“واشنطن بوست”: جمال خاشقجي اختار قول الحقيقة فأحبه الناس

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي” ـ إبراهيم درويش: يرى المعلق الأمريكي المعروف ديفيد إغناطيوس أن السبب الذي جعل من الصحافي السعودي جمال خاشقجي محبوباً هو أنه اختار قول الحقيقة.
وجاء في مقالته في صحيفة “واشنطن بوست” أن الكاتب البريطاني الكبير جورج أورويل عنون عموداً صحافياً كتبه لصحيفة إنكليزية في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي بـ “كما أحب”، وكان يعني بهذا أنه يريد كتابة ما يعتقده بالضبط، و”زميلي السعودي جمال خاشقجي كان لديه العاطفة الملحة نفسها لكي يكتب الحقيقة عما يجري في بلاده، مهما كان الأمر”.
وأضاف أن مصيره بات مجهولاً ولكن زملاءه في “واشنطن بوست” وأصدقاءه حول العالم يعتقدون أنه قتل بعد زيارته قنصلية بلاده في اسطنبول الثلاثاء الماضي.
ويضيف إغناطيوس، أنه يعرف خاشقجي منذ 15 عاماً ويريد في هذه المساحة القصيرة أن يشرك القارئ ببعض الأسباب التي جعلته كاتباً وشخصية محبوبة في “مهنتنا” الصحيفة والصدمة التي تركها خبر اختفائه.
ويقول إن الصحافيين عادة ما يكونون جافين وبعيدين عن القارئ ويعيشون في مساحة مسطحة من اتجاهين على صفحة الجريدة، “لكن خاشقجي كان طويلاً متحفظاً ومتقشفاً في ثوب أبيض حتى خرج إلى المنفى في الولايات المتحدة العام الماضي، وفي عمله كان دائماً مليئاً بالحياة، كما جسد الفضولية، التي لا تتعب ورفض التنازل عن المبدأ الذي يعد نعمة لمهنة الصحافة”.
ويقول إغناطيوس: إن خاشقجي كان دائماً الصحافي الذي يزعج السلطات، وكان هذا صحيحاً بالنسبة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي اعتبره خاشقجي متسرعاً من السهل إغضابه والذي يدمر أفكاره الجيدة للإصلاح، ولم يكن محمد بن سلمان الهدف الأول لخاشقجي، فهو يخوض معارك مع السلطات منذ 25 عاماً.
وعين رئيساً لتحرير الصحيفة الإصلاحية “الوطن” في عام 2003 ثم عزل من منصبه بعد شهرين لنشره مقالاً انتقد فيه القيادة الدينية، وأعيد تعيينه مرة ثانية ليعزل عام 2010 بعد نشره مقالاً انتقد فيه التطرف السلفي، فقد كان واحداً من الصحافيين الذين لا يتراجعون عندما يعتقدون أنهم محقون.
وكان خاشقجي متحمساً لإصلاح العالم العربي المسلم الذي اعتبره فاسداً وغير صادق، ونشأ في المدينة، وهو ابن مهاجر فلسطيني كان يملك محلاً صغيراً للأقمشة، وسافر للدراسة الجامعية إلى الولايات المتحدة، حيث درس في جامعة ولاية إنديانا.
وأصبح ناشطاً إسلامياً وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين وفي نهاية السبعينات من القرن الماضي نصح الشاب أسامة بن لادن الذي كان سيتحول إلى العنف. وفشل خاشقجي في إقناعه، ولكنه لم يتردد في الحديث عن الشر الذي جلبه تنظيم “القاعدة” على السعودية والعالم.
وكتب مقالة لصحيفة “ديلي ستار” البيروتية في 10 أيلول / سبتمبر عام 2002 تحت عنوان “سعودي ميا كوبلا” (اعتراف بخطأ سعودي) في وقت كان فيه الكثير من السعوديين يحاولون البحث عن مبررات للقتلة من القاعدة، ووصف خاشقجي هجمات 11 أيلول / سبتبمر عام 2001 بأنها هجوم “على قيم التسامح والتعايش” وعلى الإسلام نفسه.
ويقول إن واحداً من أفضل مقالاته التي كتبها خاشقجي هو ذلك الذي استحضر فيه عام 2002 صديقه دانيال بيرل، الصحافي في “وول ستريت جورنال” الذي قتله “القاعدة”. والتقيا قبل عشرة أعوام عندما كان بيرل يغطي حرب الخليج الأولى.
وكتب خاشقجي عن صديقه الأمريكي اليهودي “فهم بيرل مشاعر العرب والمسلمين.. وكان يبحث عن الحقيقة كي يوصلها لقرائه”.
ويقول إغناطيوس إنه كان مع خاشقجي في عام 2011 أثناء منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا حيث اندلعت الثورات التي عرفت بالربيع العربي والتي رحب بها خاشقجي.
ونقل عنه في حينه قوله: “يبحث العرب عن النهضة منذ 100 عام”. ولكن الحركة نحو الإصلاح منعها الحكام الشموليون والغضب الناقص من الرأي العام على الفساد وحان الوقت للأمل.
ويرى الكاتب أن الذي جعل خاشقجي غاضباً من بن سلمان هو أن هذا الأخير كان يضيّع بعناده الحنين للإصلاح الملموس جداً في المملكة، وأثنى على بعض الخطوات في مقالاته في “واشنطن بوست”. فقد كان الأمير محقاً في محاربته “التطرف” داخل القيادة الدينية وسماحه بدور السينما “كان خطوة كبيرة نحو التطبيع” وسماحه للمرأة بقيادة السيارة “يستحق التقدير” إلا أن حملات الإعتقال والمغامرات الخارجية المتهورة قوضت هذه الإنجازات.
وكتب خاشجقي غاضباً أن بن سلمان لم يحتجز الأمراء الفاسدين ولكنه لاحق المثقفين المتنورين، وسمح للمرأة بقيادة السيارة لكنه سجن الناشطات الداعيات للإصلاح.
وقد فهم خاشقجي أنه كان يستطيع السكوت والبقاء آمنا لأن لديه الكثير من الأصدقاء داخل العائلة المالكة لكن لم يكن هذا هو جمال. وكتب في العام مقالة بصحيفة “واشنطن بوست” وصف فيها كيف راقب اعتقال العديد من أصدقائه وكيف خاض صراعاً مع نفسه: “لم أقل شيئاً ولم أرد خسارة وظيفتي وعائلتي وخفت على عائلتي واتخذت خياراً مختلفاً الآن”.
وقرر أن يكسر العلاقة مع بن سلمان واختار المنفى والصدق في كتابته لأنه شرح هذا في أربع كلمات “يستحق السعوديون أفضل من ذلك”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية