يعني البنوة ولا الحفادة، وهذا لا ينسحب عليَّ وحدي بل علي جميع الشعراء بمن فيهم أدونيس وغيره.ربما إقامة، ربما منفي، ربما تجربة خاصة، ربما تجربة عامة، ربما بيت، ربما شارع، ربما حديقة، ربما شجرة، ربما وهم، قد يكون السلف الحقيقي للشاعر.إننا أحفاد الجميع، وفي الوقت نفسه نحن أجدادنا. هل تخاف علي القصيدة من السياسة؟ أقصد، هل تؤمن بما يسمي الشعر الملتزم؟ أم أن القصيدة كائن هش، يعتاش علي الإيماء، والإشارة والرمز؟ وماذا تنتظر من الكلمات؟ هل حقا تريد البياض ، كما تقول في إحدي قصائدك؟ كل شعر سياسة، ولكن بالمعني العميق للكلمة وليس بالمعني العاديّ المتداول. إنه سياسة بمعني الرؤية إلي الذات والأشياء والعالم والموقف منها، نقداً واستشرافاً ورغبة في تغيير. فمن يكتب شعراً يحاول أن يكون سائس نفسه وسائس الأشياء، ومن هنا القصيدة كائن هش لأن الأشياء والعالم، والذات أيضاً، فرسٌ حرنٌ لا تساس بكلام. إنها (القصيدة) إيماء فقط، إشارة، ورمزٌ لعجز.لذلك لا أنتظر من الكلمات شيئاً.ليس بيني وبينها سوي تسلية، لعب مع وهم جميل. وأحب أن أحتفظ بهذا الوهم، فمن يقضي سنوات عمره برفقة ظلٍ يصعب عليه فراقه.أما البياض ، فقد يكون هو الجسد الحقيقي لهذا الظل. هل تكتب لنفسك أم للآخر، ومن هو القارئ المثالي الذي تتوجه إليه؟ هل الشعر فن يخاطب النخبة فقط، كما يقول إليوت، أم أنه يتوجه في الدرجة الأولي إلي الجماهير؟ كل شاعر يكتب لنفسه أولاً، لكنّ ذات الشاعر شبيهة بذوات آخرين أيضاً، ولهذا فإن من يكتب لنفسه يكون يكتب لآخرين كذلك.الآخرون الذين يكتب لهم الشاعر هم الذين يشبهونه، سواء أسميناهم نخبة أو أي اسم آخر… وفي الواقع كل مخاطبة تتجه إلي الشبيه وحده وليس الشعر فقط، ولذلك لا يجوز أن يكون توجّه الشعر إلي نخبة لا إلي جماهير محطّ إدانة كما درج عليه بعض العرب حين يتحدثون عن الشعر الحديث. فحتي المخاطبة السياسية تتوجه إلي فئة معينة، وتتقبلها جماهير وترفضها جماهير أخري. في قصائدك يلمح القارئ نزوعاً خفياً إلي الجملة الصافية، الزجاجية، التي تتخفف من المعني، لصالح الدلالة المتحركة، التي تصور طقساً وليس مفهوماً. متي تبدأ القصيدة لدي وديع سعادة ومتي تنتهي؟ كيف تقرر وضع حد لها؟ أم أن الخاتمة هي دوماً بداية أخري؟ الشعر قولٌ زجاجي. قول زجاجي لرؤية زجاجية، ولطقس يكمن وراء زجاج أيضاً. لذلك لا أظن أن للشعر معني بقدر ما له دلالة. ولا أظن أن الشعر يمكنه لمس رؤيته إنما الإشارة إليها فقط من وراء الزجاج. الشعر، علي ما أظن، هو زجاج ينظر إلي زجاج.من هذا الطقس الزجاجي تبدأ القصيدة، وبالطقس الزجاجي تنتهي. تبدأ من زجاج وتنتهي بزجاج. تنتهي القصيدة السابقة بانكسار، كي تبدأ القصيدة اللاحقة من شظايا انكسار القصيدة السابقة. ولذلك لا تكون خاتمة القصيدة سوي البداية دائماً، ليس لما قبلها فحسب إنما لها هي أيضاً، إذ أن الزجاج الذي يحاول الشعر جمعه هو نفسه منذ أول قصيدة يكتبها الشاعر إلي آخر قصيدة. في قصيدة لك بعنوان جمال العابر تقول: الأكثر جمالاً بيننا، المتخلّي عن حضوره . متي نعبر ومتي نقيم؟ وما سرّ صداقتك مع الموتي؟ ما سرّ اهتمامك بجدلية الحضور والغياب في معظم دواوينك؟ أظن أن علينا أن نعبر في اللحظة التي نشعر فيها بأننا ثقل علي الآخر وعلي ذاتنا. علينا أن نعبر عن الآخر حين نكون ثقلاً عليه، وأن نعبر عن أنفسنا حين نكون ثقلاً علينا… ولكن، هل نحن مقيمون حقاً لكي نعرف متي نعبر؟ ليست لنا خفَّة إقامة ولا جمال إقامة، ولذلك لا نعرف خفة عبور ولا جمال عبور.صداقتي مع الموتي تنطلق من كونهم عبروا، وخصوصاً الذين هم اختاروا عبورهم: المنتحرون. هؤلاء اكتشفوا أنهم ليسوا مقيمين فعلاً، فاختاروا جمال العبور. وصداقتي مع الموتي تنطلق أيضاً من أن هؤلاء مقيمون في. يجب أن نتواضع ونعترف بأن في داخلنا قافلة من الموتي وليس من الأحياء فقط، وبأن علينا أن نكون أصدقاء الذين لم تعد لهم قوة ولا حيلة وليس أصدقاء الأقوياء في الحياة وحدهم. يجب أن نتواضع ونعترف بأننا موتي أيضاً.قد يكون هذا هو السر في جدلية الحضور والغياب في شعري… فأن أكون حاضراً في الحياة، علي أن أحضر في الموت أولاً. هل تريد أن تقوض المفهوم الصوفي للتجلّي حين تشير في إحدي قصائدك إلي أن الإشراق أو الضوء لا يأتي من الشمس بل من تحديق حجر في حجر؟ بودّي أن أقوّض كل المفاهيم التي تعلمناها وأودت بنا إلي الحفرة لا إلي الشمس. لم يبق لدينا، بسبب هذه التعاليم، سوي أحجار في حفرة، وسوي أن نحاول إشراق الشمس من هذه الأحجار. كيف تعرّف طفولتك؟ وما سرّ الحضور القوي للطبيعة في شعرك، أنت الذي تعيش في قلب المدينة الغربية، في أستراليا؟ هل علمتك التكنولوجيا الحديثة شيئاً يخدم نصك؟ أعتقد أن المرء يحمل مكانه معه أينما ذهب، فالمكان ليس مساحة في الجغرافيا إنما هو مساحة في الذات.أنا فلاّح. كانت لدّي في قريتي في شبطين أرضٌ زرعتها لوزاً وعنباً وأشجار فاكهة وخضاراً، وها أنا في سيدني حوّلتُ حديقة بيتي الخلفية، وواجهة بيتي الأمامية أيضاً، من عشب إلي لوز وعنب وأشجار فاكهة وخضار، وأجمل لحظات يومي هي حين أتفقدها يومياً وأنظر إليها ملياً وأعتني بها.في الجبال، هناك، كانت الأشجار تثمر من حرارة نظرات الفلاحين حتي في ثلج كانون الثاني، كما قلت في إحدي قصائدي. وأنا هنا في سيدني لا أزال أحمل بعض روح تلك الجبال. أشعر بسعادة عامرة حين أتبادل النظرات مع الشجر، وأشعر بأن ثماراً جديدة وجمالاً جديداً تنبت بيننا.أظن أني لم أتعلّم من التكنولوجيا الحديثة شيئاً في ما يخص علاقتي مع الطبيعة وعلاقتي مع البشر. إذا كان الشعر يعني هذه العلاقة فأنا لا أزال ابن جبل بعيد. أما الكومبيوتر والإنترنيت وما إلي ذلك، فليست بالنسبة إلي سوي وسيلة حديثة لإيصال صوت بات بلا مكان. هل تكتب مستعيناً برؤية جمالية مسبقة؟ أم أن القصيدة هي دوماً رحلة في المجهول؟ هل القصيدة حقيقة أم وهم؟ وماذا تعني في قولك: مشيتُ طويلاً في خيال اللغة، حتي انكسرتُ في وهمها؟ أعتقد أن ما يسكن في الذات وفي العالم هو مجهول دائماً، وما يفعله الشعر هو تتبُّع أثر المجهول، برؤية لا يمكنها أن تكون مسبقة ما دام المسعيُّ وراء رؤيته مجهولاً.الشعر ـ كما أشرتُ سابقاً ـ قولٌ زجاجي لرؤية زجاجية تكمن خلف زجاج. ورؤية زجاج إلي زجاج إنْ لم تكن وهماً فهي علي الأقل حقيقة زجاجية منكسرة. والقصيدة التي تبدأ من زجاج منكسر وتنتهي بزجاج منكسر، ماذا عساها أن تكون؟هذا هو خيال اللغة الذي نمشي فيه وننكسر في وهم اللغة. أخيراً، حين تقول في ديوانك الأخير: كرَّ خيطان نفسه ـ/ وبكل حياته ـ بزرّ ريح ، هل تريد أن تنسف مفهوم الهوية والانتماء؟ من هو المنتمي برأيك؟ وكيف يعرّف وديع سعادة نفسه؟ مفاهيم كثيرة، من بينها الهوية والانتماء، أتمني لو تُنسف، لكنّ هذا وهمٌ أيضاً. أقصد بالأحري واجب الهوية والانتماء، لأن لا هوية لأحد في الواقع ولا انتماء، إنما تشرذم كلّي هو مأساة أخري تضاف إلي مأساة الواجب المفروض علينا، وهو أن نكون منتمين وذوي هوية محددة. أعتقد أن الريح وحدها هي هويتنا وما ننتمي إليه، وهي هوية ضائعة في الهباء وانتماء في الهبوب. وكانت جميلة لو قُبلت هكذا، لكنهم يريدون مسمرة الريح بالأرض… التاريخ كله، مبادئه وتعاليمه، قائم علي منع هبوب نسمة هواء.0