نبيل الحيدري يرصد التنوير والإصلاح الاجتماعي بين الوردي وشريعتي

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: صدر حديثاً عن دار «ثقافة» للنشر كتاب «التنوير والإصلاح الاجتماعي بين علي الوردي في العراق وعلي شريعتي في إيران» للباحث العراقي نبيل الحيدري في المقارنة بين المجتمعين العراقي خاصة والعربي عامة من جهة، والمجتمع الإيراني من جهة أخرى، من خلال أبرز عالمي اجتماع معاصرين هما علي الوردي وعلي شريعتي، للدخول بعمق في التقارب والتباعد بينهما، ما جعل العليّين (الوردي وشريعتي) مفاتيح لمعرفة ذلك، حيث قام كل منهما بدراسة مفصلة لمجتمعه وبيئته وتطورات المجتمع والعوامل المؤثرة فى حركته وتغيره.

يحوي الكتاب 22 فصلا موزعة على 230 صفحة وأكثر من 660 مصدرا، وقد بدأ الكاتب بمقارنة تمهيدية للمفكرين – العليين كما سماهما – من حيث النشأة والعائلة والدراسة، وكذلك من حيث المجتمعين العراقي والإيراني. ثم تطرق الكاتب في فصول الكتاب إلى مختلف المواضيع المهمة التي تناولها المفكران في كتبهما ومقالاتهما ليقارن بين وجهتي نظرهما وآرائهما.
ومن هذه المواضيع: نقد الخطاب الديني والنظرة إلى الغرب والنظرة إلى العرب والإسلام والعلمانية والسنة والشيعة، وتجاوز الممنوع، ووعاظ السلاطين والاستثمار الديني ونقد التشيع الصفوي.. وفي الأخير تناول أهم الانتــقادات التي تعرض المفكران لها وواجهاها في حياتهما.
يعتبر الحيدري إنّ الوردي في بداية دراسته وجد المفارقة بين ما يدرسه من قيم ومبادئ آمن بها، وما يشاهده في الخارج من ممارسات عجيبة وغريبة لا تتفق مع المبادئ التي درسها، وكان لبيئة الوردي أبلغ الأثر على تفكيره ودراسته وانطلاقه في المجتمع، حيث تتلاقح حضارته بتاريخه مع شخصيته في أجواء كريمة من التعايش والحوار الهادئ الهادف، الذي لا يخلو من بعض التجاذبات هنا أو هناك. وكانت نظرة الوردي للمجتمع واقعية، لا طوباوية ولا مثالية. فهو يقول: «إن المشكلات لكل مجتمع هي حالة طبيعية، تحرّك الناس لدراستها وحلّها ولا يمكن لمجتمع يخلو من مشاكل، حيث الناس ينقسمون ويتصارعون فيكون الرأي والرأي الآخر ليشعر الإنسان أنه حي ينمو مع مرور الأزمان. كقول ابن خلدون: «ليس في الدنيا خير يخلو من شر».
أما علي شريعتي كما يذكر الحيدري الذي درس على يد والده محمد تقي، رجل الدين من الطبقة الوسطى، فإنّه لم يعانِ في طفولته معاناة الوردي، لكن والده الكبير وبيئته الدينية، كما الظروف المحيطة به آنذاك، أثر في نفسه وحركته وانطلاقاته نحو المجتمع الإيراني المعقد أصلاً. وكان لدراسة شريعتي في فرنسا الفلسفة وعلم الاجتماع وتاريخ الأديان واختلاطه بحركات التحرر العالمية، لا سيما الجزائر فضلا عن تعرفه على المدارس الفكرية الأوروبية، ومخالطته الشخصيات الفرنسية وغيرها، أبلغ الأثر على التغيرات الحاصلة عليه وأفكاره ونضجه وتقلباته وكتاباته، خصوصا بعد عودته للوطن وتدريسه في جامعاته في الأحواز ومشهد وطهران، ومحاضراته في مراكزه وحسينياته، خصوصا ما أرساه في حسينية إرشاد. يقول شريعتي: «أحببت أن أفضي إليك بمكنون قلبي لأنني أريد أن أشركك بتجربتي وفكري فهذا يتعلق بطبقتي ومجتمعي وبلادي وتاريخي».
يعتقد الوردي كما يذكر الحيدري أن إحدى مشاكل العراق المهمة هي وقوعه بين إيران وتركيا، أي بين صراع الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية. حيث يقول: «توجهت الدولة العثمانية نحو العراق عند ظهور الدولة الصفوية في إيران، ومنذ ذلك الحين صار العراق موضع نزاع عنيف بين الدولتين العثمانية والصفوية واستمر لثلاثة قرون. ويعتقد شريعتي، كما أكد الحيدري، أن مشكلة إيران هو حلم التاريخ الإمبراطوري، الذي تريد إعادته واستنساخه من جديد في لباس التشيّع الصفوي وممارساته المختلفة، فمثلاً يقول شريعتي: «مشكلتنا في التشيع الصفوي الذي كانت له إمكانيات هائلة وقدرات سياسية وعسكرية كبيرة من المتاجرين بالدين ووعاظ السلاطين لنشر الشرك والخرافة والفرقة، وجعله مذهبا رسميا للبلاد وفرضه بالقوة على الجميع وتهيئة أربعة آلاف تلميذ جندي للشاه الصفوي حلم الإمبراطورية الصفوية وهيمنتها».
لقد قارن الحيدري بين العليين (الوردي وشريعتي) حيث المشتركات كثيرة تطلع عليها في أبواب الكتاب، مع دعوتهما كليهما لإعادة كتابة التاريخ ودراسته بعمق، إضافة إلى اختيارهما الوسطية والاعتدال، ورفضهما التعصب والجهل والسباب والشتم واللعن والتكفير، ومحاربة التقاليد القديمة والطقوس البالية والبدع المخدرة، وكذلك اتخاذهما الجانب العقلي، الذي يجمعهما في طريقة التفكير والتقييم والدعوة إلى الإصلاح وتجديد الخطاب الديني ومواكبة العصر وتحدياته، واعتبار مشكلة المجتمع الجهل والعاطفة والتخدير والاستحمار بسبب عوامل يذكرها الكتاب.
ويوضخ الحيدري ما كابده العليان من محن قاسية جدا، لذا قال الوردي: «لقد عانيت وكابدت كثيراً من عشق المعاناة». فقد صدر ضد الوردي أكثر من ستة عشر كتاباً، ومئات المقالات، وأكثر من ذلك صدر ضد شريعتي.
لقد تنبأ رئيس جامعة تكساس بالأثر البالغ للوردي وقت تخرجه من الدراسات العليا قائلاً له: «أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع للشرق الأوسط وعلمائه ومفكريه». ووصف المستشرق الفرنسي جاك بيرك الوردي بأنه «فولتير العرب». وقال موسى الصدر أحد رفاق شريعتي في تأبينه: «كان لنا زميلاً قائداً كبيراً من قادة الفكر الإسلامي الذي نؤبنه اليوم. إنه الدكتور علي شريعتي، أديب شامخ ومفكر إسلامي ثوري منفتح. إسلاميته وطبقيته ومواقف رجال الدين لم تجعل دعوته محافظة رجعية يمينية كما هو المتعارف، بل دعوة تقدمية ثورية إصلاحية هادفة حركية لم تجعل الإسلام دكانا للمكاسب كما تفعل المؤسسات الدينية».
الكتاب يقدم لأول مرة دراسة مقارنة علمية بينهما ثم نقد لكليهما وتطوير نظرياتهما وآثارها ليحاكي الواقع المعاصر وتفسيره تفسيرا اجتماعيا ويتنبأ بمستقبله الذي ينتظره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية