بعد انتخابات برلمان الإقليم قراءة في المشهد الكردي

صادق الطائي
حجم الخط
0

حدثان مهمان ‏تزامنا في كردستان العراق، حدثان ألقيا حجرا في بركة المشهد السياسي الكردستاني الراكدة منذ فشل استفتاء الانفصال في أيلول/سبتمبر من العام الماضي. الأول هو صفقات اتفاقات تسمية مرشحي الرئاسات الثلاث، وما شابها من تمريرات متفق عليها من جهة، وصراعات أججت الأزمات من جهة أخرى. وبما ان رئاسة جمهورية العراق باتت من حصة الأكراد عرفا، فقد شهد المنصب تنافسا بين الحزبين الكرديين الكبيرين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني لأول مرة منذ 2006. أما الحدث الثاني فكان انتخابات برلمان الإقليم التي أجلت أكثر من مرة، كما شهدت الحياة البرلمانية في الإقليم شللا امتد لعامين مع تعليق عمل البرلمان السابق، وأخيرا جرت الانتخابات البرلمانية في 30 أيلول/سبتمبر الماضي، وجاءت نتائجها على وقع اتهامات بالتزور والتلاعب تبادلتها كل الأحزاب والتيارات في الإقليم بعيد إغلاق الصناديق مباشرة وحتى قبل ان تعلن النتائج.

معطيات ونتائج

في إقليم كردستان هناك أكثر من 3 ملايين ناخب يحق لهم التصويت‎، و1200 مركز انتخابي في محافظات الإقليم، ‎وقد بلغ عدد المحطات المؤهلة لاستقبال الناخبين 5933 محطة تصويت، وتنافس في الانتخابات الأخيرة أكثر من 700 مرشح ينتمون لـ ‏29 كيانا سياسيا‏ تنافسوا على 100 مقعد هي مقاعد برلمان الإقليم يضاف لها 11 مقعدا لكوتا الأقليات في الإقليم.
لم تشترك في هذه الانتخابات المناطق التي توصف بـ «المتنازع عليها» وأهمها محافظة كركوك، ومدن سهل نينوى بالإضافة إلى خانقين ومندلي في محافظة ديالى، وذلك لأن هذه المناطق كانت قد شهدت إعادة انتشار القوات المسلحة العراقية منذ عام تقريبا، تحديدا بعد فشل استفتاء انفصال إقليم كردستان العراق الذي تم في 25 أيلول/سبتمبر 2017، فقد انسحبت قوات البيشمركه الكردية من هذه المناطق لتدخلها قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي وفق اتفاق لفه الكثير من الغموض والعديد من الاتهامات المتبادلة بين رموز وقيادات الحزبين الكرديين الكبيرين.
ضمن تغطية الانتخابات البرلمانية لإقليم كردستان العراق كتب عدد من الصحافيين الكرد، وكانت تغطية الصحافي سامان نوح، من بين هذه التغطيات، إذ ذكر على صفحته على فيسبوك: «بلغت نسبة المشاركة الرسمية في انتخابات برلمان إقليم كردستان نحو 57 في المئة، لكنها وفق مراقبين لم ‏تتجاوز الـ50 في المئة. كما أثارت نسبة المشاركة في السليمانية الكثير من الشكوك كونها ارتفعت من 9 في المئة في ‏منتصف النهار إلى 54 في المئة في نهايته».
لم يحقق الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يقود الإقليم ويمسك بغالبية مفاصل القرار السياسي والأمني ‏والاقتصادي فيه، ما كان يتطلع إليه من أغلبية في برلمان الإقليم تؤهله لتشكيل حكومة أغلبية، فقد حصل على 44 مقعدا. ‏بينما كانت نتائج الاتحاد الوطني أسوأ من ذلك والذي كان يتطلع للحصول على 30 مقعدا بينما لم يحصل إلا على 22. وكشفت نسب المشاركة المنخفضة مقارنة بالانتخابات البرلمانية السابقة (كانت تسجل نسب تتجاوز ‏الـ75 في المئة) تراجعا في ثقة الناخبين في أحزاب السلطة والمعارضة على حد سواء، وفي امكانية تحقيق التغيير ‏من خلال الانتخابات.
أما أحزاب المعارضة الصغيرة وحسب المعطيات، فيمكن إجمالها بالتراجع الذي أصاب حركة «التغيير» التي هبطت مقاعدها ‏بنسبة لافتة وذلك ما حصل لحلفائها من القوى الإسلامية أيضا، في مقابل مكاسب حققتها الحركة السياسية التي دخلت المعترك السياسي الكردستاني حديثا، وهي حركة «الجيل الجديد» التي يتزعمها رجل الأعمال الليبرالي شاسوار عبد الواحد، ففي أول مشاركة انتخابية لهذه الحركة حققت نجاحا ملحوظا بما حصلت عليه من مقاعد انتزعتها من حركة التغيير والاتحاد الوطني، لكن بعيد الانتخابات مباشرة أعلن رئيس حراك الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد، مقاطعة قائمته للدورة الخامسة ‏لبرلمان كردستان «احتجاجا علی التزوير الذي شاب الانتخابات الأخيرة»، وأضاف في مؤتمر صحافي ‏انه «في حال بقاء النتائج على حالها فإن حراك الجيل الجديد لن يشارك في الدورة الخامسة لبرلمان ‏كردستان».

رئيس غير متفق عليه

من جانب آخر شهدت بغداد في الأسابيع السابقة حراكا محموما لإتمام اتفاقات تسمية مرشحي الرئاسات الثلاث، فبعد مخاض انتخابات البرلمان الاتحادي في العراق في أيار/مايو الماضي، شنت الكثير من القوى المشاركة في العملية السياسية حربا ضروس من الاتهامات بحق شركائهم، وكانت المحصلة النهائية ولادة ائتلافات هلامية رجراجة تضم داخلها ائتلافات غير منسجمة وتشهد حالة من السيولة لم يعرف المشهد السياسي العراقي لها مثيلا، فأصبحنا أمام تحالف البناء الذي يضم (المالكي- العامري- الخنجر) والذي يوصف بانه قريب من إيران، يقف إزاءه تحالف الإصلاح (الصدر- العبادي) الذي يوصف بانه قريب من الولايات المتحدة، بينما وقف الأكراد خارج التحالفين في انتظار الحصول على أفضل العروض للاشتراك في عملية تسمية الرئاسات وتشكيل الحكومة الاتحادية.
وقد كسرت أولى الحواجز عبر انتخاب رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي وهو سياسي سني من ائتلاف المحور الوطني الذي يقوده خميس الخنجر، والذي انضوى تحت تحالف البناء، وقد صوتت القائمتان الكرديتان (الاتحاد والديمقراطي) لهذا المرشح، وبات من المتوقع حينها ان يتم الاتفاق داخليا بين القائمتين الكرديتين لتسمية مرشحهم لرئاسة الجمهورية، لكن صراعا حادا نشب بين الاتحاد الوطني الذي يعتبر رئاسة الجمهورية حقه الذي حصل عليه منذ 2006 مقابل تنازله للديمقراطي عن رئاسة الإقليم، لكن الحزب الديمقراطي من طرفه له وجهة نظر مختلفة، ويرى ان الحال لم يعد على ما كان عليه، فقد علقت رئاسة الإقليم بعد تنحي مسعود بارزاني عن المنصب الذي بقي مسيطرا عليه على مدى 12 سنة حتى تم تعليقه بعد فشل الاستفتاء العام الماضي، وبالتالي لم يعد في ظل التوتر بين الحزبين اليوم أي اتفاق واضح على توزيع المناصب سواء الاتحادية أو في حكومة الإقليم.
ونجح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وبضغوط أمريكية أدارها بريت ماكغورك، الموفد الأمريكي في العراق من جهة والضغوط الإيرانية من جهة أخرى، في لملمة بعض التشظي الذي أصابه مؤخرا، فقد دعا السياسي الكردي البارز برهم صالح، الذي كان قد انشق منذ عام عن حزب الاتحاد وأسس حركته السياسية «الديمقراطية والعدالة» للعودة إلى حزبه القديم مقابل ترشيحه رسميا لمنصب رئاسة الجمهورية، وهذا ما تم فعلا.
في المقابل رشح الحزب الديمقراطي سياسيا من الصف الثاني من قياداته، وهو فؤاد حسين الذي شغل منصب رئيس ديوان رئاسة الإقليم، الذي وصفه بعض المتندرين بالقول، ان مسعود بارزاني قد أرسل سكرتيره لتولي رئاسة جمهورية العراق، احتقارا لبغداد أولا، وامعانا في اذلال غرمائه من الاتحاديين ثانيا، لان فؤاد حسين كان عضوا في الاتحاد الوطني ثم انشق عن حزبه القديم وانتمى للحزب الديمقراطي الكردستاني.
بعد ازدياد حدة التوتر بين الطرفين ومحاولة عدد من الساسة العرب إيجاد مخرج للموضوع، فاز مرشح الاتحاد الوطني برهم صالح، على منافسه الديمقراطي فؤاد حسين، الذي أعلن حزبه انسحابه من التنافس، لكن رئاسة البرلمان رفضت هذا الانسحاب لأنه جاء متأخرا بعد ان بدأ التصويت، مما حدى بالحزب الديمقراطي الكردستاني لإصدار بيان صحافي شديد اللهجة ‏جاء على لسان زعيم الحزب مسعود بارزاني قال فيه «ان ما يجري الآن لاختيار رئيس جمهورية العراق ‏مخالف للأعراف المتبعة في انتخاب رئيس الجمهورية في الدورات السابقة، فكان ينبغي أن يتم اختيار ‏مرشح كردي من أكبر كتلة أو أن تحسم الكتل الكردية الأمر فيما بينها‎». ‎

الاتجاه نحو الادارتين

التوتر الذي أصاب الحياة السياسية في إقليم كردستان نتيجة انتخابات برلمان الإقليم وأزمة اختيار رئيس الجمهورية سينعكس على واقع الإقليم الذي يعاني أزمة ثقة بين الشركاء السياسيين من جهة، وأزمة ثقة أكبر من جانب المواطن الكردستاني تجاه أحزاب السلطة والمعارضة معا. وبالتأكيد سيكون لذلك انعكاس على حال الإقليم سيدفع به تجاه حل الإدارتين، حيث يسيطر الاتحاد الوطني على محافظتي السليمانية وحلبجة مقابل سيطرة الديمقراطي الكردستاني على محافظتي دهوك وأربيل. كما ان التخوف الأكبر يكمن في إزدياد التوتر بين الجانبين خصوصا مع الانشقاق الواضح بين القوات المسلحة وقوى الأمن الخاضعة للطرفين، لكن لا أحد يتوقع الوصول إلى حدود ما حصل في أزمة الاقتتال التي شهدها الإقليم عام 1996 لأن الشركاء العراقيين لن يسمحوا بذلك كما ان الولايات المتحدة والقوى الإقليمية لن يدعوا الأمور تصل إلى حد الاقتتال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية