لماذا يستهلك السيد سعد الحريري أباه؟

حجم الخط
0

فرج بو العَشّة اغتيل رفيق الحريري وبوش الصغير في البيت الأبيض. واجهة رئاسية لمشروع المحافظين الجدد المتصهينين بالتحالف مع أصوليي المسيحية الصهيونية. وجيوش اليانكي في أفغانستان والعراق. وقد أصبحت كوندوليزا رايس قابلة السياسة الخارجية لتوليد ‘الشرق الأوسط الجديد’. وسوف يصبح جون بولتون سفير أمريكا في الأمم المتحدة من آب/اغسطس 2005 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2006. والأنظمة العربية الخانعة المرتعبة سوف تتنفس الصعداء وقد محوّرها بوش الصغير في خانة ‘محور الاعتدال’، لتصبح له من الشاكرين، قابلة بما يمليه عليها من أدوار أداتية في مشروعه للهيمنة النيوامبريالية تحت يافطة ‘مشروع القرن الأمريكي الجديد، مقابل سكوته عن استبدادها بشعوبها. بينما واجهت سورية الضغوط والتهديدات الأمريكية بصلابة في عزّ الغطرسة البوشية. وكانت إيران تتصرف كدولة وطنية سيادية، تبني قوة إقليمية عظمى تستمد شرعيتها من ثورتها الشعبية، بغض النظر عن طبيعة نظامها الشمولي. ممانعة للمشروع الصهيوامريكي في المنطقة، خدمة لمصالحها العليا بطبيعة الحال. وكانت قوى المقاومة العراقية السنية المسلحة في ذروة زخم مصاولتها الشرسة للاحتلال الأمريكي. وبفضلها سوف لن تنقذ المنطقة، فقط، من مشروع المحافظين الجدد، بل العالم. وكذلك كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية تقاوم الهمجية الشارونية في مصاولة أسطورية. أما حزب الله فكان يعد لبني صهيون ما استطاع من قوة ورباط الصواريخ. على خلفية هذا المشهد السياسي (الإقليمي ـ الدولي) تفجرت حمولة طن تدميرية في موكب رفيق الحريري. فتحول مشهد اغتياله الفظيع إلى قضية دولية. وما كان ليصبح كذلك لو أنه حدث قبل تفجيرات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر. وكما وجد المحافظون الجدد في تفجيرات الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر فرصة ذهبية لمشروعهم الامبريالي، كذلك وجدوا في اغتيال الحريري فرصة ذهبية للتخلص من الوجه الآخر لـ’البعث’ في سورية انطلاقا من لبنان. فكانت طبخة ‘ ثورة الأرز’ برعاية الست كوندوليزا. فشاهدنا تحالفا سياسيا غريباً عجيباً يجمع بين سعد الحريري، خليفة أبيه الراحل، الذي عُرفت عنه عروبته القومية، وبين الانعزالي سمير جعجع، عدو العروبة ـ القاتل الدموي ـ صهيونيّ الهوى (أُخرج من السجن من دون أن يبرئه القضاء)، وكتائب آل الجميل الفاشية. وكان الجنرال عون بتياره البرتقالي في قلب معمعة الانتقام من الوجود السوري (قبل أن يراجع فيتراجع).. وهكذا خرجت سورية من لبنان بتهمة اغتيال الحريري، تلاحقها شتائم وسباب غوغاء ‘ثورة الأرز’، لا سيما الانعزاليين الحاقدين على عروبة لبنان ومشروع المقاومة. وقد أوصلتهم أحقادهم إلى ملاحقة العمال السوريين البؤساء وقتلهم بدم بارد، لكن ما لبث أن أنقلبت الموازين. استعادت القوى الوطنية: حزب الله، حركة أمل، سنة العروبة وسنة الإسلام المقاوم، مردة فرنجية، دروز طلال أرسلان، زمام المبادرة الوطنية تحت عنوان (فريق 8 آذار) وقد تقووا بانضمام الجنرال عون بتياره البرتقالي. فحُوصرت حكومة السنيورة الهزيلة في السراي، ثم تقووا أكثر بكثير بعد خروج حزب الله من حرب تموز منتصراً، ليصير رقما صعبا في الداخل اللبناني والخارج الإقليمي. وقد أجهضت الست كوندوليزا خديج ‘الشرق الأوسط الجديد’ الذي حملته بضعة أشهر، ثم كانت ضربة السابع من أيار/مايو الاستباقية لحماية مشروع المقاومة. فارتعب معسكر 14 آذار وقد تخلى عنه رعاته في واشنطن والرياض. فرام سعد الحريري ‘اتفاق الدوحة’ وإن كارها ومعه بقية حلفائه المُكرهين. إذ أن اتفاق الدوحة كان ثمرة سياسية لضربة 7 أيار/مايو الاستباقية. وهنا فهم البيك جنبلاط، أخيراً، أن رهاناته على ‘ثورة الأرز’ الكوندوليزية كانت حسابات حمقاء، فانقلب 180 درجة على موقفه. من لسان حال 14 آذار السليط في التهجم على سورية إلى لسان الموقف الوطني العروبي المناصر لسورية والمقاومة، ثم وكأن مفاجأة سياسية كبرى حدثت، اعترف سعد الحريري بالإساءة لسورية، لكنه توقف عند الاعتراف بالخطأ. ولم يجرؤ على تقديم اعتذار شخصي ورسمي لسورية، على ما قام به هو وتيار المستقبل الذي يقوده وحكومة تابعه السنيورة، ثم حكومته من تحريض عدائي ضد سورية أدى إلى مقتل عشرات السوريين الأبرياء في لبنان.

والآن، المطلوب من سعد الحريري أن يكون وفياً لأبيه، أي أن يكون رجل دولة وزعيماً وطنياً وليس زعيماً سنياً طائفياً، ورئيساً لتيار 14 آذار المهزوم بهزيمة المحافظين الجدد. لقد قفز جنبلاط الذكي من المركب عندما رأى الفئران الانعزالية تطفو على السطح، لكن سعد الحريري اختار لعبة الحفاظ على (محفل 14 آذار) الذي يســـيطر على أمانتها دهاقــــنة الانعزاليـــة المتصهينة، المراهـــنون على فتــــنة سنية ـ شيــــعية، من منطــلق فخــــار إسلامي يكسر بعضه. ويحمسون باســتمرار، الدعــــاية الإعــــلامية الجهنمية لدمغ الوعي اللبناني، السني بالذات، بشيــطنة إيران، وبالتالي حزب الله. وتصويرهما على أنهما يمثلان خطراً مُهلكا للبنان، دولة ومجتمعاً.. أما سرائيل فيمكن حلّ ‘الإشكال’ معها، حسبهم، من طريق القرار 1701. على سعد الحريري إذا أراد أن يكون زعيماً وطنياً، فوق طائفي، ورجل دولة، على طراز أبيه، التصدي الشجاع لمحاولة نقل التهمة من سورية إلى حزب الله، لقد قال السيد نصر الله (والرجل لا يكذب) أن سعد الحريري زاره ليبلغه قائلا له:’ يا سيّد في شهر كذا سيصدر قرار ظني يتهم أفراداً من حزب الله، وهم جماعة غير منضبطين. وسأقول إن الحزب لا علاقة له’.. لم يجرؤ سعد الحريري على تكذيب ما قاله السيد حسن نصر الله، لكنه وجّه أزلامه في تيار المستقل لنفي ما نقله السيد نصر الله عنه.. وليس هكذا يتصرف الزعيم الوطني ورجل الدولة في معالجة قضية في حجم اتهام حزب الله بمقتل رفيق الحريري، وما قد يترتب على هذا الاتهام من أخطار مُدمِّرة للبنان: الدولة الهشة والمجتمع الهش. مطلوب من سعد الحريري أن يتحرر (سياسياً) من التبعية الخانعة للتوجيهات السعودية الخاضعة للإملاءات الأمريكية، ويوثق علاقة لبنان الاستراتيجية بسورية على قاعدة وحدة المسار. وأن يُقدم على محاسبة شهود الزور الذين كانوا وراء تضليل التحقيق، وبالتالي الإساءة لسورية، كما قال بنفسه، حتى لو طالت محاسبتهم أسماء كبيرة في تياره كانوا وراء تصنيعهم، وأن ينسق مع حزب الله، على أرضية وطنية، للاتفاق على الكيفية المناسبة للتصدي للقرار الظني الذي قد يُلصق التهمة بحزب الله (وهو يعرف وعائلته قبل أي أحد آخر أن حزب الله بريء من دم أبيه). وأن يُخلِّص تيار المستقبل من ‘قرنة’ 14 آذار التي يسيطر على أمانتها الانعزاليون المتصهينون، الذين يعملون بكل خبث وتذاكي على استغلال تيار المستقبل (سياسياً وإعلامياً) لإشعال فتنة سنية شيعية، يتفرجون عليها من الأشرفية في تشف. بذلك بوسع سعد الحريري أن يكون ليس فقط رئيس وزراء متميزا للبنان، بل زعيماً وطنيا لكل اللبنانيين. يفتخر به والده في عليائه، لأنه اختار التحالف مع القوى الوطنية الممثلة الحقيقية للبنان: بما هو لبنان السيادة الوطنية القائمة على قوة المقاومة المتمثلة، لأسباب تاريخية موضوعية، في حزب الله.. فهل يفعلها الحريري الابن؟ ‘ كاتب ليبي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية