«في غرفة العنكبوت» رواية محمد عبد النبي: تضاد الكتابة والكشف عن المقموع في تقنية السرد السيرذاتي

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

في رواية الكاتب المصري محمد عبد النبي «في غرفة العنكبوت» الصادرة عام 2017 والتي سبق ان وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العالمية بنسختها العربية، تتجلى الكتابة اليومية في دفتر المذكرات من قبل الشخصية الرئيسة باعتبارها فعل تبئير يشتغل على طاقة التمرد لتشكيل الذات وانتشالها من بين أنقاضها، كما تجيء باعتبارها شهادة إثبات بصوت عالي ومجروح دون حواجز، لفضح عالم مكبوت تواطأت على استمراره سلطات مختلفة، متسترة خلف طبقات كثيفة من عادات وتقاليد اجتماعية ومحرمات دينية.
فالكلمات هنا، في بنية السرد تستعيد كثافتها وهي تستبطن الوقائع واليوميات بقوة انزياحها من حالة البوح الذاتي إلى ما يشبه صرخة في ميدان عام في مواجه ماضي يلاحق الإنسان.
الشاب الأربعيني هاني محفوظ يفقد القدرة على النطق بعد خروجه من تجربة قاسية في السجن استغرقت سبعة أشهر، فيستعيض عن صوته بالكتابة على صفحات دفتر مذكرات. من هنا ينطلق صوت السارد العليم، بصيغة ضمير المتكلم، في كشف المستور والبحث عن ذاته وسط خليط من وجوه وعلاقات وأحداث عاشها، وبتشجيع من طبيبه النفسي الدكتور سميح: «كلما شَعَرتَ بالاختناق اكتُب، احكِ ما حدث على الورق، ولو لنفسك، اغسل نفسك مما لوثتها هناك». واللحظة التي تم فيها القبض عليه مع عبد العزيز من قبل الشرطة لم تفارقه أبدا: «أذكر الآن جيدا كيف بدأ هذا الكابوس، كنت عائدا مع عبد العزيز من شقته في قصر العيني، سائرين في حالة صفاء نادر». يستذكر في يومياته أول تجربة جنسية عاشها وهو طفل صغير، وكانت مع العامل رأفت الذي يعمل «مقصدار» في ورشة للخياطة إلى جانب ورشة والده احمد محفوظ، فيكتشف ميله العاطفي إلى الرجال.
أمام قسوة الواقع يتخلى هاني محفوظ عن هشاشته، والتي سبق ان عانى منها طيلة حياته قبل ان يواجه تجربة السجن، فيعلن تمرده عليها في مذكراته، وعلى كل ما يواجهه من احتقار في العالم الخارجي، بخط واضح وصريح، ما أن يبدأ عملية التدوين بعد مضي عشرة أيام على خروجه من السجن: «كلما تقدمتُ في الكتابة تتسع هذه الغرفة الصغيرة وتتراجع جدرانها، مبتعدة حتى تختفي تماما، وتبقى صفحات الدفتر أمامي هي المكان الوحيد الحاضر».
تقنية المذكرات كانت بمثابة مبضع حاد سعى المؤلف من خلاله إلى ان يفتح جروحا متقيحة في ذات الشخصية الرئيسية الساردة، يقف خلفها مجتمع لا يمتلك جرأة مواجهة ما يعانيه من علل وقضايا شائكة تتعدى مسائل الفقر والبطالة والحرمان إلى ما يعانيه الفرد من احساس بالقهر والاحتقار والاذلال من قبل السلطة بكافة أشكالها ورموزها، فالكتابة بهذا السياق تحولت إلى مواجهة ساخنة وحاسمة مع النفس ومع سلطة الآخر، ممثلة بالماضي والمجتمع والدين والأعراف والقوانين والقضاء والأجهزة الأمنية الحكومية، فكل هذه المؤسسات تمارس عنفا مفرطا ضد المواطن إلى ان تثبت براءته، سواء كان مثليا أو إنسانا طبيعيا لا يعاني من أي سلوك منحرف. والمذكرات لم تعد مجرد سرد لسيرة ذاتية حافلة بالقصص والأحداث والشخصيات بقدر ما كانت من وجهة نظر الصوت السارد: «رحلة عكسية باتجاه الماضي، وصولا إلى الآن، ربما أعرف من أنا، واين أنا، وماذا أريد».
هنا يتحول التدوين إلى تمرين مضاد ومضني لكشف الجوانب المعتمة في بنية حيوات إنسانية تتحرك في مجتمع ملغم بمشاعر الانفصام النفسي اعتاد ان يغطي عيوبه وسقطاته ومشكلاته بتنميطات بلاغية لها سلطة أقرب ما تكون إلى القداسة، وهو بذلك يبيح لأجهزته ومؤسساته ان تمارس كل أساليب القسوة على الفرد دون ان يكون في ذلك انتهاكا صارخا لحريته وكرامته الآدمية، سواء كانت القسوة موجهة ضد مجموعة من البشر وجدت نفسها دون ارادتها في خانة الشاذين (خَلقِيَّاً) أو موجهة ضد الأغلبية من الأسوياء.
اذن تتناول الرواية في موضوعتها المحورية قضية (المثليين) الذين بات يشكل وجودهم مسألة في غاية الحساسية داخل المجتمعات الشرقية، وخاصة المجتمعات العربية والإسلامية، لأنها تنكر وجودهم، مع انهم موجودون دائما وهذا ما دفع المؤلف إلى ان يستبق سرد أحداث روايته بمقطع جاء بعنوان (ما العشق؟) استله من كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار، وفي حقيقة الأمر يشكل المثليون مجتمعا آخر يعيش حياته في الخفاء، ولأفراده لغة ايحائية يتفاهمون بها فيما بينهم دون ان ينطقوا كلمة واحدة، وغالبا ما يلتقي الغرباء منهم دون موعد مسبق، وكأنهم يعرفون بعضهم عبر رائحة خاصة، أو اشارات غامضة تصدر عن أعينهم وأجسادهم.
يمنح المؤلف سلطة مفتوحة للتخييل من خلال تقنية المذكرات الذاتية أثناء استعادة هاني محفوظ ماضي الشخصيات والأحداث التي عرفها، لتنطلق مخيلته في بناء تلك العوالم وفقا لمنطق افتراضي وفق ما ينبغي ان تكون عليه الوقائع والشخصيات، وعلى ذلك يتم استعادة الماضي حسب ما تتصوره الذات الساردة للأحداث، فالحقيقة اذن ستبقى نسبية ولا سبيل إلى ان تكون مطلقة، على عكس ما يؤمن به المجتمع في ان المثليين أناس منحرفين أخلاقيا وينبغي التعامل معهم بعنف، لانهم يشكلون خطرا على أمن المجتمع من الناحية الأخلاقية، ولا فرق بينهم وبين الجماعات الدينية المتطرفة التي تهدف إلى إشاعة الإرهاب، وهنا نجد المؤلف كما لو انه يعلن موقفه من هذه الشريحة ليس باعتبارها تعيش حالة خاصة بل باعتبار ما تعانيه جزءا مما يعانيه عموم المجتمع من استلاب لوجوده وغياب لحريته: «لا حق لنا بشيء، نحن مجرد أشياء، بالنسبة لأنفسنا ولأهلنا والحكومة وللجميع، لسنا أحرارا ان نفعل بتلك الأجساد ما نشاء، اننا في النهاية ملك لهم».

المثليون والأقليات

في أدبيات المجتمع الدولي وبعد شيوع مفهوم العولمة مطلع تسعينيات القرن الماضي بات موضوع الأقليات يشكل قضية محورية في اجنداته التي يضغط بها على المجتمعات والدول والأنظمة السياسية في العالم الثالث تحت عنوان الدفاع عن الحريات المقموعة، وهذا العنوان فضفاض جدا بالشكل الذي يمكن ان تمرر من خلاله أجندات مشبوهة تصل إلى حد تدمير المجتمعات وتحويل مكوناتها إلى شظايا تحرق وتقتل بعضها كما يحصل اليوم في المنطقة العربية. واليوم يتعدى مصطلح الأقليات في محتواه المعنى الديني والعرقي والقومي ليشمل معهم (المثليين) فأصبحوا في مقدمة قضايا الدفاع عن الحريات التي تتصدر اهتمامات المنظمات الدولية الغربية، وماعاد سرا بين أوساط الإعلاميين والمثقفين والفنانين ان الوصول إلى المهرجانات والجوائز الدولية من السهولة بمكان ان يتحقق إذا ما تم تناول موضوعة الأقليات والمثليين. وفق هذا السياق كان أمرا منطقيا ان يتم التطرق إلى قضية اليهود المصريين في هذه الرواية خاصة بعد مجيء عبد الناصر إلى الحكم في مطلع خمسينيات القرن الماضي وذلك من خلال شخصية «بيبا» المرأة اليهودية صاحبة دار الأزياء التي تحتوي بعطفها وحنانها الشاب محمد محفوظ (جد الشخصية الرئيسة هاني محفوظ) الذي لم يزل في العشرينيات من عمره عندما يصل إلى القاهرة هاربا من عائلته الكبيرة بحثا عن أحلامه في ان يكون ممثلا في فرقة نجيب الريحاني والتي يفشل في تحقيقها، فتلتقطه «بيبا» التي تكبره بعدة أعوام ليزيح بشبابه وفتوته ما تعانيه من شعور بالوحدة، إلا انها وبعد ان تجد نفسها قد دخلت مرحلة متقدمة من العمر تقرر ان تزوجه من «سكينة» فتاة التطريز التي تعمل عندها في أتيليه الخياطة، فتستأجر لهما شقة وتؤثثها لينجبا ولدهما احمد، الذي يحلم هو الآخر بالعمل في السينما بعد ان يصبح شابا فيفشل مثل والده، فيقرر الزواج من بدرية التي تعمل ممثلة كومبارس في أفلام المقاولات التي كانت سائدة خلال فترة الثمانينيات والتي سبق ان هربت مع اختها حسنيّة من منطقة المغربلين إلى القاهرة، فتتوقف بدرية عن التمثيل ما ان تتزوج إلاّ انها تعود إلى التمثيل مرة أخرى بعد موت زوجها، بفضل شقيقتها حسنيّة التي أصبحت مطربة وعلا نجمها وهجرت ملاهي الدرجة الثالثة وسجلت أكثر من أغنية للإذاعة.
الرواية تتحدث عن محنة الأقليات وليس عن شريحة المثليين فقط، فشخصية «بيبا» اليهودية كانت تشير إلى ما تعرض له اليهود من حملات دعائية استهدفتهم فاضطر الكثير منهم إلى الهجرة من مصر، إلا ان «بيبا» ترفض المغادرة وتقرر تسجيل الأتيليه باسم محمد محفوظ، الملقب «ميدا» لتسلم الروح بعد شهور معدودة .
جاء عنوان الرواية ليأخذ معناه المجازي من هشاشة المنظومة القيمية التي ينسجها المجتمع حول نفسه ليشعرمن خلالها بالقوة والأمان والاطمئنان، والتي تشبه في حقيقتها هشاشة خيوط بيت العنكبوت «عنكبوتي الصغير التقيت به يوم خروجي من السجن في هذه الغرفة ذاتها قبل أسابيع، أخذ يتسلق أصابعي ببساطة ومودة ودون خوف، كأنه يوقف يدي، ويحاول منعي، ويهمس لي بان أهدا وأفكر مرة أخرى، تراجعت وظللت أرنو إليه يسعى فوق رسغي وكفي، ثم عدت للكتابة وأنا أتخيل نفسي عنكبوتا أخرس ينسج من حوله بيته الواهن عسى ألا يضيع».

محمد عبد النبي: «في غرفة العنكبوت»
دار العين، القاهرة 2017
348 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية