يعقوب أحيمئيرغرست بي الايام الأخيرة الشعور بأنني لست مواطن الدولة، ولا حتى دولة قوية، قوة عظمى مصغرة، بل أحد سكان بلدة. أجل، أجل بلدة. بلدة، مع جميع السياقات المعتادة لهذا المصطلح. واذا ترجمت كلمة ‘بلدة’ الى لغة الايديش وكتبت مكانها ‘شتاعطيل’، فلن تكون حاجة الى الإكثار من الكلام.
ولماذا هذا الشعور بـ ‘البلدة’؟ السبب بسيط وهو أن الصحافي توم فريدمان كتب مقالة في صحيفته ذات الشأن ‘نيويورك تايمز’، جلد فيها في الأساس اسرائيل عقب عدم إطالة أمد تجميد البناء في يهودا والسامرة أكثر من مدة عشرة اشهر. كتب فريدمان أن اسرائيل تسلك سلوك ولد مُدلل، ولا يُجازي هذا الذي دلّلته الولايات المتحدة، وغمرته بالوسائل القتالية كثيرا، المحسنين اليه. طُبع عمود فريدمان الصحافي في الاسبوع الماضي ومنذ ذلك الحين والبلدة في ضجيج. أجل إن فريدمان صحافي مهم يكتب في صحيفة مهمة قد تكون الأهم في العالم. ولا ينبغي الاستخفاف بكليهما: فقد جعلت كتابة فريدمان إياه يحظى بثلاث جوائز بوليتسر التي تُمنح في جملة ما تُمنح بسبب كتابة صحافية فاخرة، بسبب كتابة تفكيرية وكتابة ذات طابع تحقيقي معا. يكفي الفوز بجائزة ‘بوليتسر’ واحدة، لا بثلاث ليكون ذلك سببا جيدا جدا للشعور بالفخر.
لكن الصحافة عندنا قد انقضّت (في فرح) بسبب وعظه اسرائيل وكأن فريدمان نزل من ناطحة السحاب في نيويورك وفي يديه ألواح العهد، المعذرة، عموده الصحافي، في الاسبوع الماضي. وأُريد ردّ ٌ، لأن مقالة فريدمان تلك قد عبّرت بحسب التخمين عن رأي الرئيس اوباما.
قال فريدمان في مقابلة صحافية مع القناة الثانية انه لا يعلم ما الذي يعتقده اوباما في مقالته. لكن عددا من الصحافيين في اسرائيل خرجوا عن طورهم وعن برود أعصابهم، وتأثروا مهتزين مرتجفين بقراءة كلام فريدمان والسبب الرئيسي لذلك أنه عبّر عن مواقفهم السياسية. هذا حقه وحقهم.
لكن ما معنى هذه القرقرة كلها حول فريدمان؟ فحتى في الولايات المتحدة سأل المحللون اسئلة صائبة لم يسألها صحافيون في اسرائيل البتة. مثلا، هل اسرائيل وحدها تتحمل ذنب جمود التفاوض مع الفلسطينيين؟ وتساءل جاكسون ديهل، المحلل في صحيفة ‘واشنطن بوست’ (وليست صحيفة يمينية معاذ الله): أربما يكون اوباما، باصراره على موضوع المستوطنات، هو الذي انشأ عقبة لا يمكن تجاوزها أمام مسيرة السلام؟.
انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان، ومن قطاع غزة، وجمدت البناء في يهودا والسامرة عشرة اشهر، فماذا فعل الفلسطينيون؟ أربما يتحمل اوباما ايضا مسؤولية ما عن الجمود؟ يحظى فريدمان بمكانة عليا في اسرائيل: بسبب اشمئزازه من نتنياهو، وبسبب فصاحة التعبير، وهي صفة مطلوبة للظهور في التلفاز. لكن فريدمان صحافي ‘في الحاصل العام’. صحافي مهم، لكنه صحافي. لا يقرر هو السياسات. لكنه في عالم الاعلام اليوم، يوجد عدد لا يكتفون بالعمل الصحافي التقليدي القديم. يتنكر عدد من المحللين بلباس مُتولي مناصب أكبر منهم قليلا: متخذي قرارات، بحسب ادعائهم. ألم يوجد في حرب لبنان الثانية من أشاروا على القادة والضباط أين وكيف تُحرك الطوابير العسكرية؟ لم يكتفوا بالابلاغ أو بتحليل الاجراءات وهو العمل التقليدي الذي أخذ يُنسى قليلا للصحافي. ويُخيل إلي أن صورة فريدمان المهنية قد بُنيت على هذا النحو في اسرائيل ايضا: بحسب روح مقالته يفترض أن تقود حكومة اسرائيل. لا ينبغي التفكير والاعتراض. يقرقرون حوله. بالغنا شيئا ما.
اسرائيل اليوم 25/10/2010