أفول نجم المالكي

حجم الخط
2

■ نتائج الانتخابات العراقية التي أُعلِنت مؤخرا، لا يمكن ان توصف إلا كونها انتصارا لرئيس الوزراء الذي يتبوأ المنصب نوري المالكي. وبمقارنتها بانتخابات 2010، فقد رفع المالكي عدد مقاعد إئتلافه من 89 الى 95، وقد بلغت عدد الاصوات التي حصل عليها ائتلاف المالكي في الانتخابات الأخيرة نحو ضعف عدد الاصوات التي حصل عليها في انتخابات عام 2010 (مليون و720 الفا في انتخابات عام 2010 مقارنة بثلاثة ملايين و620 الف صوت عام 2014). ومقارنة مع الكتل الأخرى، فإن كتلته حققت نحو ضعفي عدد المقاعد لأقرب منافس لها، وهو التيار الصدري الذي بلغ عدد المقاعد التي أحرزها 34 مقعدا. كما ان المالكي نفسه حصل على نحو 720 الف صوت في الانتخابات الاخيرة، وهي تفوق نحو الضعفين لأقرب منافس له هو اياد علاوي الذي صوت له نحو 240 الف ناخب. إذن وفق كل المعطيات والمؤشرات، فإن المالكي يعد الرابح الأكبر ومن دون منازع في الانتخابات الأخيرة.
ومع أني أشارك الذين يشككون بنزاهة الانتخابات هواجسهم، وأدرك أنها أقل نزاهة من كل الانتخابات السابقة، وأستدل ببعض الادلة الحسية من أن الانتخابات التي جرت في 30 نيسان/ ابريل الماضي شابها بعض الانتهاكات والخروقات وحتى التزوير والتحريف في ما بعد بشأن العد والفرز وإدخال البيانات. ولكني أدرك تماما ان نقصان نزاهة الانتخابات والتزوير والتحريف في جوهره قد ضخم بعض النتائج، لكنه لم يغير الأوزان على نحو دراماتيكي او يَقلِبها. وبالتالي هذا التشكيك لا يغير من حقيقة أن المالكي هو الرابح الأكبر في الانتخابات العراقية الأخيرة. ورغم هذه الحقيقة، فإن المالكي سيكون وفقا لأقرب السيناريوهات المتوقع حدوثها سيكون أعظم الخاسرين في المرحلة المقبلة.
يرتكز هذا السيناريو على المعطيات والمواقف القائمة حاليا، اذ يسود إدراك كامل لدى كل الكتل السنية والكردية والشيعية، كتلتي الصدر والحكيم بالذات، ان تولي المالكي لولاية ثالثة معناه انزلاق البلاد لديكتاتورية جديدة لا فكاك منها.. فالمالكي لا يتوانى عن استخدام قوات الأمن لملاحقة خصومه، كما انه اخضع القضاء والهيئات المستقلة، بما فيها الاعلام والبنك المركزي والرقابة المالية والنزاهة لهيمنته ونفوذه، وطوعها لتكون ادوات في خدمة سياساته، وأحيى في السنتين الماضيتين قانونا من عهد صدام، يجعل انتقاد رئيس الحكومة جريمة جنائية، ورفع المالكي دعاوى التشهير ضد عشرات من الصحافيين والساسة وأعضاء البرلمان، وصار العديد من منتقديه يقضون وقتا في السجن ودفع تعويضات. اما بالنسبة لخصومه والمعارضين لسياساته، فإن الاتهامات جاهزة والملفات معدة، والامثلة حية في الاذهان، طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، ورافع العيساوي وزير المالية، وسنان الشبيبي محافظ البنك المركزي، ورحيم العكيلي رئيس هيئة النزاهة وغيرهم. وأكثر من ذلك هناك قناعة أضحت تتكرس لدى معظم الشركاء السياسيين، كما لدى الجمهور العام، خصوصا لدى السنة العرب والاكراد، بان السياسات المعتمدة للمالكي لاسيما في ولايته الثانية ستؤدي الى تفكك البلد عمليا، يقول اللفتنانت جنرال مايكل باربيرو، نائب قائد القوات الامريكية في العراق حتى يناير/ كانون الثاني 2011 «اعتدنا على كبح جماح المالكي في كل وقت، انه كان في كل مرة يحدث فيها توترا مع الاكراد يستعد لارسال الدبابات لمواجهتهم». إنه يخلط بين داعش والجمهور السني، ويعاقب السكان الاكراد بمنع الرواتب كي يضغط على القيادات الكردية، هذه السياسات ستؤدي حتما ليس فقط الى المطالبة بانشاء الاقاليم، ولكن ايضا بتقسيم البلاد. وتقول القيادات الكردية انها صارت تتهيأ لـ»الطلاق» او على أقل تقدير لعلاقة كونفيدرالية في مواجهة الولاية الثالثة. هذا الادراك من شأنه ان يجعل ممانعة الاكراد والسنة العرب للولاية الثالثة حتمية ونهائية وغير قابلة للمساومات، لاسيما مع تجربة الاطراف السياسية المختلفة مع الرجل المشوبة بنسبة قياسية من عدم الثقة والصفقات والاتفاقات العديدة المكسورة وغير المطبقة من جانبه.
من جانبهم فان منافسيه الشيعة، سواء من الصدريين او من المجلس الاعلى او حتى من داخل ائتلافه، صاروا يضيقون ذرعا بسياساته التي تعاملهم كتابعين وليس شركاء، في الوقت الذي يستأثر فيه بالمال السياسي والقدرة الامنية والعسكرية ليؤسس لديكتاتوريته، حتى إن أروقة حزب الدعوة الذي يتولى أمانته العامة، صارت تبدي تململا من سياساته، وصارت قيادات الدعوة تتحدث علنا عن «تجيير الدولة ومؤسساتها لشخصه ولصهريه ولأقربائه، على حساب تضحيات الاف الشهداء من حزب الدعوة». هذه المشاعر التي تتقاسمها القوى السياسية الشيعية من شأنها ان تضع العصي أمام ولاية المالكي الثالثة وتعيقها. يبقى السؤال المركزي الحاسم بشأن الولاية الثالثة من عدمها هو الموقف الايراني. إيران لعبت دوراً رئيسياً في إقناع الحكيم والصدر بضمان تزويد المالكي بالأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة في ولايته الثانية، لكن إيران نفسها قد لا تكون قادرة على فعل ذلك الآن، في ضوء اتساع الفجوة بين المالكي وبقية الحلفاء الشيعة من جهة، ومن جهة ثانية بين المالكي وكل من الاطراف السياسية الكردية والاطراف السياسية السنية. هل معنى هذا ان ايران ستسهل تغيير المالكي؟
صحيح أن سائر القوى السياسية الشيعية ترتبط بعلاقات مميزة بإيران، والكثير منها أوصل رسائل إليها بأن مصالحها في العراق لن تتزعزع برحيل المالكي. وصحيح أيضا أن ايران سعت طوال هذه السنوات الى أن تجمع كل الكتل الشيعية في إطار هيكلي موحد جامع هو التحالف الوطني، وان الاصرار على الولاية الثالثة للمالكي يمكن ان تعصف وتضعضع هذا الاطار الهيكلي وبالتالي تفرق الكتل الشيعية اكثر مما هي متفرقة. وصحيح كذلك أن ائتلاف المالكي (دولة القانون) يواجه مشاكل في داخله قد تعصف به في المستقبل القريب، تحوله إلى أربع كتل صغيرة، يسعى بعضها إلى الاستئثار بمنصب رئيس الوزراء، يعمق ذلك تململ وسخط داخل حزب الدعوة من قبل العديد من قياداته، لاسيما بعد فشل بعضها في الانتخابات، في الوقت الذي تفوق فيها على نحو كبير صهرا المالكي وأقرباؤه الاخرون والمقربون منه.
يقينا أن طهران تدرك كل هذه الحقائق والمعطيات، ولكن الوضع الاقليمي، خاصة في ما يتعلق بسوريا لا يحتمل بالنسبة لطهران المجازفات، فالمالكي ليس فقط ضمن لطهران مصالحها في العراق، بل حول العراق الى عمق استراتيجي تديره طهران، سواء لجهة تخفيف آثار العقوبات الغربية والدولية على برنامجها النووي، وايضا لجهة التواصل الاقليمي الذي سهل لطهران إدارة معركتها الإقليمية التي يتمحور عنوانها حاليا في الدفاع عن نظام الاسد في سوريا، والتمدد الشيعي في المنطقة، عبر السماح للميليشيات العراقية بأن تقاتل في سوريا، إلى جانب «حزب الله»، وبإشراف الحرس الثوري الإيراني. وأكثر من ذلك ان المالكي انغمس في التورط اكثر في المعركة التي تقودها طهران، عندما اعتبر صراعه مع مناوئيه والفرقاء السياسيين الاخرين في العراق جزءا من الصراع الاقليمي الاوسع الذي تديره من جانب ايران ومن جانب اخر السعودية ودول الخليج العربي الاخرى.
من هنا تبدي طهران قلقها من ان غياب المالكي قد يؤدي الى تعثر هذا الانغماس وهذا الدور، في الوقت الذي يشهد الصراع الاقليمي تطورات حرجة، وهي تريد ضمانة مؤكدة لا تقبل التأويل او المجازفة ان بديل المالكي عليه ان يشكل استمرارية. لكل ذلك من المتوقع ان تضطلع ايران بدور مباشر في اختيار بديل المالكي، ومن المرجح ان تطول عملية اختيار رئيس وزراء جديد أكثر من المتوقع، وان تستغرق عملية تشكيل الحكومة ربما سنوات وليس شهورا، ولكنها بعد ان تستكمل ستمثل خاتمة غير سعيدة للمالكي ربما تكون فيها نهايته السياسية والحزبية. وهذا ما يستشعره المالكي نفسه لذلك، سيقاتل بكل ما اتيح من القوة وسيستخدم كل الاوراق المتاحة له في معركته الاخيرة.

٭كاتب وصحافي عراقي

عصام فاهم العامري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية