■ أدرجت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي يوم الخميس 22 أيار/مايو الماضي حركة «بوكو حرام» النيجيرية ضمن قائمة الجماعات المنتمية أو المرتبطة «بتنظيم القاعدة»، وبالتالي تصبح مشمولة بسلة العقوبات التي تفرض على التنظيمات الإرهابية والتي نص عليها القرار 1267 لعام 1999. وكان تنظيم بوكو حرام قد أعلن مسؤوليته عن اختطاف نحو 276 فتاة تتراوح أعمارهن بين 12 و17 سنة من بلدة شيبوك في ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا، منتصف نيسان/أبريل الماضي. كما عاد التنظيم واختطف المزيد من الفتيات وهدد ببيعهن على أساس أنهن سبايا، ثم عاد التنظيم ليضرب مرة أخرى، وذلك بالقيام بتفجيرين في سوق مزدحم بمدينة جوس وسط البلاد يوم 21 مايو خلفا أكثر من 120 قتيلا. هذه الأعمال الأخيرة وعشرات العمليات الإرهابية كانت وراء إدراج المجموعة ضمن قائمة تنظيمات القاعدة المشمولة بالعقوبات. الغريب في الأمر أن علماء المسلمين وفقهاءهم الذين يسرعون في إصدار الفتاوى على كثير من الأمور الثانوية، خاصة في ما يتعلق بجسد المرأة بقوا صامتين أمام هذه الحوادث العظيمة التي تطال آثارها السلبية صورة الإسلام والمسلمين، وتشوه كل ما جاء به الإسلام من تعاليم سمحة وترسم صورة كريهة عنيفة خالية من الرحمة والعدل عن الإسلام والمسلمين، وبالتأكيد سيدفع ثمنها أبرياء مسلمون في أكثر من بلد وستنتشر الجماعات المتطرفة من الأديان والأعراق الأخرى للانتقام من المسلمين أو تخوفا منهم أو اتقاء لشرهم، والنتيجة أن هناك رؤوسا ستتدحرج وأطفالا سيذبحون ومنازل ستهدم وقرى ستحرق ومجتمعات ستهجر. جرائم بشعة ترتكب مرة باسم الإسلام ومرات انتقاما من المسلمين. فمتى يصحو رجال الإفتاء ويرفعون عالي الصوت على من اختطفوا الإسلام وشوهوه ويصدرون فتاواهم الواضحة بتحريم مثل هذه الأعمال المشينة وتجريم كل من يرتكبها بغض النظر عن المكان أو الزمان أو اللون أو العرق أو الدين.
بوكو حرام واستثمار الشعور بالتهميش والظلم
نيجريا تكاد تكون مقسومة مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. ففي عام 2012 وحسب تقرير مؤسسة بو للدراسات هناك 49.3٪ من سكان نيجيريا مسيحيون و48.8٪ مسلمون. وبحلول عام 2030 سيتفوق المسلمون عددا على المسيحيين. لم تكن هناك حساسية بين الأديان في البلاد، بل كان التجاذب حول قضايا اقتصادية وحكم العسكر والفساد المستشري. فقد ترأس البلاد مسلمون مثل إبراهيم بابنجيدا وعبد السلام أبو بكر، كما تسلم الرئاسة بالانتخاب أوليسيغون أوباسنجو والرئيس الحالي غودلك جوناثان، الذي فاز في انتخابات حرة وشفافة في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ضد منافسه المسلم محمدو بخاري. تطوران حدثا في العشر سنوات الأخيرة أديا إلى سرعة التجاذبات الدينية: انتشار الحركات التبشيرية المسيحية في البلاد، بشكل غير مسبوق من جهة، ودعوات تطبيق الشريعة في بعض الولايات ذات الغالبية المسلمة من جهة أخرى. الحق يقال إن هناك مجموعة من المظالم ظل يشعر بها سكان شمال نيجريا المهمش في أكثر دول القارة الأفريقية سكانا، وغالبيتهم من المسلمين.
لقد بقيت المناصب الأساسية وتركيبة الجيش وأجهزة الأمن والصناعات والتجارة والعمران وصناعة النفط في وسط البلاد وجنوبها، وتنامى لدى سكان الشمال شعور دفين بأن الدولة التي لا تمد يدها لهم بالمساعدة فلماذا نبقى مخلصين لها. إن شأن المسلمين في نيجيريا شأن بقية الجماعات العرقية أو الدينية التي تشعر بالتهميش والإبعاد والتمييز. تبدأ هذه الجماعات تفرخ مجموعات غاضبة تلتقي على أرضية رفض القهر والظلم والتهميش. وسرعان ما تفرز هذه التيارات جماعات حاقدة تريد أن تصحح الأمور بالقوة، فيأتي شخص أو أشخاص تتلمذوا على أيدي الجماعات المتطرفة فيستثمرون الأوضاع ويحولون التيار إلى تنظيم والغضب والشعور بالتهميش إلى أيديولوجية ويسيرون في الحل الذي يرونه واحدا وحيدا: القتل والخطف والتدمير وبث الرعب في كل من يختلف معهم. يتحمس كثير من الشباب الذين يسارعون للانضمام إلى هذه المجموعات نوعا من ممارسة الرجولة من جهة وطريقة سهلة لجمع المال أو اغتصابه وإسقاط عقدة الدونية التي عانوا منها على خصومهم، فيتحولون إلى وحوش كواسر ويصبح ذبح الطفل أو المرأة الحامل أو الشيخ المسن أو حرق القرى وتهجير السكان أمرا عاديا يمارسه الفرد منهم ولا يرف له جفن.
وكم شاهدنا في السنوات العشر الأخيرة في العراق والشام وباكستان والصومال ومالي رجالا شعثا يتلّون جبين الضحية ويبسلمون وينحرونه كالشاة أمام الكاميرا، بل منهم من يحمل الرأس في يديه ويلوح به أمام الناس كأنه «مخاريق بأيدي لاعبين» على رأي عمرو بن كلثوم. هذا ما حدث في شمال شرق نيجيريا وأنتج «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، المعروفة عالميا باسم «بوكو حرام» أي التعليم الغربي حرام، التي بدأت نشاطاتها شمال شرق نيجيريا وعلى حدود النيجر وكاميرون. أسسها محمد يوسف عام 2002 بالضبط على طريقة طالبان الأفغانية، من الطلبة الذين قرروا أن يهجروا المدارس ويمتشقوا السلاح لتكتمل ثنائية الجهل والسلاح، وهما عنصران ما اجتمعا لامرئ إلا كان للجريمة من تصرفه نصيب كبير. وهدف الجماعة كما يقولون تطبيق الشريعة وبناء دولة الخلافة الإسلامية. فهل ممارسات هذه المجموعة تشير من قريب أو من بعيد إلى قيام دولة العدل والمساواة؟
بوكو حرام وسلسلة الجرائم الفظيعة
منذ أن أنشأ محمد يوسف التنظيم أعلن أن الهدف هو «إقامة دولة إسلامية نقية تؤسس على الشريعة». وترفض المجموعة كل ما له علاقة بمناهج التعليم الغربية وتعتقد أنها تفسد الأجيال وتبعدهم عن دينهم. وبدأت المجموعة تهاجم الكنائس والمدارس ومراكز الشرطة والجيش والدوائر الحكومية وخطف السياح واغتيال المسلمين الذين يوجهون نقدا للمجموعة، ويقدر عدد الذين قتلوا على أيدي الجماعة نحو 10000 إنسان. وتنتشر خلاياها غير المنضبطة لتنظيم هلامي لا يمارس كثيرا من المركزية التنظيمية في ولايات الشمال والشرق، خاصة في ولاية بورنو وأدماوا وباوشي وكانو ويوبي. وقد بنت علاقات مع تنظيم القاعدة في المغرب العربي وتنظيم الشباب في الصومال وحركة الوحدة والجهاد في غرب أفريقيا ومجموعات إسلامية متطرفة أخرى في القارة الأفريقية.
في بدايات عام 2013 وسع الجيش النيجيري عملياته ضد المجموعة، ما أدى إلى تشريد أكثر من 90000 شخص، انضم بعضهم لصفوف بوكو حرام، ثم قامت القوات النيجيرية وسلطات السجون بتصفية 950 عنصرا من عناصر بوكو حرام أثناء فترة اعتقالهم في السجون الحكومية، ما دفع المجموعة الى أن تصعد من عملياتها ضد الدولة والمدنيين. بدأت المجموعة حملة عنيفة موجهة ضد المدارس منذ صيف 2012. وقد هاجمت مدرستين في حزيران/يونيو 2013 وقتلت 22 طفلا. وفي تموز/يوليو هاجمت مدارس في بلدة مامودو وقتلت 42 شخصا، معظمهم طلاب مدارس صغار. وفي 29 أيلول/ سبتمبر 2013 هاجمت مدرسة زراعية في بلدة يوبي وقتلت نحو 50 طفلا، وهم هاجعون في بيوت الطلبة، ثم جاءت حادثة خطف الفتيات الأخيرة من مدارسهن التي تعتبر أجرأ وأخطر عملية قامت بها المجموعة، كما أنها وحدت المجتمع الدولي ليس فقط في اعتماد قرار مجلس الأمن الأخير، بل في الاستعداد لتقديم كافة المساعدات للحكومة النيجيرية للبحث عن الجناة وتحرير الفتيات كذلك.
إن إدراج بوكو حرام على قائمة العقوبات التي تلحق بتنظيمات القاعدة يعني أن مجلس الأمن قد اتخذ خطوة مهمة في تأييد جهود نيجيريا لهزيمة بوكو حرام ومثول قيادتها أمام العدالة بسبب ما ارتكبته من فظائع. كما أن مجلس الأمن بإضافته بوكو حرام للقائمة بموجب القرار 1267 والقرارات اللاحقة يكون قد أغلق العديد من المنافذ لتمويل وتسليح جماعة بوكو حرام ومنع قياداتها من السفر. كما أن مجلس الأمن عبر عن موقف دولي موحد ضد ما ترتكبه هذه الجماعة من أعمال وحشية.
أين علماء المسلمين؟
الغريب أن حادثة خطف الفتيات الصغيرات اللواتي لم يتجاوز بعضهن سن الثانية عشرة، أثارت العديد من التساؤلات عن دور المؤسسات الدينية وجماعات المجتمع المدني العربي التي آثرت الصمت. كيف يمكن لذي ضمير أن يرى مثل هذه الجرائم ترتكب بحق أطفال ولا يهتز كيانه من الأساس؟ لماذا تنشغل المؤسسات الدينية بكل ما هو غريب وهامشي وفرعي لتصدر الفتاوى فيها، ولكنها تصمت أمام جريمة كهذه هزت ضمائر الناس في كل مكان؟ بعض مطلقي الإفتاءات يقولون بعدم جواز قيام المرأة ببيع الموز أو لف الدوالي أو تحضير المحشي وحرم بعض فقهاء الحنابلة قص المرأة لشعرها. ورأى آخر ألا مانع أن تقرأ المرأة الحائض والنفساء كتب الأدعية، وأفتي شيخ معروف بعدم جواز ركوب المرأة وحدها مع سائق غير محرم، وآخر أصدر فرمانا بعدم جواز تعليم المرأة بالعمل في مجالات تخص الرجال، التي قد تسلتزم الاختلاط، ويمكنها أن تعمل مدرسة بنات أو خياطة في بيتها. أهذه الأمور هي التي تهم الأمة الآن؟ كيف للمؤسسات الدينية أن تصمت عما يجري من استهداف للآثار القديمة والكنائس التاريخية والمعابد المشهورة؟ لماذا ينشغلون بتوافه الأمور عما يجري على مستوى العالم من محاولات جادة لتشويه الإسلام والمسلمين، مستغلين أعمالا شائنة، مثل أعمال بوكو حرام. أليس هذا الصمت المريب هو الذي يعزز الصورة النمطية عن العرب والمسلمين في البلاد الغربية؟
فمتى تنهض هذه الأمة من سباتها وتضع حدا لكل من يرتكب مثل هذه الجرائم باسم الإسلام، التي سيدفع المسلمون في بلادٍ هم فيها أقليات ثمنا باهظا عنها؟ المطلوب الآن العمل الجماعي بقيادة مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني لاجتثاث هذا الفكر الأهوج الذي بلورته عقول جامدة ليس لها علاقة بحاضر الأمة الأسلامية ولا هي مدعوة للمساهمة في بناء مستقبل لها.
٭أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام