عمان ـ «القدس العربي»:
فوجئ بعض المشرفين على تنظيم ندوة خاصة ومغلقة في جامعة اليرموك الأردنية الأسبوع الماضي بعدم وجود جمهور لديه أي رغبة في المشاركة بالرغم من ان موضوع البحث يتعلق بمضامين الأوراق النقاشية الملكية التي تعتبر متقدمة جدا على الكثير من الطروحات عندما يتعلق الأمر بالإصلاح وهيبة القانون وحكم الدولة المدنية.
المشهد بدا لافتا جدا بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس الذين استعانوا بمحاورين من الخارج لإدارة نقاش لم يحضره أحد عمليا. عدد المهتمين بحضور الندوة كان أقل مما ينبغي وبكثير حتى بان المشهد وكأن المتحاورين مع مستضيفيهم يتناقشون فيما بينهم فقط. قد تكون تلك علامة فارقة على ما وصلت إليه آليات الحوار.
الفارق أكثر ان الحديث هنا عن جامعة حكومية، بمعنى يجد طلاب وأساتذة يفترض انهم مهتمون لكن ما قاله تنظيم هذه الحلقة النقاشية وحسب شاهد عيان في الواقع وعند الحفر في الأعماق ان طلاب الجامعة لم يظهروا اهتماما بأوراق تناقش مستقبلهم. وان الأساتذة أيضا – وتلك المفارقة الأكبر- لم يظهروا اهتماما بدورهم بتوجيه طلابهم إلى الحضور أو حتى بتكليفهم كما يحصل في بعض الندوات.
في المقابل يظهر هذا الفتور العام قدرا كبيرا من اليأس والإحباط خصوصا وان الجيل الشاب الجديد يفقد الرغبة فيما يفقد الجيل الأكبر الحماس أيضا للنقاش. والتفسير الأكاديمي الأعمق هنا له علاقة بالانتهاكات التي يتوقعها أفراد الطبقة الوسطى لحياتهم ومعيشتهم ودخولهم ورواتبهم بعد تطبيق قانون الضريبة الجديد. عليه يخشى حتى العلماء وأساتذة الجامعات وهم من أبرز مكونات الطبقة الوسطى تأثير التصعيد الضريبي وبالتالي يفقد الجميع عمليا الحماس لأي حوار ونقاش حتى في الملفات والموضوعات المهمة.
طبعا لا يمكن توجيه اللوم للموضوع نفسه فهو في غاية الأهمية والتقطه المجتمع المدني مبكرا وعقدت من أجله عشرات الندوات قبل سنوات. لكن الحكومات المتعاقبة لم تظهر اهتماما يذكر بتفعيل النقاش الوطني أو بوضع آليات لها علاقة بحوارات أوسع وأكثر تفصيلا مرتبطة بالنصوص المثيرة جدا والمهمة التي وردت في الأوراق النقاشية الملكية.
تقصير الحكومات هنا ملاحظة كان قد سجلها أمام «القدس العربي» سابقا رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، عندما اهتم وهو خارج القطاع العام بالتثقيف والتنوير تحت عنوان الأوراق المرجعية النقاشية قبل أن يثير بعض الموظفين الكبار تقولات وتسريبات على المحاولة.
في منطقة أخرى قريبة زمنيا أخفق الحوار بنسبة مئة في المئة مع خمس محافظات أردنية قررت الحكومة الحالية التحاور معها حول نصوص وموجبات ومتطلبات قانون الضريبة الجديد هذه الحوارات في الأطراف انتهى جزء منها قبل ان يبدأ وفي بعضها طولبت الشخصيات الوزارية الحاضرة بالمغادرة وفي ثلثها المتبقي لم يكتمل الحوار بسبب الضجيج والاعتراض والصوت المرتفع لأقلية من المواطنين تمتهن الحراك الشعبي.
خلاصة الاستنتاج الحكومي عندما أخفق حوار المحافظات على قانون الضريبة تقود إلى تكريس القناعة بان المواطن الأردني على الصعيد الاجتماعي العام لم يعد قابلا للحوار أو النقاش وعلى الصعيد النخبوي لم يعد مهتما بأي نقاش مع رموز السلطة.
يختصر وزراء سابقون الرسالة وهم يتحدثون عن إخفاقهم حتى في اجتماعاتهم المناطقية والعائلية والعشائرية في الدفاع عن وجهة النظر الرسمية أو تبرير موقف أو قرار تتخذه الدولة، فتلك أصبحت اليوم وللأسف مجازفة مكلفة حسب ملاحظة أعضاء في البرلمان.
مقابل صمت الأقلام وانحباس الأنفاس والامتناع عن الدفاع عن خيارات الدولة وقرارات الحكومة يرتفع بصخب الصوت العالي والفوضوي في كثير من الأحيان.
ومنذ تكرست أحداث الدوار الرابع الشهيرة وانتهت بإسقاط حكومة الرئيس هاني الملقي يبدو للجميع ان التحاور مع الناس والشارع يقترب من مستوى المهمة المستحيلة والمعقدة والصعبة جدا في أقل تقدير.
الشارع على الأرجح يريد اليوم قرارات وإجراءات وليس وعود أو نقاشات. وأقر وزير الإعلام الأسبق الدكتور محمد المومني لـ «القدس العربي» في وقت سابق بأن وسائل التأثير الكلاسيكية في الرأي العام لم تعد منتجة وبأن المواطن الأردني يريد قرارات. في مناطق أعمق بمستويات القرار يؤشر بعض الخبراء دوما على ان الشارع الأردني متطلب جدا ولحوح.
لكن الأكثر حساسية واحراجا اليوم هو ان الشارع وبعد الإقرار وبلسان رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز يواجه أزمة مصداقية مع الخطاب الرسمي يظهر بوضوح انه لم يعد مستعدا للإصغاء.
وفي سلسلة من الأحداث والوقائع ظهر ان النقاش بالنسبة للمزاج الشعبي نفسه مرفوض وان الناس جراء الاحتقان الاقتصادي وضعف ثقتهم في مؤسسات الحكومة والدولة بدأوا يميلون
إلى التقاط بث معارضين ومغامرين في الخارج يزعمون تمثيل الشعب الأردني بالإضافة إلى التقاط بث أصحاب الصوت المرتفع في الداخل فقط خصوصا أولئك الذين يرفعون السقف بالمسائل الشعبوية بصرف النظر عن أدلتها وقرائنها.
مايكرفون السلطة خارج نطاق الخدمة وذلك التحدي هو الأكبر اليوم لحكومة الرئيس الرزاز.