خلافاً لياسر عرفات، الذي كان في خطابه المشهور في تشرين الثاني 1974 في الجمعية العامة للأمم المتحدة يحمل مسدسًا على خصره، ولكنه عرض على إسرائيل غصن الزيتون، فإن بنيامين نتنياهو خطب في الأمم المتحدة وهو يمسك بإحدى يديه بالتهديد النووي الإيراني، وباليد الأخرى تهديد الصواريخ الدقيقة لحزب الله. خلافًا لهذا لم يكن لديه ما يعرضه.
يصعب التفكير بوجود زعيم آخر في تاريخ إسرائيل آمن بأنه، بالكلام الفارغ وبالصور الملونة، يستطيع أن يبعد عن إسرائيل الأخطار الحقيقية التي تواجهها. لم يكن أحد ممن سبق نتنياهو قادرًا على الخطابة مثله، ولكنهم جميعًا أدركوا بأنه وبالكلام فقط لن يخدموا الدولة ولا أمن مواطنيها. هذا الادعاء يسري على زعماء اليمين بالأساس: مناحم بيعن تنازل عن كل سيناء من أجل السلام مع مصر، إسحاق شامير بدأ بالمفاوضات مع الفلسطينيين في عملية مدريد، وأرئيل شارون انسحب من قطاع غزة وتخلى عن المستوطنات اليهودية التي بنتها حكومات المعراخ.
حتى وقت متأخر، عرضت إسرائيل سرًا، على جهات مختلفة في العالم، معلومات استخباراتية حساسة عن إيران ومصانع صواريخ حزب الله، من أجل دفعهم للعمل، وعلى حد علمنا فإنهم لم يعملوا. نتنياهو آمن بالتسويق كحل لكل شيء، لذا عرض المعلومات السرية في الأمم المتحدة، وماذا بعد؟ هل تتوقع قيام تظاهرات جماهيرية في نيويورك وباريس ومدريد دعمًا لمطالبه؟ من الواضح أن هذا لن يحصل، ذلك أنه وحسب رأيه ما زال يعيش في 1938، ويرون في المصالحة مع إيران أنها الطريقة لحل المشكلة.
كابن لمؤرخ، فعلى نتنياهو أن يعرف أننا لسنا في 1938، وأن إيران ليست هي ألمانيا النازية، وأن حروبًا كبيرة بين دول متطورة ظاهرة آخذة في الاختفاء، وأن إسرائيل، الدولة الأقوى في المنطقة، بعيدة من أن تكون وكأنها يهود أوروبا العزل عشية الكارثة. على نتنياهو أن يعرف أيضًا بأنه خلافًا للتهديدات الأمنية التي واجهتها إسرائيل طوال سنوات وجودها، فإنها اليوم، ليس لديها رد عسكري جيد على تهديدات مئات أو آلاف الصواريخ الثقيلة، جزء منها موجودة بيد حزب الله وموجه نحوها. أمام تهديد كهذا لم نقف في يومٍ ما في الماضي، ومن المعقول أن مئات الصواريخ في الحرب القادمة لن تصيب المنشآت الاستراتيجية لإسرائيل فحسب، بل ستتجاوزها إلى العديد من الأبراج السكنية في تل أبيب. «عقيدة الضاحية» تم وضعها في إسرائيل، ولكن حزب الله يستطيع أيضًا أن يطبقها تحت عنوان «عقيدة وزارة الدفاع».
كابن لمؤرخ وكمن عانى على جلده فظائع حرب يوم الغفران، فإن نتنياهو يتوجب عليه أن يعرف أمرًا آخر: خلافًا لما يدّعيه مؤرخون مبتذلون يدّعون بأن جولدا مئير وموشي ديّان لم يعدّوا الجيش الإسرائيلي للحرب في 1973، فإن أبحاثًا جدية تظهر أن إسرائيل استعدت جيدًا لتلك الحرب. فجوة القدرات العسكرية بينها وبين مصر وسوريا لم تزدد فقط منذ 1967، بل إن ردودًا عسكرية واضحة لهجوم العدو في القناة وهضبة الجولان أعدت مسبقًا، والقدرة العربية لضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي أقلقت بشكل خاص وزير الدفاع كانت تقريبًا معدومة. بكلمات أخرى في 1973 كان لإسرائيل رد عسكري جيد على تهديدات الحرب العربية. هذا الرد لم يتم تجسيده بسبب الفشل الاستخباراتي، وليس لأن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعدًا للحرب.
نتنياهو أيضًا يعرف بالتأكيد أنه نظرًا لأن جولدا قدّرت بأن لإسرائيل ردًا عسكريًا جيدًا على التهديدات العربية، فإنها لم توظف جهودًا كبيرة في تشجيع اتفاق سياسي كوسيلة لتحييد هذه التهديدات. ولكن ما كان منطقيًا في 1973 ليس منطقيًا اليوم. المستوى السياسي والمستوى العسكري يرون في صواريخ حزب الله تهديدًا هامًا، الذي على أبعد تقدير لدينا رد جزئي عليها. من شأن إسرائيل في الحرب القادمة أن تدفع الثمن الأثقل منذ 1948. صحيح أن حزب الله أيضًا سيدفع ثمنًا باهظًا، وربما أيضًا من أرسلوه وكذلك مؤيدوه في المنطقة، ولكن لن يكون في هذا قليل من العزاء.
نتنياهو خبير في الإرهاب، ولكن لديه فهم أيضًا في التفكير الاستراتيجي الذي تطور في فترة الحرب الباردة. في مركزه وقف مفهوم «توازن الرعب»، الذي ارتكز على القدرة النووية. صحيح أنه لا يوجد لحزب الله وفي هذه المرحلة أيضًا لإيران قدرة كهذه، ولكن في أعقاب التطورات التكنولوجية للعقود الأخيرة، فإن إنتاج الصواريخ أرخص وأسهل مما كان في الماضي، ويمكن تطوير مستوى دقتها بصورة سهلة نسبيًا. النتيجة العملية هي «توازن خوف» تقليدي: «ضاحية» مقابل «مقر وزارة الدفاع»، مطار الحريري مقابل مطار بن غوريون.
التاريخ يعلم أن الوسيلة لمواجهة ميزان الخوف تمرّ بالحوار، وببناء ثقة وبإيجاد حلول عملية للتهديدات العسكرية. مع كل الاحترام لبلاغة نتنياهو في الأمم المتحدة، من الواضح أن ثمة مصلحة لإسرائيل ولإيران وحزب الله لمنع مواجهة عسكرية تجبي منهم ثمنًا باهظًا جدًا، هذا الأمر أساس جيد لبداية عملية حوار. بدلامن دس إصبع آخر في وجه قيادة إيران، وبدلاً من تهديد حسن نصر الله «بضربة قاضية لا يستطيع تصورها» كان يجدر على رئيس الحكومة أن يفكر أكثر قليلاً عبر التاريخ، والذي تعلِّم أن الطريقة التي يعمل بها من شأنها أن تقوده إلى كارثة، لهذا يجدر به أن يبحث عن طرق بديلة.
أوري بار يوسف
هآرتس 7/10/2018