الكتابة علي مفرق الطريق

حجم الخط
0

الكتابة علي مفرق الطريق

يوسف أبو ريةالكتابة علي مفرق الطريقالرواية الريفية تاريخ عريق وممتد، هي البداية، وقاعدة الانطلاق، ظلت تمنحنا مغامرات فنية هامة، عبر حقب طويلة، عبرت عن طموحات الاصلاحيين كما استوعبت طاقات أبناء القري الابداعية، في مستويات لغوية وتشكيلية، لا يمكن انكارها. كانت آخر تجلياتها بالنسبة لنا مع ابداعات العقد الستيني، فماذا نفعل نحن أبناء السبعينيات، مع المتغيرات الجذرية في كافة الأصعدة، كان هذا سؤالنا؟ أو بالأحري سؤالي الملح: كيف أحافظ علي حقيقتي؟ كيف أدرك خصوصيتي. خاصة حين نري الموروث الريفي صار مهدداً بالانقراض مع انفتاح اقتصادي شرس. كنت محظوظاً بل قل كنت معذباً بالوقوف في اللحظة الفارقة، عاش جيلي رحيل القري بملامحها الراسخة من زمن الفراعنة حتي منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، وعشنا العوالم الجديدة، بعاداتها، وسلوكياتها، وعماراتها، وتقاليدها.رأينا تبدل بيوت الطين الي بيوت الحجر، تنفي معها العدودة وأغنية الميلاد، وحكايات السمر الليلي لتوسع فضاءها لدراما التلفزيون وأغاني الفيديو كليب، ثم اتسع للقنوات الفضائية ومجالاتها غير المحدودة، مقترنة برحيل الفلاح عن أرضه لتضيق به الموانيء والمطارات في تغريبة هي الأولي من نوعها. فهل تستطيع القري وهي تلملم خيوط غسقها أن تحلق في ـ المستقبل ـ ابداعاً مغايراً يتوافق ووعيها الجديد؟ أم تراها ستظل متشبثة بتراثها، فلا تفلته؟ في مرحلة البداية كان اللجوء الي الريف هو تجذير للهويات الوطنية المطموسة، فبدأت روايات الرواد ـ علي عكس ما حدث في الغرب ـ ريفية، كما متح أبناء المدن الراحلون الي الريف بحكم الوظيفة من العوالم الريفية، ثم عادوا ليبحثوا عن الهوية الوطنية في الحارة الشعبية بعيداً عن مدن المسخ التي زرعها الغرب علي شاكلته في قلب العواصم. وفي محاولة لمزيد من التأصيل جاء أبناء الريف الي المدينة ليلتحقوا بجامعاتها وينهلوا من منابع ثقافتها المتعددة. كتبوا تحت تأثير الحنين للعالم الأول، عالم النشأة، وبتأثير من الأفكار الاشتراكية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، أعادوا النظر في مكوناتهم الثقافية ومصادر المعرفة التي يستمد منها الريف حكمته، وهي في الغالب مصادر شفاهية. مع كل هذه المراحل لم ينقطع الحوار مع ثقافات الغرب المتنوعة، تتبدل القناعات بتبدل الأوضاع الاجتماعية والسياسية. حاول الذاهبون الي الغرب وطلاب البعثات الدراسية التعرف علي ما يدور في الساحات الثقافية، خاصة (باريس) ولكنهم عجزوا عن استيعاب هذه الأطروحات الفنية المعقدة، فلجأوا الي العصور القديمة لاستلهام أنصع نماذجها، وعملوا علي تأليف سرديات غير مسبوقة في أدبهم، وان لم يتخلصوا تماماً من عبء الموروث. فظلوا أسري لثنائية لا فكاك منها. مع جيلنا انتقل مركز الثقل الابداعي الي مراكز أخري، كانت هامشاً في العصور الاستعمارية الطويلة. فرحنا نطالع أعمالاً ابداعية عظيمة، تقف علي نفس الخطوط الجغرافية التي تشكل عالمنا المعاصر، (أدب أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، واليابان… الخ) فانطلقنا الي عوالم رحبة، وأدركنا ان الخصوصية تقوم علي ساقين قويتين، (الوعي بالزمن، والتعمق في استيعاب المكان). ـ لك دنيا لم يعشها غيرك، فامسك بها، قلت هذا لنفسي وكانت القصة الأولي، والثانية، والثالثة. وانطلقت العين الناقدة تتحدث عن قصص القري والريف، تواطأت الي حين، ثم طال الصمت. وكان لا بد من كشف الحقيقة. ـ هل ما أكتب ينتمي الي الريف حقاً؟ ـ كيف وأنت ابن مدينة صغيرة تتجاوز الريف الي الحضر، وان لم تبلغ منتهاه؟ لست قروياً صرفاً، ولست حضرياً بالقدر الكافي. اذاً هناك عجز ما، فلتستدركه الرواية. في عطش الصبار روايتي الأولي، بدت ملامح المدينة الصغيرة، عمائر عالية، ومحطة للسكة الحديد، وسيارات تمشي علي ارض مسفلتة، ومقاه، وبنوك،…الخ. هنا صار النقد جديراً بأن ينسب اليك كتابة المدن الصغيرة، وهي قليلة، بل نادرة في أدبنا. والمدن الصغيرة تتسم بصراعات لا تتوفر لغيرها. علي أرض هذه المدن يتصارع المدني والريفي معاً، فكيف الامساك بجوهر الصراع؟ في الجزيرة البيضاء لجوء الي الوثيقة التاريخية بطريقة تهكمية ساخرة، فهذه المدينة لا تاريخ لها، فيصطنع لها الراوي تاريخاً خيالياً، مستخدماً وسائل المتخيل.في ليلة عُرس احتفاء بالبشر أكثر منه احتفاء بالمكان، وهل تُنتزع الجماعة البشرية عن مكانها؟ المكان ليس جغرافية جامدة، انه حياة الانسان المقيم بين تضاريسه. المكان هو موروث المحكي، شفاهة، وكتابة. هو الذاكرة، والتاريخ.ولأننا كجيل أدبي جئنا في اتجاه معاكس، معاكس لكل مكوناتنا العقلية والوجدانية، من التوجه القومي الي التقوقع في الذات الوطنية، من الصراع مع العدو الصهيوني الي الصلح معه، من الانتماء الي الطبقات الشعبية (ووحدة الشعب العامل) الي اقتصاد السوق، وسيطرة رجال الأعمال. .استمسكنا بطفولتنا، فهي جدارنا الأخير. هل هي نكوص اجتماعي وسياسي أثّر علي الذات المبدعة؟ هل هي ردة فنية لها أسبابها المتجذرة في الواقع المتحول؟ أسئلة كثيرة واجتهادات عدة، تحدد الظاهرة ولا تفسرها، سيطرة الرؤية الطفيلية علي ابداعات أكثر أبناء جيلي، برز هذا في الأعمال الأولي تحديداً، ثم توارت تدريجياً في الأعمال الأخيرة، هل يرجع السبب في اكتساب الخبرة، أو الخنوع للأمر الواقع؟ صحيح أننا لم نتوقف كثيراً عند الذاكرة الفردية المحددة فقد اتسعت الدائرة لتشمل الذاكرة الجمعية. في عاشق الحي روايتي الأخيرة، عودة الي الأسطورة الفرعونية، احياء للآلهة القطة يوباست، التي عبدها أهل الاقليم الذي انتمي اليه، جاءت متلبسة جسد عاشق مغدور لتستعيد المحبوبة من زوج لا تميل اليه، والرواية هي رحلة هذا الزوج في البحث عن الزوجة المخطوفة، فماذا يمثل هذا القط في زماننا؟ هذا هو سؤال الرواية. لا انفصام اذن بين العام والخاص، الجمعي والفردي، الفاعلية الجدلية فيما بينهما تمكّن الكاتب الخلاق من كتابة العام عبر الخاص. وذاكرة الرواية هي ذاكرة الجماعة البشرية، الرواية احياء للمكان والزمان عبر ذات فردية ساردة، ولهذا يظل النص الروائي مؤثراً بما يحمله من الدفق الحي للموروث الممتد في الزمان والمكان. في تل الهوي رصد لنهاية المرحلة الناصرية عبر التماهي مع اليوم الأخير لبطل الرواية الذي يعثر صباحاً علي لقيط يحمل علي بطنه كتابة غامضة، هي رسالة من الآخر الذي يتهيأ للغزو من جديد، وفي آخر النهار يعثر علي طفل آخر مرسوم علي بطنه خريطة لمصر، تسقط عليها الأسهم من الشمال ومن الشرق. التحلل الأخلاقي ـ الجنس تحديدا ـ تجسّد في العثور علي لقطاء هم اشارة علي تحلل عام، والي وطن يتآكل لأنه ارتضي الهزيمة، جاء السرد في هذه الرواية بسيطاً ينزع الي حس أسطوري وخرافي متضافر مع واقعية تتجاوز نفسها، وتتفوق علي الفانتازي في آن، فهذا اللقيط الذي تم العثور عليه صباحاً ينمو فجأة، وتبرز له أسنان حادة يلتهم حليب نساء القرية، ويأتي بأفعال لا يمكن قبولها الا بمعرفة نبوية. قدرنا أن يشار الينا كآخر الأجيال القابضة علي الجذوات الحية للعوالم القديمة، العوالم التي ثبتناها في جدارية روائية، تنهل من المنجزات الفنية الحديثة، لا تنغلق عن نوافذها، مسام مفتوحة لأنصع النصوص الروائية المغامرة، ومتشربة لموروث قديم، لم يزل حياً ومزدهراً لا تجف روافده أبداً.روائي وقاص من مصر، وهذه الشهادة في مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية في الرقة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية