صواريخ صدام هي السبب في اعدامه!
د. سامي الصقارصواريخ صدام هي السبب في اعدامه!لقد حاولت جاهدا ان اتقصي الأسباب الحقيقية لاعدام صدام، وذهبت في ذلك كل مذهب، وحاولت ان اجد السبب ـ مثلا ـ في انتصار العرب المسلمين علي الفرس في معركة القادسية، قبل 14 قرنا، وسقوط دولة الأكاسرة الي الأبد، وحاولت كذلك في ان اجد السبب في مقتل ابي مسلم الخراساني، ثم قفزت للبحث عن السبب في فشل الصفويين في انتزاع العراق من الدولة العثمانية. وذهبت اخيرا الي انتصار صدام علي ايران في القادسية الثانية، رغم كثرتها العددية، وضخامة قواتها المسلحة التي بناها الشاه (حتي صارت خامس اكبر القوات العسكرية في العالم) مما حمل أنصار ايران علي الانتقام منه. وقد كتبت الكثير في هذا المضمار، وشرحت الاسباب التي تحملني علي تبني هذا العامل او ذاك، في تفسير الأسباب التي ادت الي اعدامه، ولكنني لم اجد في ذلك الاسباب المقنعة، ولعلها من الأسباب الثانوية لاسقاط الرجل، ومن ثم اعدامه، فتخليت عما كتبت.وبعد تأمل وتفكير طويل هداني الله الي الحقيقة الصارخة، وهي ان السبب في اعدام صدام هو اطلاقه 39 صاروخا (خلال العدوان الثلاثيني علي العراق سنة 1991)، حيث ان قدرة العراق علي صنع صواريخ يبلغ مداها الي تل ابيب وحيفا، تمثل تجاوزا علي الخطوط الحمراء التي رسمتها القيادة الامريكية (ولعل الاصح القيادة الاسرائيلية) بصرف النظر عن اي اعتبار آخر (الي جانب عدم انصياع صدام للانضمام الي جوقة الحكام العرب الذين آثروا الانضمام تحت الخيمة الامريكية الواسعة). في الواقع ان الولايات المتحدة يمكنها عند الضرورة ان تتساهل في كل تصرف يبدو من جانب الدول التي تعاديها ـ بشكل من الاشكال ـ ولكن نجاح دولة عربية (تتبني مبدأ ازالة اسرائيل من الوجود) وتتمكن من صنع صواريخ بعيدة المدي، تصل الي سواحل البحر الابيض المتوسط، قادرة علي اصابة الاسطول الامريكي، ليس في البحر الابيض فحسب، بل وفي الخليج العربي والبحر الاحمر ايضا، بل وقادرة علي تقويض اسرائيل بالكامل، وهذه كلها من المحرمات التي لا يجوز التسامح فيها.ان الولايات المتحدة التي تعرضت لاول مرة في تاريخها، لهجوم من الخارج، ليس من جانب قوة عسكرية خارقة (كالاتحاد السوفييتي الزائل)، ولكن من جانب عدد قليل من الشباب الذين اعتقدوا بعدالة هجومهم للانتقام من سياسة العدوان التي تتبناها الولايات المتحدة حيال المسلمين في كل مكان. ويبدو انه كان بين مواطنيها من يشارك الرأي مع اولئك المهاجمين، اذ ورد في جريدة الرأي الاردنية ليوم 2007/1/5 ما يعيد الي الاذهان ما حدث يوم 2002/1/5 عن قيام مواطن امريكي بصدم طائرته بمبني ذي 40 طابقا في فلوريدا تعاطفا مع بن لادن (علي حد قول الجريدة).وعلي اي حال فان هجمات 2001/9/11 حملت الرئيس (بوش ـ الابن) علي اعلان ما سماه (حربا صليبية) علي افغانستان، ونسي انها ضحت بالملايين من ابنائها في اخراج القوات السوفييتية من اراضيها (وبذلك حققت مصلحة عليا للولايات المتحدة، وكان ذلك هو العامل الاول في انهيار الاتحاد السوفييتي الي الابد). ولكن الرئيس بوش ـ رغم اعلانه الحروب الصليبية ـ لم يسلم الاسري في تلك الحرب الي الحكومة الافغانية التي اقامها، انما حجزهم في معسكرات في اوروبا وفي (كوبا) خاصة، ولم يرسل احدا منهم الي المحاكم، كما لم يقتل احدا (وان كان قد عذبهم واساء معاملتهم الي اقصي الحدود)، اما بالنسبة للعراق فانه سلك مسلكا مغايرا، فوالده الذي تبني مبدأ تدمير العراق عندما شعر بعجزه عن تتبع القوات العراقية في انسحابها من الكويت باتجاه بغداد، بعد ان نصحه العسكريون بذلك، اذ كان القائد الاعلي لقواته، وجد نفسه (وقواته طبعا) لو انه تتبع الجيش العراقي الي بغداد فسيكون مثل (ديناصور) ضخم سقط في بركة من النفط الاسود لا يمكن الخروج منها. ولذلك اكتفي (بوش ـ الاب) بخلق اضطرابات طائفية وعرقية في جنوب العراق وشماله مؤملا بواسطتها اسقاط الحكومة التي تجرأت علي باطلاق الصواريخ لقصف تل ابيب، ولكن الاضطرابات فشلت والحمد لله.وهنا تفتق ذهن الرئيس الامريكي (ومستشاريه وجلهم من اليهود) عن خطة فرض حصار كامل علي العراق، بحرمانه من موارده النفطية، وتجميد ارصدته، وتقنين ما يسمح له من شراء الاغذية والادوية ومستلزمات اعادة البناء، ولا سيما الجسور والطرق والمصانع والمؤسسات العامة التي تعمدت قواته تدميرها، ليعود العراق الي العصر الحجري ـ علي حد قوله هو ـ ثم ارهق البلاد بفرق التفتيش التي كانت تعمل لحساب الولايات المتحدة، رغم رفعها شعارات الامم المتحدة. وقد ادي ذلك الي استنزاف جميع قوي القطر وتعطيل قدراته، بعد ان كان اول اقطار المنطقة في مستواه الثقافي والعمراني والامني والصحي، واكثرها رفاهية.وغير خاف بأن العدو الامريكي (ومن وراءه او امامه اسرائيل) كان ينتظر بفارغ الصبر تلك اللحظات، لينقض علي العراق، وقد واتته الفرصة عند وقوع تفجيرات 2001/9/11 التي حاول الصاقها بالعراق، فلم يفلح، فاختلق اكذوبة امتلاكه لاسلحة ممنوعة (ذرية وكيميائية) الامر الذي نفاه مفتشو الامم المتحدة من اصحاب الضمير الحي، ولكن (بوش) اصر ـ بالتعاون مع بلير ـ علي التمسك بتلك الكذبة التي رفضها مجلس الامن الدولي، فشن مع اصدقائه العدوان الجديد لتحقيق الاهداف المرسومة، وفي مقدمتها معاقبة العراق الذي ابي الانضواء تحت راية الاستعمار، ولانه بني قوة عسكرية صمدت لايران ـ علي ضخامتها وقدراتها العسكرية الهائلة ـ وفوق ذلك كله انه اثبت للعرب اولا وللعالم ثانيا، بأن في وسع اي قطر من اقطار العالم ان يتحرر من ربقة الاستعمار ومن الخضوع الوحشي الامريكي، ويصنع السلاح الذي يحميه من العدوان، خاصة وقد سبق للعدو الاسرائيلي ان شن عدوانا (غير مبرر) علي المفاعل النووي العراقي (الذي بنته شركات من اوروبا الغربية تحت رقابة الامم المتحدة) ولم يستنكره احد، ولم يدفع التعويض عنه احد. ومن هنا شعر العراق بأن من حقه بناء قوة عسكرية قادرة علي حمايته من العدوان، وبذلك اعطي الدليل لجميع دول العالم الثالث، والعربية منها خاصة، ان توفر العزم الشديد والفكر السديد، يكفيان لبناء القوة المطلوبة، الامر الذي افزع اسرائيل وحماتها الذين تبنوا خطة تدمير العراق بالكامل، وانزال اقصي العقوبات بقائده، ليكون عبرة لمن اعتبر، كي يوصل (بوش) رسالة للعالم الثالث، وللعرب علي الاخص، مفادها ان من يخرج عن الخطوط المرسومة (طبعا من قبل الولايات المتحدة وسيدتها اسرائيل)، فمصيره مصير صدام، والعاقل من اتعظ بغيره.أما ما اتهم به صدام من قتل عدد من اهل (الدجيل) الذين حاولوا اغتياله (وهو رئيس الدولة)، وقاتلوا رجال الامن، وتشكيل محكمة لمحاكمته، حظيت بكثير من التغطية الاعلامية، اذا حاولت الولايات المتحدة ان تضفي عليها شيئاً من الشرعية، حتي اوعزت لاحد وزراء العدلية السابقين فيها، ان يشارك في الدفاع عن صدام، علاوة علي محامين من بعض البلاد العربية، لتبرئ ذمتها من دمه. ولكن ذلك كله كان مجرد مسرحية غير متقنة الصنع، اذ تخللها الكثير من الخلل الذي تجلي بقتل عدد من المحامين العراقيين الذين تولوا الدفاع عن صدام، وجري تغيير رؤساء المحكمة اكثر من مرة، واستقال احدهم بسبب تدخل الحكومة، وما الي ذلك، مما يعطي المسرحية نكهة محاكمة حقيقية لا يأتيها الباطل من بين يديها، ولا من خلفها، وذلك تغطية للحقيقة، وهي ان الحكم كان قد صدر منذ عام 1991 بالتخلص من صدام الذي تجرأ وقصف اسرائيل (سيدة العالم ـ بالمعيار الامريكي).ومن باب الشيء بالشيء يذكر، أقول: ذكرت احدي الصحف المصرية بأن قصف المفاعل النووي العراقي (سالف الذكر)، وقع مباشرة بعد عودة المجرم (مناحيم بيغن) من لقاء عقده مع أنور السادات. وأبدت الصحيفة مخاوفها من اجتماع مماثل عقد في القاهرة ايضاً بين (اولمرت) رئيس وزراء العدو الصهيوني، والرئيس حسني مبارك، منوهة بخشيتها من ان يؤدي ذلك الاجتماع، الي ما ادي اليه اجتماع (بيغن) بالسادات!! أقول: وليس هناك شيء غريب في هذه الأيام.وأعود الي صلب الموضوع (مع الاعتذار عن الاستطراد)، فأقول: ان القوات الامريكية التي تمكنت من اعتقال صدام، وكان ذلك قبل تشكيل اي حكومة عراقية، كان من المتوقع تسليمه مثل الرئيس اليوغسلافي (ميلوسوفيش) الي محكمة العدل الدولية، لأنه تسبب بقتل عشرات الألوف من سكان (كوسوفو) الألبان، ولكن السلطات الامريكية سلمت صدام الي حكومة لم تكن موجودة عند اعتقاله، الي حكومة يعاديه اعضاءها، وبالتالي، فلا يمكن تحقيق محاكمة عادلة علي الاطلاق.وهكذا فان الولايات المتحدة ـ علي ما يبدو ـ أرادت ان يتقرر مصيره (من حيث الشكل والمظاهر ـ علي الأقل) علي يد حكومة عراقية، وبذلك تضمن ترسيخ ما زرعته من عداء بين مختلف طوائف العراقيين، فيقتتلون، وينشغلون ببعضهم البعض الي يوم القيامة. وبذلك تضمن الامن والسلام لسيدتها المطلقة (اسرائيل)، اذ ليس هناك غير العراق من هو مستعد لمنازلتها، ولكن تقطيعه الي فئات متناحرة، هو السبيل الوحيد لأمن اسرائيل.في الحقيقة ان الولايات المتحدة لا يهمها من قتل بالدجيل، أو في غيرها من المواقع، بل ان ذلك يفرحها، لأن النزاع يضعف العراق ويشغله بمصائبه الداخلية، وهذا هو المطلوب. ثم اننا لو افترضنا ان اهل (الدجيل) قد قاموا بانتفاضة ضد الحكومة، وحاولوا قتل رئيس الجمهورية الشرعي، وانه قتل عدداً منهم، فاستحق المحاكمة والاعدام، فإذا افترضنا ان ذلك كله كان صواباً (اي الانتفاضة ومحاولة قتل رئيس الجمهورية، ثم اعتقاله من قبل سلطات الاحتلال، ومحاكمته، والحكم عليه بالاعدام، وتنفيذ ذلك الحكم علي عجل). اقول اذا كان ذلك صوابا، فألا يحق للانسان (اي انسان) أن يتساءل عن انتفاضة اهل الفلوجة (وغيرها من مدن العراق) لمجابهة قوات الاحتلال غير الشرعية، والمجابهة حق شرعي تعترف به جميع الشرائع والقوانين الدولية، خاصة وان تلك القوات لم تكتف بقتل عشرات الألوف من اهل تلك المدن، وخاصة الاطفال والنساء والعجزة الذين لا يستطيعون الهرب، بحكم السن او المرض، فدمرت مساكنهم فوق رؤوسهم، علاوة علي تدمير المدارس والمساجد والمستشفيات، وما الي ذلك من مرافق البنية التحتية. فهؤلاء المنكوبون وعددهم يبلغ بالملايين، من الذي سينتقم لهم ويسوق المجرمين في حقهم الي المحاكم لانصافهم؟!فهل نتوقع ان تقوم الولايات المتحدة بهذه المهمة؟ طبعاً لا، فهي تفتخر علي الدوام بأن قواتها قد قضت علي المقاومة في الفلوجة وغيرها من المدن الشهيدة، وما زالت تفعل ذلك وتعلنه علي رؤوس الاشهاد، ولم تكترث بسقوط آلاف الضحايا، ولا بالخراب الذي عم تلك المدن، بحجة انها تستهدف الارهابيين، متنكرة لحق الدفاع الشرعي وحق مقاومة الاحتلال.وهكذا نجحت الولايات المتحدة في اعطاء درس لا ينسي لجميع البلاد العربية، مضمونه ان من يخرج عن تعليماتها ويتعرض لاسرائيل بسوء سيكون مصيره مصير صدام، ومصير بلاده مصير العراق الذي ملك الجرأة ليقول للولايات المتحدة (اذهبي الي الجحيم) ويرسل الي الحبيبة الغالية حزمة من الصواريخ.وأخيراً ارجو ان اكون قد أقنعت القراء الكرام بما ذهبت اليه من ان صدام لم يعدم بسبب الدجيل ولا غيرها مما وقع في داخل العراق، وانما بسبب صواريخه التي اطلقها بهدف تدمير اسرائيل او تأديبها علي الاقل، وكلا الاجراءين محرمان لدي الاسياد الامريكيين وسادتهم الصهاينة، وإلا لوجب التعامل مع حالتي (الدجيل والفلوجة) بمعيار واحد، وختاماً فالمشتكي الي الله من ظلم بني الانسان.9