تداعيات التنافس الكردي على رئاسة العراق

أمير المفرجي
حجم الخط
0

لا يخفى على أحد ان القضية الكردية في العراق شهدت تحولا ملحوظا بافتقادها للنزعة الانفصالية، عندما تم إشراك زعماء المكون الكردي في عملية اقتسام الكعكة العراقية، نتيجة لنظام المحاصصة الذي أعطى للكرد في العراق، حق الحصول على منصب رئيس الجمهورية. حيث أبدل هذا التحول السياسي المسار الانفصالي على أرض الواقع، إلى حالة صراع كردي ـ كردي على مناصب السلطة في إقليم كردستان والعراق على حد سواء، إلى درجة بات يُغير معالم رؤية زعماء إقليم كردستان للدولة العراقية، ورؤية الدولة العراقية للزعماء الأكراد.
وقد كان للتأثير الدولي والإقليمي في إعادة صياغة شكل الدول العراقية وطبيعة تبعية قادتها للقوى المؤثرة في العراق وإقليم كردستان، الدور الكبير في تحول المسار الانفصالي المشترك، الذي يجمع الأحزاب الكردية، إلى صراع فئوي على السلطة في إقليم كردستان والعراق. فبالإضافة إلى التأثير الكبير والعواقب الوخيمة التي حلت على الإقليم جراء عملية الاستفتاء الفاشلة التي يتحملها الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتزعزع الكرد بثقة الزعيم الكردي مسعود بارزاني لقيادته الاستفتاء، إلا ان تعدد السلبيات في النظام السياسي الكردي وانقسامه وتبعية قادته للدول المؤثرة في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، جعل من الوصول إلى وحدة كردية قادرة على تمثيل إقليم كردستان وبالتالي التأثير داخل النظام السياسي العراقي، أمرا مستحيلاً.
من هنا ترجم فشل آلية الأحزاب الكردية للوصول إلى حالة من التوافق، للخروج بمرشح كردي واحد لرئاسة الدولة العراقية، عن حجم الانقسام الكردي، نتيجة إصرار المرشحين الكرديين على البقاء في قائمة المرشحين، ورفض أي منهما ترشيح الجانب الآخر، ومن ثم اضطرار رئاسة البرلمان العراقي إلى حسم عملية انتخاب منصب رئيس الجمهورية، عن طريق فسح المجال لتصويت عام لجميع الكُتل السياسية، بالاعتماد على أصوات ممثليها داخل البرلمان، وفقاً لما ينسجم مع الوصايا والإملاءات الأمريكية ـ الإيرانية التي باتت تشكل المرجعية السياسية العليا للنظام السياسي العراقي.
لا شك ان ارتباط الأحداث والتغيرات السياسية والجغرافية التي تم رسمها على خريطة العراق مع مستقبل إقليم «كردستان العراق» تحددها التداعيات والتغيرات التي ستفرزها حالة فشل أو نجاح العملية السياسية في العراق، وهذا ما يعطي لطبيعة هذا الارتباط نوعا من المفارقة والتناقض في العلاقة، بين إشكالية وحدة العراق، مع حالة الانقسام السياسي والجغرافي الكردي، اذا أخذنا بعين الاهتمام طبيعة الصراع العائلي المستمر بين أحزاب السليمانية وأربيل، وموقف المعارضة الكردية من أحزاب الوراثة العائلية في أربيل والسليمانية من جهة، والدور الكردي الموحد للتحضير لغزو العراق وتقسيمه إلى مناطق حظر للطيران ومن ثم احتلاله. حيث كان الإصرار الخارجي على تقسيم العراق الأثر على دفع الأحزاب الكردية إلى وقف الصراع الداخلي للوصول لإعلان دولة كردية مستقلة.
يبدو واضحا ان لدور الجيل الجديد من المعارضة الكردية في حملة سحب البساط من أحزاب الوراثة العائلية، التي قادها شاسوار عبد الواحد، في انتخابات برلمان كردستان الأخيرة، الأثر الآخر في زيادة تعقيد المشهد الكردي وإضعافه، على الرغم من فشل هذا الجيل السياسي الجديد من جمع الناخبين في مشاركة واسعة في الانتخابات، وتعهده بإحالة زعماء الوراثة الحاكمة بالإقليم للعدالة. حيث أثبتت هذه الحركات الجديدة عدم قدرتها على إحداث تغيير كبير في المشهد السياسي الكردي وبالتالي صعوبة الوصول إلى وحدة سياسية كردية، تضمن لإقليم كردستان العراق، وحدة القرار والتأثير، وبالتالي إبقاء النظام السياسي في إقليم كردستان في دائرة الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني، والتي لم تعد تؤثر فقط على إقليم كردستان، بل على طبيعة نظام المحاصصة العراقي، من خلال غياب دور توافقي كردي لاختيار رئيس للجمهورية.
فعلى الرغم من القدرة في السيطرة التي تتمتع بها عائلة بارزاني على إقليم كردستان العراق، وانفراده في تمثيل الإقليم، وفوزه في انتخابات برلمان إقليم كردستان، نتيجة الانقسامات التي أضعفت الاتحاد الوطني الكردستاني بعد وفاة جلال طالباني، بيد ان عدم قدرة المعارضة الكردية المتمثلة في حركة التغيير «كوران» والحركات المعارضة الأخرى على فرض وجودها على المشهد السياسي الكردي، قد أضعف المشهد الكردي وزاده ضعفا وتقسيما.
من هنا بات واضحا مدى حجم المفارقة التي ترتبط بالعملية السياسية بصورة عامة مع حالة الانقسام الكردي، بعد أن كشفت عملية انتخاب برهم صالح، لرئاسة الجمهورية، حجم الانقسامات التي تعصف بمنطقة الحكم الذاتي الكردية، وعجز القيادة الكردية في اختيار مرشحيها، نتيجة لاختلاف الزعامات وتبعيتها بأجندات الدول المؤثرة على مستقبل العراق. وهذا ما يجمع صفة التشابه في طبيعة هذا الإقليم مع حالة المشهد السياسي في بغـداد، نتيجة لتعدد الزعامات المتصارعة فيما بينها، واختلاف أهدافهم الحزبية على الرغم من الانسجام الكامل لهذه الأحزاب، مع نظام المحاصصة الذي يضمن لها الوصول لكرسي السلطة.
لهذا، عبرت عملية توافق الأحزاب العربية الشيعية والسنية في مجلس النواب العراقي، في انتخاب المرشح الكردي برهم صالح، عن انسجامها التام مع شكل وأسس نظام المحاصصة، وارتباط زعماءها بكلٍّ من أمريكا وإيران، واستمرارها على بقاء نظام المكونات، وإدامة العملية السياسية على الرغم من فشلها ووصولها إلى نفق مسدود بعد انتفاضة الشارع العراقي وتطور الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية.
في المقابل، أظهر غياب التوافق الكردي في اختيار رئيس للجمهورية في البرلمان العراقي، ونجاح عملية انتخاب برهم صالح، من قبل الأحزاب العراقية غير الكردية، عن مدى ارتباط إقليم كردستان السياسي والإداري مع أسس وآليات النظام المركزي في بغداد، على الرغم من محاولات التقسيم التي حولت النظام السياسي للدولة العراقية إلى نظام متعدد للمكونات يُسهل الوصول لآليات الانفصال، عبر إجراء استفتاء لم تعترف به الحكومة والدول المحيطة، وأدّى إلى انقسام الكرد أنفسهم وأضعف موقفهم مع حكومة بغداد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية