حلول غير عادية أفرزها الوضع الاقتصادي المتردي: كيف يتغلب المصريون علي الأزمة الاقتصادية التي تخنقهم؟

حجم الخط
0

حلول غير عادية أفرزها الوضع الاقتصادي المتردي: كيف يتغلب المصريون علي الأزمة الاقتصادية التي تخنقهم؟

داود حسنحلول غير عادية أفرزها الوضع الاقتصادي المتردي: كيف يتغلب المصريون علي الأزمة الاقتصادية التي تخنقهم؟ يعيش المصريون هذه الأيام مشاكل اقتصادية قاسية أبرزها ارتفاع أسعار كافة السلع والخدمات بشكل جنوني، حتي أصبحت الغالبية الفقيرة والتي تزيد علي خمسين في المئة من المواطنين غير قادرة علي تلبية احتياجاتها الضرورية، ناهيك عن ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب الي أكثر من 14% وفشل كل برامج الدولة في تلبية احتياجات المواطنين، ناهيك عن وقف التعيين في الدولة، وزيادة نسبة الضرائب، واغلاق عشرات المصانع أبوابها، وانضمام المئات يوميا الي طابور العاطلين الطويل.الا أن شريحة لا بأس بها من المصريين استطاعت أن تطوع هذه الأزمة وأن تتعايش معها بل وتتغلب عليها بأساليب ذكية، مشروعة وغير مشروعة، وان كنا سنركز هنا علي ما نعرفه من تلك الأساليب المشروعة، حتي تواصل الحياة وتلبي احتياجاتها وتزوج أبناءها وتعلمهم عسي أن يأتي يوم تتحسن فيه ظروفهم المعيشية.الجمعيات حصالة الموظفين والفقراء لا يخلو حي شعبي في مدينة أو قرية أو مصلحة حكومية في مصر من وجود أكثر من جمعية تعاونية بين عدد لا يقل عن عشرة من الزملاء أو الجيران يتم من خلالها جمع مبلغ محدد سلفا شهريا، يتم تجميعه من كل عضو في تلك الجمعية لصالح شخص واحد من هؤلاء العشرة حسب من يصيبه الدور، ويبدأ المبلغ من ألف جنيه الي مائة ألف جنيه، وتستخدم هذه الأموال في تمويل زواج الأبناء والبنات أو استكمال بناء بيت أو سداد ديون أو شراء سيارة، وأمور أخري كثيرة، ويندر أن تجد موظفا أو موظفة الا ودخلوا في هذه الجمعيات.تقول أماني أحمد وهي موظفة باحدي المصالح الحكومية بالقاهرة انها شاركت في العديد من الجمعيات مع زميلات وزملاء واشترت بها العديد من السلع المعمرة كما ساهمت في تجهيز أخواتها للزواج رغم أن هذه الجمعيات كانت تقتطع جزءا كبيرا من دخلها المتواضع هي وزوجها.وتقول زميلتها هناء ابراهيم: ماذا نفعل في ظل غلاء الأسعار وشظف العيش الذي نعيش فيه؟ ان مثل هذه الجمعيات بالنسبة لنا ما يشبه حصان طرواده الذي نواجه به مصاعب الحياة وضيق ذات اليد. وتقول انها وضعت العام الماضي كل ما جمعته من حصالة الجمعية لدفع رسوم الدروس الخصوصية لأبنائها الثلاثة في الثانوية العامة والاعدادية.ويأخذ متولي محمود بأطراف الحديث ويقول ان الجمعيات فكرة ابداعية غير موجودة في العالم الا في مصر ولو تم عمل حصر بعدد الجمعيات أو المشاركين فيها لكان يجب أن توضع في موسوعة غنيس للأرقام القياسية أو توضع كنموذج للشعوب في التغلب علي مشاكلها الاقتصادية بعيدا عن القروض وفوائدها والربا.الأفراح تمول المشروعات الصغيرةطريقة أخري بدأت تنتشر في الريف (يوجد في مصر أربعة آلاف قرية) حيث تحولت الأفراح وحفلات الختان الي استثمار ومشاريع تدر أرباحا كبيرة، وتقوم فرق محترفة علي تنظيمها، وأصبح الاحتفال يتجاوز القرية الواحدة الي قري المراكز، حيث تضم بعض المركز أحيانا أربعين قرية، ففي قري مركزي الجيزة والبدرشين التي التقينا العديد من المواطنين القرويين فيها وتحدثوا عن تجاربهم مع الأفراح في حل مشاكلهم المالية أو تحسين وضعهم الاقتصادي.يقول سالم عبد الفتاح وهو من مواطني مركز الجيزة: منذ عدة سنوات تغيرت الطريقة التي كان ينظر لها السكان للأفراح بأنواعها والسبب هو الوضع الاقتصادي السيء الذي تعيشه مصر واضطررنا الي ذلك ففي البداية كانت الأفراح تتم بشكل طبيعي وكان الضيوف من أهل العروسين وأصدقائهما ومعارفهم يقدمون الهدايا المادية وقليلا من النقوط وهو مبلغ قليل من المال يتم رده فيما بعد في فرح من قدم هذا النقوط.والآن – والكلام لسالم عبد الفتاح ـ تحولت المسألة الي تجارة، وربح وتكلفة باهظة.. فقد زادت قيمة ما يدفع من مال علي سبيل المساعدة أو النقوط في الماضي من بضع جنيهات الي العشرات أو المئات، حتي أن البعض يقوم بعمل فرح ويكلفه ألفين أو ثلاثة ألاف جنيه فيجمع فيه عشرات الآلاف من الجنيهات يقوم باستخدامها في شراء سيارة أو بناء منزل وتأجيره أو فتح سوبر ماركت أو غير ذلك، ومن ريع هذه المشروعات يقوم بسداد هذه الأموال التي تعتبر قرضا شعبيا يقوم بتسديده علي مهل وبالتقسيط المريح.ويوضح سلامه ابراهيم من قرية بمركز البدرشين ان هذه الفكرة انتشرت في كل القري وأن فرقا أو أناسا متخصصين في كل بلد بنسبة معينة من المال يقومون بالترويج للأفراح في قراهم ويوزعون بطاقات الدعوة ويكونون مسؤولين عن جمع الأموال وايصالها الي صاحب الفرح ويكونون هم الوسطاء في قراهم حتي أن بعض المدعوين يذهبون ويشاركون في أفراح لا يعرفون أصحابها.لكن كيف يعرف صاحب الفرح ما عليه وما له من أموال؟ يقول بشير أبو النور ان المسألة في غاية البساطة حيث تحكمها كشوف تضم قائمتين قائمة الديون التي علي صاحب الفرح أن يجمعها ممن دفع لهم، وقائمة المبالغ التي عليه أن يدفعها لمن دفعها له، وفي الغالب يكون الدين أكثر لأنك ان دفعت مائة جنيه لصاحب الفرح فهو سيردها لك مائة وخمسين وبالتالي فهو يدينك بخمسين جنيها وما عليك الا أن تدفع له الخمسين جنيها وينتهي الأمر أو أن تدفع له أكثر من ذلك وتكون أنت الدائن.ولا يخلو الوضع هكذا من الاستغلال والمواقف الطريفة. يقول أحدهم ان شخصا شعر أن لديه آلاف الجنيهات عند أصحاب الأفراح فقرر أن يجمع هذه الأموال ورغم أنه ليس لديه أولاد الا أنه أعلن أنه سيقوم بختان نجله (المفترض) وجمع أمواله كاملة.شخص آخر قرر أن يزيد استثماراته في الأفراح فأجل عمل حفل ختان لابنه حتي بلغ السابعة وكان الوضع صعبا علي الطبيب الذي أجري عملية الختان، وعلي الطفل المسكين الذي كان قد أنهي الصف الأول لتوه بالمدرسة الابتدائية.مهن الهواء الطلقلا تندهش عندما تقوم بوضع سيارتك في المرآب في أحد شوارع القاهرة أو الاسكندرية علي سبيل المثال وأنت تجد شخصا يقترب منك ويعرض عليك مكانا ما لتركن فيه سيارتك، أو أن يمنعك من ذلك اذا لم تدفع المعلوم والمعلوم هنا هو ما تجود به نفسك لتعطيه للرجل بكل رضي أو وأنت تحت الضغط العصبي، هذه واحدة من عشرات المهن التي بدأت تدخل في قاموس العمل في مصر مثل مكاتب الهاتف والتليفونات الدولية والسمسرة في كل شيء، بل لا تندهش أكثر اذا كنت تسير علي كورنيش النيل بالقاهرة وأنت تجد شابا يقترب منك عارضا عليك بيع مرطبات أو حلوي، فالعديد من هؤلاء الشباب ما هم الا أصحاب مؤهلات عليا وبعضهم أطباء ومهندسون وجامعيون ضاقت بهم دنيا العمل ولم يستطيعوا أن يجدوا فرصة للعمل.من هؤلاء الشاب أحمد وهو متخرج من هندسة القاهرة قسم عمارة ولم يجد عملا جيدا يدر عليه ربحا يعوضه عن سنوات السهر الطويل والمذاكرة والأموال التي أنفقتها أسرته حتي أصبح مهندسا فلجأ لما يسميه بالأعمال الحرة، كذلك دخل مجال العمل علي سيارات التاكسي عدد ليس بالقليل من الجامعيين، وهل سمعت عن مديرات أو مدبرات منازل بالقاهرة الآن حاصلات عن درجات علمية كبيرة .. القائمة تطول والمهم ألا يطول هذا الوضع المتردي حتي لا يأكل الناس بعضهم بعضا.صحافي من مصر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية