معرضه الأخير بالرواق الأزرق يحتفي بالقراصنة والبحار البعيدة: رومان لازاريف وميثولوجيا الحواس
مصطفي غلمانمعرضه الأخير بالرواق الأزرق يحتفي بالقراصنة والبحار البعيدة: رومان لازاريف وميثولوجيا الحواسعلي مدي ثلاثين عاما ونيف بقي التشكيلي الروسي الأصل، المراكشي الولادة وفيا لخطه في استنبات أساليبه الفنية ذات الهويات أو الصبغات المحتفية بالروح الكلاسية لتيمات ميثولوجية، نابعة من حواس مليئة بالعمق والايهام، مدرجة بأرياح نفشتها أيادي تاريخ مسرود برؤيته الواقعية للأشياء.يقترب لازاريف أكثر فأكثر من تلك النواة البروجلية ـ نسبة الي الفنان بروجل ـ حيث المنظور المعكوس للوحة التشكيلية تأخذ مكانتها انطلاقا من حجمها الطبيعي وليس أي شيء آخر، فتري الأحجام المجسمة محلولة علي أشكال مهندسة منظومة كعقد الماس، تسيطر علي الحيز أو الفضاء المكاني، مسترسلة في تؤدة، عبر كتل لا تخلف وراءها سوي أضواء تعكس الدقة القصوي لآلة حسية لا متناهية، عولت علي القراءة والولع بحوادث وأحداث بذرتها نتوءات تاريخ مشرع علي البحر وعلاقات البحارين وأشرعة البواخر الحربية المرهوبة وجرف اليم المدهوس بروائح البارود…الخ.لم يسطع لازاروف وهو ينظم حواسه الميثولوجية علي ايقاعات لاكروماتية أن يعلل وجوده الاستعاري وهو يستعيد أصوات البحارة الحربيين، علي مقربة من أسطول بحري، كان علي أهبة لكبح جماح الأمواج المتصادية هنا وهناك، حيث الدنو من لحظة التماس بين الذات والتاريخ تتجدد عبر انزياحات فيزيقية ادراكية رمزية ترتب الذروة الكامنة في اللون لتحيل الأشياء والخلفيات الي صور لا تحجب الرؤية الحقيقية لعسكريي وعبيد السلطنة المغربية خلال القرن التاسع عشر. مع ذلك، فهناك ما يؤكد ضرورة الامتثال لقابلية لازاروف الانطباعية المخمنة، حيث السحنات العربية والأمازيغية لا تهيمن أو تميز بين رديفاتها الغريبة والغربية عن مرافئ مكلومة، اللهم الا من وجوه منخطفة وأخري مذعورة، كأنما هناك تفضيلا خارج الوعي أو هو مقصود، يعطي انطباعا للقارئ علي خلفية التعبير الأورفيوني الذي يخدع البصر المجرد ويشكك في الحركات الانفعالية للدوال المحشوة تقاسيم وعقدا مخلقة وغير مخلقة!!وهناك ما يدعونا فعلا الي معاقرة لوحات رومان لازاروف الأخيرة، المعروضة حاليا بغاليري الرواق الأزرق المغربي،حيث تمتد الظلال المكينة الي أبعد حد، عبر درجات متفاوتة من الضوء والعتمة، مشبعة بألوان ساخنة أو دافئة تشوبها تلك التغيرات الطقسية المهيبة ومراتع الصخب المتفجر وأعلام مدرعة بأطياف الغيم الملبد.. ففي جانب مهم من تقييمات لازاروف لظواهر موضوعاتية تقارب سلطة البحر ورجالاته ومساحة لا بأس بها من الضلوع الفانتازي لتماثلات العمق والسطح في الآلات الحربية العتيقة والفريدة، يستيــقظ متن المبدع هذه المرة، الذي يستنفر مرجعـيته الانتمائية، ليثير علاقات التركيب والتناقض بين مكونين أساسيين لحضارتين مختلفتين ومتصارعتين، فيبدو الحماس الشـــديد مخبوءا خلف أفكار تطــــل برأسها علي مساحة محدثة من التتويج غير المبرر لعناصر التركيب الأركسترالي الذي يمثل النمطية التقليدية لملامس وتكوينات شخوص لا نراهم فقط عبر عين لازاروف، بل يمتد أفقهم الثاوي في الصميم من قطع الليل المبهم، يحرسون ذاكرتنا من التشويه، ويبددون أفنيتهم خلف دوائر من التقطيع الجمالي البالغ الدقة.لازاروف ولوعا بقرصنة البحار وحارات المدن العتيقة يحكي لازاروف عن ولع مخيف بالبحر، وعن مشاهد الموج وهو يغلي كمرجل النار الساحقة. يرسم طلعات البحارة وسيوفا مقبلة مدبرة، كما أنه يجسد في الكثير من لوحاته غليانا شعبيا لأزقة وحارات المغرب القديم. وهو يعترف بالسحر الذي يقضم أنفاسه المتهالكة علي مرمي نظر، يؤول تأثره بالمدرسة الفرنسية، وخصوصا عبقريتها جون غابرييل مانتيل، علي أنها قضمة رومانسية حالمة، تفتن كل من مر بجانبها، تحيله الي كوة من الحياة الرامزة للعشق والجمال.ولا غرو فرومان لازاريف رغم احتفائه الرمزي بالطابع المحافظ، المشدوه المتحلق خلف مكمنه الأبوي الروسي، الا أنه يستكين فجأة وهو يصف زخم الكون قائلا: انه لا يمكن مطاردة التاريخ وهو يروم الاستعادة الذهنية دون حذر من تشويه بعض ثناياه. وقد نبادر نحن الميئوسون من قدرته علي الحكي، وبالتفصيل الممل، الي امتلاك بعض الجوانب الغائبة تماما عن فطنته وحيويته، فنحدس ونتماهي لنعيد صياغة هوامشه أو حتي دواخله اللصيقة بما كنا نتوجسه، مخافة أن يستفيق في غفلة عنا، ليسحق هروبنا المنخطف، متعللا بما يحاذي تمثله الذاتي واقترابه الحصيف لكل ما هو طبيعي ومألوف!!.. .وبالقدر الذي يحب لازاروف ولوج عوالمه الحارقة بكثير من الصبر والتؤدة، حيث يصطاد فرائسه علي نار هادئة، مددا من الزمن، متقطعا وممتدا، بالقدر الذي يتوق فيه الي تحقيق نزهات ذاتية لصور تنازعها عبرات الموت وطقوس الجسد المتلون. ويحتدي بذلك، كما صرح لي شخصيا، بمدي مراهنته علي مواصلة الحفر بين ثنايا تاريخ يشكل بالنسبة له الثورة الحقيقية لمعني الحياة.فليس الوجود ،يضيف لازاروف وهو يمسح نظارته السميكة،سوي فناء شاهق يستجمع قدرات كائناته لطلي ما لصق بهندامها علي أتربة وأحجار وأشجار الأرض، علها تنوء بحمل ما ثقل.اعلامي وشاعر مغربي0