بدأت الانتخابات الرئاسية وبدأ الحديث عن ماذا يريد المصريون من الرئيس القادم خاصة المواطنين المثقلين بالأعباء والهموم والذين لا يعنيهم كثيراً خلفية وأيديولوجية الرئيس بقدر اهتمامهم بأداء وفاعلية الرئيس وانحيازاته في تحقيق المطالب العادلة والمشروعة للمواطنين، فبعد مرور ثلاث سنوات على ثورة يناير ظن البعض أن المصريين وفي مقدمتهم الإعلام والسياسيون ومدعو الثقافة والعلم قد تخلصوا من مرض البحث عن الزعيم الملهم الذي لا يرى ولا يقول ولا يعمل الا صدقاً.
لكن للأسف لايزال الإعلام يعاني من أمراض التسييس والانقسام السياسي وأصبح أحد أدوات الصراع السياسي والاجتماعي في ظل عدم التخلص بعد من الإعلام الدعائي الموالي دائما مع النظام اياً كان من يحكم، وتحول الإعلام إلى ساحة من ساحات الحشد والتعبئة وترويج الشائعات والتخوين واتهامات متبادلة بالتحيز وتزييف الحقائق وإثارة مشاعر المواطنين.
وكما عابوا على مؤيدي الاخوان أنهم يصدقون أكاذيب وتضليل قياداتهم أصبحوا مثلهم أكثر جنوناً في صناعة الديكتاتور والتهليل لأي قول وفعل والتصفيق بلا أدنى وعي.
وأصبح السؤال هل ما تحتاجه مصر الآن رئيساً زعيماً يأمر فنطيع يقرر فنهلل مادحين أم عقل وضمير يعيد هيبة مصر السياسية والاقتصادية التي فقدت على مدار عقود ويعيد الحقوق الضائعة التي تتزايد يوما بعد يوم ويحارب الفساد الممنهج للدولة سواء مالياً أو إدارياً أو سياسياً، وهل بدأنا نتعلم أن الرئيس لا يتعدى كونه أعلى درجة وظيفية في الدولة يجب ان ينجح في أدائها دون أن نشكره أو ننسج حوله الحكايات والبطولات الوهمية وعندما يفشل يستقيل من منصبه ويحاسب إن أجرم في حق مواطنيه.
للأسف لم نتعلم بعد فقد بدأ الجميع في التهليل والتصفيق مبكراً ومدعياً أنه ينحاز للاختيار الصواب أفراد وجماعات – سياسيين وإعلاميين – أحزاباً وحركات – حتى حركة تمرد تبارت في التهليل والتحدث باسم الشعب ومحاولة توجيهه إلى ما ترى أو ما يرى من أنشأها رغم انتفاء دورها بحكم الهدف من تكوينها وهو إزاحة جماعة الإخوان من الحكم وبما أن الهدف تحقق فلا مبرر من وجودها إلا اذا كان منوطا بها الوقوف في طابور المهللين والمصفقين.
فلم نسمع على مدار العقود الماضية في الدول الديمقراطية الأكثر تحضراً وتقدماً أن شعوبها تتبارى في صناعة أغان تتغنى بها للرئيس أو الملك ولا تمنحه الألقاب والبطولات نفاقاً ورياءً ولا تسبح بحمده لأي قول أو عمل لكننا لا نرى صناعة النفاق للزعيم الملهم ونسج الأساطير ومنح الألقاب مجاناً إلا في الدول المتخلفة فقط ونحن في طليعة هذه الدول بالطبع.
فبعد ثورة يناير تبارى الجميع سواء النخبة السياسية أو الحاكمة أو الإعلام في الحديث عن العدالة الاجتماعية بكل أشكالها كهيكلة منظومة الأجور وإعادة توزيع عادل للثروات وإقامة تنمية اقتصادية حقيقية والقضاء علي الفساد بجميع اشكاله واحترام حقوق وحريات المواطن, ووضع خبراء الاقتصاد الحقيقيين تصورات وحلول للخروج من الأزمة الاقتصادية وتحقيق تنمية وعدالة اجتماعية , لكننا لم نجد شيئاً من هذا كله بعد الثورة سواء اثناء المرحلة الانتقالية ولا بعد انتخابات الرئاسة التي جاءت بجماعة الإخوان ولا حتى بعد الموجة الثانية لثورة يناير في يونيو الماضي حيث بدأ الأمل يحدوا الجميع من جديد في تحقيق أهداف الثورة فاذا بكثير من الإعلاميين والسياسيين ورجال دولة مبارك القديمة والجديدة تصف ثورة يناير بالفوضى والمؤامرة على زعزعة أمن واستقرار مصر وعادت نغمة أهمية دور رجال الأعمال في بناء مصر – هؤلاء الذين نهبوا وخربوا واستغلوا وشاركوا في الفساد الممنهج والإفساد – هم الذين سيبنون مصر مرة أخرى؟
ورغم علمنا أن معظم رجال الأعمال في العالم المتحضر لهم دور تنموي ظاهر واختياري فى دولهم بعد دفع كل الضرائب والحقوق المستحقة لدولتهم دون تهرب إلا رجال أعمال مصر هم الوحيدون الذين ينهبون ثروات الدولة مع كل التسهيلات والدعم الحكومي وفي المقابل لايقدمون شيئاً غير الاحتكار والاستغلال وتقديم أسوأ الخدمات والمنتجات بأبهظ الاسعار.
كما عادت نغمة الأمن بنفس مفهوم مبارك وسياساته الأمنية في البطش وانتهاك حقوق المواطن بحجة القضاء على الإرهاب واستقرار الشارع المصري إيذاناً بعودة إرهاب الدولة الذي سيمثل خطراً على المجتمع فالسياسات الأمنية القمعية لاتحل مشكلة أبداً بل تصعد منها، فالعقلية القديمة المستبدة والطابع السلطوى للدولة ليس لهما مكان الآن في المجتمع .
وأصبح التساؤل في ظل هذه العقلية الفاسدة هل سيحقق جنرالات الداخلية والقوات المسلحة ورجال الدولة العميقة والنخبة الحاكمة عدالة تقبل الحد الاقصي الذي لن يتعدى عشرين ضعف الحد الادنى وهل يقبل هؤلاء التنازل عن الملايين التي أعتادوا الحصول عليها من اجل تحقيق العدالة للمواطنين والنهوض بالمجتمع الذي يكتظ بالمهمشين والعاطلين ومحدودي ومعدومي الدخل – لا أظن – فمن عاش في رخاء مستفيداً من الظلم وغياب العدل وضياع الحق لايعرف مامعنى العدل وكيف يصبح على أرض الواقع حقيقة نعيش داخلها .
وكلامي لا يعني اليأس والاستسلام بل يؤكد أن حلمنا وأهداف ثورتنا لن يحققه تجار الدين ولا تجار الوطن ولا الواقفون صامتين داخل المنطقة الرمادية بين هؤلاء وأولئك فلن يستطيع أي نظام أن يخضع هذا الشعب من جديد تحت أي إدعاءات أو مسميات كالحفاظ على الأمن والاستقرار ومواجهة الإرهاب أو التنمية الخادعة لكن سيحققه الشرفاء والمخلصين لهذا الوطن الذين يملكون عقولاً تستطيع النهوض بمصر وضمائر ترفع المعاناة والظلم عن كاهل المواطنين , ولكن متى يأتي هؤلاء المخلصون .. حقيقة لا أعلم ؟
خالد رياض