قضية الثقة بين إسرائيل ومنظمة التحرير هي أكثر ما يدلل على فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق دائم، بعد عامين من التوقيع على اتفاق أوسلو (إعلان المبادئ). فقدان الثقة هو نتيجة الخروقات الشديدة من قبل الطرفين للاتفاق (إرهاب، توسيع مستوطنات، وغيرها). لقد وجد تعبيره في زيادة عدد الصفحات التي أضيفت إلى كل اتفاق من أجل منع العمل حسب التفسيرات الشاذة عن روح الاتفاق؛ بإضافة اتفاقات (اتفاق الخليل، مذكرة واي ريفر) من أجل إعادة صياغة أكثر تفصيلاً وشرحًا للمواضيع التي سبق واتفق عليها؛ وبالانحراف الآخذ في التزايد في البرنامج الزمني الذي حدد في تطبيق كل واحد من المفاصل الأساسية في العملية.
علاوة على ذلك، فإن أقوال المعارضين لكل عملية سياسية مع الفلسطينيين بمقالات ومقابلات في ذكرى الـ 25 عامًا على الاتفاق ـ محاولتهم لوصف اتفاق أوسلو كمؤامرة متعمدة من قبل عرفات منذ البداية، هو إعادة كتابة سياسية للتاريخ. الادعاء بأن هذه المؤامرة استهدفت الحصول على ثقة رابين وبيريس، وأن ذهاب الفلسطينيين للمفاوضات من أجل إقامة دولة فلسطينية استهدفت فقط إعادة إسرائيل «للحدود الضيقة التي سبقت حرب الأيام الستة، وفيما بعد تجديد هجوم التدمير على الدولة اليهودية من هذه الحدود»، كما كتب نتنياهو، ليست سوى قلب للتاريخ.
نقطة الضعف الأساسية لاتفاق أوسلو هو كونه إطارًا تدريجيًا متعدد المراحل، وتنقصه المعايير لتحديد الوضع الدائم، باستثناء قرار مجلس الأمن 242 («الأرض مقابل السلام»)، أي أن الأطراف وقعوا على اتفاق «مثقّب كجبنة سويسرية» أخرجهم إلى رحلة دون تحديد هدفها النهائي. التفسير المختلف الذي يعطيه كل طرف للاتفاق والوضع الدائم الذي رآه في خياله، هو ما أوجد الخروقات من قبل الطرفين ودمر الثقة بينهما، خروقات كانت في أساسها محاولات من قبل الطرفين لتشكيل واقع يخدم رؤيتهما.
في هذا الصراع شاركت الأطراف الممثلة الرسمية ـ حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير ـ ولكنها مكنت معارضي الاتفاق بأن يشاركوا فيه تحت حجة الافتراض الذي خيَّب الآمال بأنه يمكنهم السيطرة عليهم والتحكم بـ «ارتفاع ألسنة اللهب التي سيشعلونها». هكذا وفي عملية دوارة، عززت الخروقات قوة معارضي الاتفاق (فوز حماس في الانتخابات للسلطة الفلسطينية وتشكيل حكومات قومية متطرفة ـ مسيحانية في إسرائيل)، وهؤلاء عادوا لتأجيج الوضع إلى درجة فقدان الثقة ووقف العملية السياسية.
خلافاً لادعاءات معارضي الاتفاق بأن التدرج في العملية وغياب مخطط نهائي للوضع الدائم خدمت الفلسطينيين في إحياء «نظرية المراحل» ـ الحقيقة التاريخية معاكسة. إن اختيار عملية تدريجية كان هو رأي رابين منذ فترة ولايته الأولى، قبل حوالي عقدين من أوسلو. في 1977 أعلن: أنا أفضل اتفاقات مرحلية، مع فترة اختبار ما بين المرحلة والأخرى، على محاولة التقدم مرة واحدة نحو اتفاق شامل»، «والانتقال إلى سلام حقيقي هو عملية وليس حدثًا لمرة واحدة». هذه المقاربة تم تبنيها من قبل خليفته مناحم بيغن الذي وقع في 1978 في كامب ديفد مع السادات على اتفاق الإطار لحكم ذاتي فلسطيني، المشابه لدرجة مدهشة في تفاصيله لاتفاق أوسلو. بعد سنتين من ذلك كان محزنًا أن نكتشف أن رابين اختار اختبار الفلسطينيين، ولكنه لم يكن قادرًا على رؤية إمكانية، لأن المعارضين لكل تسوية سيستغلون التدرج لكي يضعوا العصي في دواليب العملية السلمية، إلى أن أضاف أحدهم لذلك ثلاثة رصاصات في ظهره.
الأهم من ذلك هو حقيقة أن الضبابية وغياب الهدف النهائي التي فرضت على منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت في الحضيض من حيث مكانها وقدراتها، استهدفت خدمة رؤية إسرائيل للتسوية الدائمة التي كانت معاكسة للرؤية الفلسطينية.
حسب وجهة النظر الفلسطينية، فإنهم أعطوا كل شيء وقاموا بالتنازل الوطني التاريخي والأساسي في 1993. لقد اعترفوا بإسرائيل وتنازلوا عن 100 في المئة من وطنهم فلسطين مقابل دولة فلسطينية على 22 في المئة منها. ومثل باقي العالم فإن «م.ت.ف» فسّرت قرار 242 انسحابًا إسرائيليًا كاملامن المناطق التي احتلت في حرب الأيام الستة. بناء على ذلك فإنها رأت في موافقة إسرائيل «على السير نحو الاتفاق النهائي، القائم على قرارات مجلس الأمن 242 و338»، كما ورد في اتفاق أوسلو، الهدف النهائي، الذي سيؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها شرق القدس، أي أن دور إسرائيل في تطبيق التسوية يبدأ فقط بعد أن أعطى الفلسطينيين ما استطاعوه ولم يتبق لهم سوى الاعتقاد بأن إسرائيل ستنفذ ما عليها.
بالمقابل، فإن الجانب الإسرائيلي الذي أيد سلطة دويلة محدودة، طالب بأن تكون قاعدة المفاوضات هي مبدأ التسوية المعقولة التي تأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي تشكل منذ 1967 وتهتم بالمصالح الأمنية والاستيطانية لإسرائيل. أرادت إسرائيل الانفكاك من «الشرعيات الدولية» التي حددها قرار 242 على صيغة «السلام مقابل كل الأراضي». وأكدت على بند آخر من القرار الذي يعنى بـ«حدود آمنة ومعترف بها»، من أجل المطالبة وإبقاء أجزاء واسعة من الضفة الغربية تحت سيادتها.
في خطاب في الكنيست في تشرين الأول 1995 من أجل المصادقة على الاتفاق المرحلي، قال رابين: «نحن نريد أن يكون هذا كيانًا أقل من دولة: حدود دولة إسرائيل، حتى الحل الدائم، ستكون وراء الخطوط التي كانت قائمة قبل حرب الأيام الستة».
نتنياهو الذي انتخب في 1996 كتب قبل عام من ذلك: «خطة الحكم الذاتي تحت سيادة إسرائيل هي البديل الوحيد». باراك الذي أزاحه في 1999، رفض استخدام مفهوم «دولة فلسطينية»، ورأى أن هدف الاتفاق هو تقسيم معقول ليهودا والسامرة.
المفاوضات على الاتفاق الدائم والتي بدأت في نهاية 1999، أبرزت الاختلاف المبدئي بين رؤية الطرفين، وشجع الادعاء بشأن المصلحة الإسرائيلية الأساسية في الضبابية والامتناع عن تحديد المخطط الدائم.
من ناحية الفلسطينيين، فإن المفاوضات استهدفت الوصول إلى تحقيق حقوقهم كما حددتها «الشرعيات الدولية» وليس كنتيجة لعدم التناظر القائم مع إسرائيل. بناءً على ذلك فقد طالبوا أن تبدأ المفاوضات بالموافقة على المبادئ القائمة على القرارات الدولية، وفي مرحلة ثانية تتناول التفاصيل فقط. في المقابل، طالبت إسرائيل بالموافقة على التفاصيل حتى في صورة لا تتواءم مع القرارات الدولية. وفي مرحلة لاحقة يتم تقرير أن التفاهمات التي تم إنجازها تعبر عن القرارات الدولية.
هذه المقاربة أوجدت مفاوضات، بقي للفلسطينيين فيها أن يتمسكوا بموقفهم المبدئي، في حين أن إسرائيل تغير موقفها من جولة إلى أخرى. هذا النموذج سرعان ما ولّد أسطورة مرفوضة في أوساط الجمهور الإسرائيلي تقول إنه «في كل مرة يعطون فيها شيئًا للفلسطينيين فإنهم يطلبون المزيد».
الفلسطينيون لم يطلبوا المزيد، بل دائمًا طالبوا بالشيء نفسه، حتى يتم قبول موقفهم من قبل إسرائيل والولايات المتحدة في عملية أنابوليس في 2008. في المرحلة الثانية أظهروا مرونة في المواقف وقبلوا فكرة تبادل الأراضي التي تمكن بقاء معظم الإسرائيليين الذين يسكنون خلف الخط الأخضر تحت السيادة الإسرائيلية. إضافة إلى ذلك، فإن هذا النموذج من المفاوضات أدى إلى تضييع وقت ثمين ومكّن المعارضين في كلا الطرفين في التسبب بتآكل الثقة بين الجانبين عن طريق إرهاب قاتل وتوسيع مشروع الاستيطان.
إن غياب مخطط للحل الدائم في أوسلو والخطوات التي اتخذها الطرفان لتشكيل الواقع حسب رؤيتهم، جبت ثمنًا دمويًا باهظًا وزائدًا. الواقع الحالي، حتى وإن لم يكن بالإمكان معرفة كم من الزمن سيستمر، يخدم أكثر مصالح معارضي الاتفاق في إسرائيل.
إسرائيل تخلت عن مسؤولية إدارة حياة الفلسطينيين ونقلتها للسلطة الفلسطينية، التي تقع تحت مسؤوليتها 40 في المئة فقط من المنطقة، وموازنتها قائمة على سخاء الدول المانحة. ضاعفت إسرائيل عدد الإسرائيليين في الضفة بثلاثة أضعاف، وراحت تتحكم باقتصادها. وهي مؤخرًا تحظى بتأييد غير محدود من الإدارة الأمريكية وأعضاء الائتلاف الحاكم لضم أجزاء واسعة من الضفة وانقراض حل الدولتين.
هنالك من يؤمنون بأن «الصفقة النهائية» للرئيس ترامب سيكون فيها ما من شأنه تسوية النزاع. ثمة عبر أخرى أُخذت من عملية أوسلو؛ ففيما يتعلق بالهدف النهائي وبناء الثقة بين الطرفين، يقتضي أن يُشكل عمود أساسي في كل محاولة مستقبلية.
شاؤول أريئيلي
هآرتس 9/10/2018