صيغة لتسوية إسرائيلية ـ فلسطينية

حجم الخط
0

بعد أكثر من سبعين سنة على وجود إسرائيل، فإن الرؤيا الصهيونية لدولة إسرائيل، مثلما نصت عليه وثيقة الاستقلال، لا تتناسب مع واقعها الحالي، بل وأكثر من ذلك، مع الميول المستقبلية الناشئة عنه. هذا واقع «تنزلق» فيه إسرائيل رويدًا رويدًا وبالتدريج إلى تثبتها كدولة واحدة لشعبين بين البحر المتوسط ونهر الأردن. دولة كهذه بالضرورة ستكف عن أن تكون يهودية أو ديمقراطية، ولن تتمكن من اتباع مساواة كاملة بين مواطنيها فيما يكون شعب ما محكومًا من شعب آخر بخلاف إرادته.
لقد أجرى معهد بحوث الأمن القومي الذي يرى في هذا التدهور خطرًا على مستقبل دولة إسرائيل، بحثًا جذريًا في جملة من المستويات، وفحص سلسلة من الخيارات لبلورة صيغة سياسية ـ أمنية، مسؤولة وواقعية تسمح بانفصال سياسي وإقليمي عن الفلسطينيين. والاستنتاج الواضح الذي نبع من هذا البحث هو الضرورة للتوجه إلى صيغة متعددة المسارات مع أفق واضح، لا يكون مفروضًا بسبب ضغط دولي أو في أعقاب حدث تكتيكي كهذا أو ذاك، بل يعبر عن سياسة تتضمن في مركزها مبادرة إسرائيلية مستقلة لتصميم مستقبلها على نحو أصح، في ظل الحرص على المعايير الحيوية للحفاظ على طابع وأمن إسرائيل على المدى البعيد.
ظاهرًا، إسرائيل والفلسطينيون، على حد سواء، ملتزمون (بشكل معلن على الأقل) منذ 25 سنة بحل الدولتين للشعبين، الذي يفترض أن يتحقق في المفاوضات وتوفير رد متفق عليه ونهائي في تسوية دائمة لكل المسائل الجوهرية: الحدود، والقدس، واللاجئين، والأمن. ولكن الطرفين فشلا في تحقيق الاتفاق المرة تلو الأخرى، فيما أن فشل المفاوضات التي أدارها وزير الخارجية جون كيري في 2014 كشف مرة أخرى عن الفجوات المتسعة في مواقف الطرفين في محاولة للوصول إلى اتفاق دائم. يتبلور الرأي في أوساط الطرفين بأن الاتفاق الدائم ليس ممكنًا في السنوات القريبة القادمة.
فالميول الحالية في الرأي العام وفي القيادات في تل أبيب، ورام الله وغزة، تسد الطريق في وجه حل شامل متفق عليه ومستقر للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. لقد تثبت في إسرائيل فهم «إدارة النزاع» انطلاقًا من فرضية قوية بأن المخاطر فيها أدنى من التوقيع على الاتفاقات بمبادئ ليست مقبولة على إسرائيل وتعرض أمنها للخطر. حتى وإن كانت هذه السياسة صحيحة على المدى القصير، فواضح أنه على المدى البعيد يؤدي استمرار سيطرة إسرائيل على الشعب الفلسطيني وتعميق الاستيطان في قلب الأرض الفلسطينية إلى مس خطير بالطابع اليهودي، والديمقراطي والأخلاقي للدول.
يعرض معهد بحوث الأمن القومي في بحثه صيغة عمل لتحسين وضع إسرائيل الاستراتيجي في الساحة الإسرائيلية الفلسطينية.
هذه ثمرة عمل بحثي معمق ومتعدد الأبعاد، شارك فيه باحثات وباحثو المعهد، إلى جانب طاقم إرشاد خارجي ضم مسؤولين كبارًا في المستويين السياسي والعسكري، يعرفون بعمق المحيط السياسي والأمني لإسرائيل، كانوا في مركز اتخاذ القرارات فيها في العقد الأخير. تعكس الصيغة تصميم إسرائيل على العودة إلى سياسة مؤيدة للفاعلية لتغيير الاتجاه والميول الإشكالية التي تتطور فيها إسرائيل في المدى البعيد.
لقد صممت الصيغة في أعقاب بحوث مقارنة، تضمن فحصًا وتحليلالبدائل سياسية مختلفة وسيناريوهات مستقبلية محتملة، وغايتها تصميم واقع استراتيجي محسن لإسرائيل في ميل انفصال سياسي، إقليمي ومدني عن الفلسطينيين. الهدف واضح: صد تدهور الطريق إلى دولة واحدة، وحفظ قدرة الخيار والمرونة الإسرائيلية بين خيارات مختلفة في المستقبل.
تقوم الصيغة على أساس النتيجة البحثية التي تقول إن الرأي العام في إسرائيل ومعظم أجزاء الطيف السياسي في إسرائيل، يرون بالإيجاب الانفصال عن الفلسطينيين، إضافة إلى أساس الفحص المعمق لمواقف الأسرة الدولية وقسم من الدول العربية. لمثل هذه الصيغة احتمالية لا بأس بها لنيل التأييد ـ حتى وإن كان متحفظًا ـ من أجزاء من الجمهور والقيادة الفلسطينية.
ولكن من المهم التشديد على أن الصيغة تسمح بتصميم واقع استراتيجي محسن لإسرائيل حتى في غياب استعداد فلسطينيين للوصول إلى توافقات وتسويات سياسية. في هذا السياق ينبغي التشديد على أن الصيغة لا تقترح حلاسياسيًا شاملًا، ولهذا فإنها لا تتضمن حلولادائمة للمسائل الحساسة ـ القدس والحرم، واللاجئين والمستوطنات ـ التي يتقرر مصيرها في اتفاق شامل مستقبلي.
المفهوم الأمني في الصيغة لا مساواة فيه، انطلاقًا من الفهم بأنه دون أمن لا يمكن لأي حل أن يصمد. ويستند مفهوم الأمن إلى حرية عمل تنفيذية للجيش الإسرائيلي في كل الأرض من غرب الأردن، في ظل تقليل الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين، واستكمال الجدار الأمني، والسيطرة الحصرية في غور الأردن والمعابر والمواقع والمحاور الاستراتيجية؛ وتعزيز التعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية وتعميق التنسيق العملياتي مع الدول المجاورة ـ مصر والأردن.
تشير الصيغة إلى عدد من المسارات للوصول إلى الهدف، في ظل التمسك بمبدأ منظم يقضي بأنه يجري في كل وقت تقدم مصمم لا يتوقف في حالة الوضع الراهن «الستاتوسكو» إذا ما سد أحد الطرق. والانتقال بين المسارات يتم وفقًا لتقويم الوضع الاستراتيجي وانطلاقًا من الفهم بأنه ليس صحيحًا الإبقاء بيد الفلسطينيين الفيتو على صورة دولة إسرائيل المستقبلية.
تتضمن الصيغة خطوات تثبت المصالح الإسرائيلية وتخلق مسارات سياسية وأمنية في حالة عودة الفلسطينيين إلى المفاوضات، ولكن في غياب اختراق سياسي تثبت الصيغة بأن إسرائيل في «حالة توقف» أكثر أمنًا واستقرارا.
ويستند التطبيق إلى المرحلية والتنوع، ما يتيح مرونة في الاختيار بين مسارات التقدم، وفقًا للظروف السياسية المتغيرة ومدى تعاون السلطة الفلسطينية. تتضمن الصيغة في داخلها المصالح السياسية والأمنية والإقليمية لإسرائيل، وتحسن شرعية إسرائيل ومكانتها الدولية والإقليمية، وتدعم تعزيز قدرة الحكم والاقتصاد والبنى التحتية الفلسطينية.
في السنوات القريبة، ثمة نافذة فرص نادرة لدولة إسرائيل، تلتقي فيها ظروف استراتيجية وسياسية فضلى تسمح باتخاذ سياقات تحسن وضعها الجغرافي السياسي. نحن نرى في تطبيق الصيغة أمر الساعة وفرصة لتصميم مستقبل دولة إسرائيل وترسيخ الرؤيا الصهيونية التي على صورتها تصممت وتواصلت في غايتها دولة يهودية، ديمقراطية، آمنة وأخلاقية، ذات شرعية داخلية ودولية.

عاموس هرئيل
منشورات معهد بحوث الأمن القومي 9/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية