المزاج التشيخوفي والصورة رامبرانتية
شريط ثقيل بطيء الايقاع الى حد ما «كلاهما بالمعنى الايجابي للكلمة»، يحمل ما يسمى مزاج تشيخوفي .. نسبة للمسرحي وللكاتب الروسي الكبير «أنطوان تشيخوف» في عالمه المميز بين الريف والمدينة وشخصياته البرجوازية الصغيرة ومعاناتها الوجودية رغم الفقر المدقع المنتشر حولها، مزاجها الثقيل والكئيب وصراعاتها النفسية الداخلية وفيما بينها… هنا تحضر الى الذهن مسرحيته «الخال فانيا» واقصوصة «الدب» وخصوصا في التماس مع عنوان الفيلم وشخصية البطل الرئيسي.
فيلم تركي طويل جداً
ثلاث ساعات و16 دقيقة مصورة في ثلاثة مواقع داخلية فقط وبضعة مشاهد خارجية قصيرة ولكنها مشغولة بسينمائية تصويرية عالية .. مشاهد في السهوب المثلجة، في ساحة الفندق الأثري وعلى طريق السفر نحو محطة لا ينطلق قطارها نحو اسطنبول، في المقابل مشاهد أساسية طويلة ممسرحة «مبنية على ثرثرة حوارية لا تنتهي»، لوحات ووضعيات شخوصها كلاسيكية تذكرنا باجواء واضاءات «رامبرانت»، شخصيات اشكالية معقدة ولكنها بنفس الوقت اختزالية لطبقة وعقلية محلية مغرقة في واقعيتها. «إيدين» المسرحي المتقاعد، خمسيني، صاحب الفندق والعقارات، المثقف، كاتب المقالات في جريدة محلية غير مقروءة والذي يقدم مفتخرا الى زوجته مزيدا من الحرية، حتى طلب الانفصال، ولكن دون ان يغادر حياتها، مملكته، التي يصعب عليه فعلا التخلي عنها. آخر، الاسلامي الفقير «حمدي» النمطي المهادن المجامل حد النفاق وشقيقه السكير «اسماعيل»، هذا الخارج من السجن بسبب حادثة عابرة في السوق، المعدم الفقير الذي لا يملك دفع ايجار بيته المتهالك الى المالك ايدين، اسماعيل نفسه الذي يرمي الاموال الطائلة المقدمة من الزوجة نهال في المدفأة ليواسي كرامة طفله «الياس» المجروحة قهرا وفقرا وتبعية… نهال، الزوجة الصغيرة السن التي تعيش كآبة زوجية تحاول كسرها في نشاطات اجتماعية اصلاحية، دموعها مدرارة وعاطفتها شفقة ودوافعها حنان برجوازي نحو فقراء يحيطون بها، لا يسلي وحدتها سوى الاخت «نجلاء» التي تعاني نفسيا وفكريا من طلاقها حديثا وتجادل الاخ ايدين في مقالاته وافكاره بكل صراحة وجرأة لا يجاريه به احد… الخادمة «فاطمة» والسائق «هداية» هما فقط من يعمل بشقاء في هذه المملكة البرجوازية، الصديق «سوافي» متذوق النبيذ المتوحد في مزرعته القريبة، حيث يلجأ ايدين إليه بضعة ايام قبل قراره العودة الى عالمه الكئيب.
تأطير صورة المثقف السلبي
تناقضات البرجوازي، العلماني، المتوازن بين كل التغيرات والتحولات في المجتمع التركي المعاصر، يكتب مقالات عن نقد الدين والتدين دون ان تطأ قدمه مسجدا ودون اي ثقافة او مرجعية اسلامية، يكره المتدينين دون سبب، وكذلك الملحدين بالمطلق ايضا لنفس «دون» السبب، ومع ذلك لا يتردد في مد يده ليقبلها الطفل الياس اعتذارا، فيقع الطفل مغميا عليه حين يجبره عمه حمدي الاسلامي على هذا الفعل، ايدين لا يشرب الخمر خوفا من مواجهة ما مع ذاته! ولكن حين يعرضه عليه صديقه سوافي يتردد ثم يشرب الى حد التقيؤ … لا يحتمل لحظة الوعي الحقيقي «او اللا وعي تحديدا» التي تنقصه تماما في صحوه المتزن فيعود الى فندقه/ المنزل بعد ان اعلن مرارا للجميع الذهاب طوال الشتاء الى اسطنبول. هو دب حقيقي تشيخوفي، دب معاصر علماني برجوازي، غني ومتحضر ويستطيع بكلامه اعطاء اي تبرير او حجة او منطق.. منطق الذكاء الثقافي الحضاري، الذي يبدو في الفيلم وأداء البطل غبيا وللغاية.. بطل سلبي يبنى قطعة قطعة امامك اثناء مجريات العمل بعد ان تظهره المشاهد الاولى على العكس.
التردد والكآبة، الخوف من الرحيل، من التغيير.. تدفع الى التشبث في الحالة، بل الى الغرق فيها حد الكآبة والصراع والاستفزاز… محاولة الهروب الى اسطنبول البعيدة تبوء بالفشل، ولكن دائما هناك التبرير والمنطق المفتعل لحماية الذات يتحول مع مرور الوقت من خطاب ثقافي فكري الى نذالة بلا حدود… المنطق التبريري الذي يجعل الجميع ينسحب من النقاش معه او يستسلم… ظاهرة يمكن تعميمها في شرقنا المتوسطي بكل ثقة وتأكيد… أنا المثقف الذي سيدلكم على الخلاص، انا الذي أستطيع ادارة شؤونكم وانقاذكم من مصيركم المحتوم، وهو ليس قادرا حتى على انقاذ نفسه.
الاسلام المنتشر في تركيا مع صعود حزب النهضة، المسرح التركي الذي يعاني عزلة وجهالة كبيرين، السياحة والسياح في تركيا والذين يعاملون كملوك حتى من المثقف المتعجرف، الفقر والتهميش، العلاقات الانسانية السائدة المغلقة، القائمة على التراتبية الطبقية، الحب، الزواج، الصداقة والتبعية، صورة واضحة فاضحة تكرس دور السينما «والفن عموما» مرآةً نرى فيها تشوهاتنا دون اي قناع ثقافي او فكري او برجوازي او حتى اسلامي.
النهاية المفتوحة على الخواء
عمل فني عالمي رغم الخصوصية المحلية المفرطة في واقعيتها، يشكل كشفا وتمحيصا لهذه الجمهورية الاسلامية «العلمانية» التي ترتقي في سلم النمو بسرعة فائقة مع كل ما تسببه من احتقانات اجتماعية فكرية سياسية.
ايدين صاحب فندق «عطيل» الأثري، بعد عودته من رحلته الفاشلة يجلس أمام حاسوبه ويخط عنوان كتابه الجديد القادم: «تاريخ المسرح التركي».. لتنطفئ أضواء شريط سينمائي تركي هام لمخرج مخضرم هو نوري بلغي سيلان.. يذّكر دون شك بكبار المخرجين الاتراك من الذين اعتادوا حصد جوائز هذا المهرجان، وعلى رأسهم السجين السياسي المخرج الكبير «يلماز غوني» وفيلمه الشهير»يول/الحائط».