سمية بعلبكي: المتغيرات الفنية سريعة ونحن مستهلكون ولسنا مؤثرين

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ«القدس العربي»: «وصفولي عيونك» أغنية من نوع الطرب أرادتها سمية بعلبكي بداية لعودة جديدة بعد غياب سنوات في الدوحة. مجموعة من الأغنيات أعدتها وباتت جاهزة للصدور تباعاً بينها قصيدة «إمرأة شرقية» للشاعر نزار قباني.
في قراءة بين بداياتها والآن، تعترف بأن التغيير سريع ويفرض الفكر الرأسمالي. وفي النهاية كل ما على الأرض متحرك وليس ثابتا. ورغم ذلك تبقى لسمية بعلبكي صورتها المطبوعة في الأذهان، والتي اجتهدت لتظهيرها، وتتمثل في كونها بعيدة عن الفن كتجارة.
معها هذا الحوار:
■ بعد غياب أغنية جديدة فماذا عنها؟
■ نعم بدأت الإذاعات وموقع أنغامي بث أغنية “وصفولي عيونك” لحن نور الملاح وكلمات نبيل افيوني. أغنية لبنانية المولد لكنها باللهجة المصرية، ومن نوع الطرب. فقد حقق نور الملاح شهرة كبيرة في هذا اللون. “وصفولي عيونك” ليست الأغنية الوحيدة، فقد أنجزت تباعاً عدة أغنيات لأضمها بعد إطلاقها منفردة وبالتدريج إلى ألبوم. معادلات الغناء تبدلت وبات الألبوم يولد بعد صدور الأغنيات ونيلها ما تستحقه من السماع والإنتشار، بعكس المرحلة السابقة. وبات الألبوم من الماضي في سوق الفن.
■ ما هي مواصفات الأغنية التي تفرض نفسها كي تصل للجمهور؟
■ تسويق أي إصدار يعتمد على عوامل متعددة. البحث في التوقيت يتناول مزاج الناس، مشاغلهم وأهواءهم. هو غوص في العوامل النفسية التي تلعب دورها، فهناك أغنية للصيف وأخرى للشتاء. وأغنية للـ”مود” الحزين وأخرى للفرح. تسويق بكل معنى الكلمة. فقد حضّرت في البدء قصيدة “إمرأة شرقية” للشاعر نزار قباني، ومن ألحان إحسان المنذر، لكن الإجماع كان على بث “وصفولي عيونك” كونها شعبية، ومن ثمّ أغنية من ألحان بلال الزين، وبعدها قصيدة “إمرأة شرقية”. وفي جعبتي أغنية مصرية من كلمات الشاعر بهاء الدين محمد. وهناك مشروع لأغنيتن مع ملحن مصري شاب هو محمد صاوي. وهذا التحضير المُكثف يهدف لسد فترة الغياب والحاجة لريبرتوار أوسع في مسيرتي.
■ كيف تميز سمية بعلبكي نفسها في أجواء فنية تغلب عليها التجارة؟
■ كانت بدايتي الكلاسيكية ضمن أطر فنية وأماكن محددة. وفي مرحلة لاحقة غنيت خارج إطار المسرح بما يطلق عليه حفل خاص أي فرح، إنما بقيت ضمن شخصيتي المعروفة. ألبي الحفلات التي تتميز بالشروط والمستوى الذي أطلبه.
■ هل أربكك شكل حضورك الفني في مكان ما؟
■ بل أربكني بعض المهتمين المتحدثين باسمي وبأني أقبل الغناء ضمن شروط صعبة. في رأيي الفنان وحده يقرر أين يكون وليس الآخرون. وليس لأحد تسويق صورة مسبقة عن كيفية حضوره. من جهة أخرى ربما هي هالة حول الاسم ومن حقي أن أسعد بها. وفي الواقع يمكن القول أن تلك الصورة قد تكون ظالمة في أحيان. وأبناء الحلال الذين يتدخلون في قراراتنا كثر كمثل التدخل في تحديد أجر الحفل. وهذا ما أعتبره جزءاً من حرب مغرضة.
■ هل لك القراءة في جديد ساحة الغناء والطرب؟
■ بين بدايتي في التسعينيات والآن أشعر أن عشرين زمناً قد مرّ لسرعة التغيير. حقبة التغيير في بدايات القرن العشرين كانت بين 10 و20 سنة. حالياً قد لا تتخطى حدود التغيير السنة. وكانت الأغنية سابقاً تعيش لأكثر من 10 سنوات. مسار التجدد الدائم يفرضه علينا الفكر الرأسمالي الحديث الذي يركز على الاستهلاك السريع، طلباً لإنتاج جديد في اليوم التالي. الفن هو الأكثر تأثراً بهذا التسويق، وعالمنا العربي مستهدف كونه مستهلكاً وليس منتجاً.
■ كيف تسايرين تلك التغيرات؟
■ ضمن حدود تخدم مصلحتي وتحافظ على شخصيتي. كل إنسان يقدم نفسه في الحياة بطريقة ترضيه. غير صحيح أن يكون الفنانون نسخة موحدة، كما الوجوه التي توحدها عمليات التجميل. التغيير سائد في كافة العصور، لكنّ المختلف أنه كان يحتاج لعقد أو عقدين بين مرحلة وأخرى. حالياً يتسارع التغيير بوتيرة عالية. وكوننا في عالم عربي مأزوم، فذلك ينعكس على الحياة بكافة مفاصلها، والفن جزء من تلك الحياة. والملاحظ أن الفن يتأثر بالتغيير أكثر من كونه مؤثراً.
■ هل كان في بالك أن الحال سيصل لما هو عليه عندما بدأت الغناء؟
■ صراحة لا. ينطلق أحدنا بطموح لا حدود له. عندما بدأت الغناء راودتني مشاعر بأني أتابع طريق العمالقة ممن شكلوا الغذاء الأساسي للفن عندي. مع تواصل النضج اكتشفت أنني كنت أعيش أحلاماً وليس واقعاً. كنت أرى التغيير بطريقة مختلفة.
■ هناك تغير منطقي وضروري في مسيرة الفنان. هل ترسمين مسار التغيير الذي يرضي قناعاتك؟
■ ونحن نسير في رحلة الزمن فإنه يتبدل ويبدلنا معه، سواء وافقنا أم رفضنا. ندخل في حركة التغيير دون انتباه أو قرار منا. ربما يلمس الناس تغيراً في طريقة غنائي، لكني أراه ضمن السياق الطبيعي للحياة. وبما أن الأرض تتحرك وكذلك الطبيعة، وأن الثابت غير موجود، فنحن إذاً من ضمن هذه المنظومة. التغيير الذي ألتزمه يأخذ منحى التكتيك. فيما يشكل الجمود النهاية.
■ هل عشت مرّة حياة النجومية التي تعيشها نجمات الغناء التجاري؟
■ فقط على المسرح أشعر أني نجمة. خارجه حياتي الإنسانية طبيعية، مضاف إليها مزاجي. وهذا ما يسمى بمزاج فني. العالم الذي نعيشه يحكمنا بالعيش في الخيال والحلم. أصر جداً على العيش الطبيعي كوني أحب البساطة. أما الزيف والوهم الموجود في هذا العالم فقد ألعب دوراً ضمنه، لكني أغادره سريعاً وأعود إلى طبيعتي. أهتم بالزرع على شرفات منزلي، أتردد كثيراً إلى الجبال لملامسة الأرض، والإحساس بالطبيعة وسماع زقزقة العصافير.
■ ألم يكن لديك مرافقون وسيارات فارهة وبوزات؟
■ لا كان ولن يكون. زينة الإنسان فكره وشخصيته.
■ هل تلتقين بالزملاء النجوم؟
■ أحياناً وصدفة. واللافت أنني كنت أعتقد انهم بعيدون عن صورتي الفنية. لكني لاحظت لدى بعضهم الود والتقدير.
■ أين أنت من وسائل التواصل الاجتماعي؟
■ لست هاوية له، وهناك من يتابع حضوري عبرها. بين الحين والآخر أرغب في مشاركة بعض الأفكار من خلال شخصيتي البسيطة. ربما هذا ناتج عن شخصيتي المتحفظة.
■ لمن غنيت من الألحان والقصائد؟
■ غنيت لكثيرين، والرغبة كبيرة في الغناء لآخرين.
■ من مثلاً؟
■ كاظم الساهر. لم يحدث أني طلبت لحناً منه، لكني أتمنى. أطمح للتعاون معه. فالعناصر التي تكوِّن هذه الشخصية الفنية بالنسبة لي أكثر من رائعة. أتابعه وأشعر بمشترك بينا فكراً وشخصية.
■ هل كررت التعاون مع ملحن حققت معه نجاحاً؟
■ التعاون الأول مع إحسان المنذر كان عبر قصيدة “لا أريد اعتذاراً” من كلمات الشاعر الراحل أنور سلمان، والتي نلت بناء عليها جائزة المايكروفون الذهبي في مهرجان قرطاج سنة 1994. كررت تعاوني معه كثيراً بعد تلك القصيدة، ونعود حالياً مع قصيدة الشاعر نزار قباني. أنظر لهذه القصيدة كمحطة مميزة في حياتي، وكذلك مع إحسان المنذر صاحب البصمة المميزة في تاريخ الأغنية العربية.
■ لماذا غنيت دون كورال في حفل قصر الأونيسكو في الشتاء الماضي؟
■ كان الحفل من تنظيم المعهد الموسيقي الوطني ومقرراً في نيسان/ابريل. وفجأة تنبه الجميع لمواعيد الانتخابات النيابية، ولارتباط مستجد للأوركسترا الوطنية. تغيير الموعد أدى لإرباك ولم يكن متاحاً تدريب كورال في زمن قصير. هي ثغرة خارجة عن الإرادة.
■ كيف تنسقين مع شقيقك لبنان حين يكون قائد الأوركسترا؟
■ خلال البروفات لا أشعر برابط الأخوة. كل محترف ينسى رابط القربى خلال العمل. أبحث عن التعاون الممتع في العمل. أنا ولبنان ننسى الأخوة، ونرفع “المونة” نهائياً منعاً لصدام مع العاطفة. إنما خلال الحفل يستحيل الهروب كلياً من المشاعر، وأنا من يُعبر أكثر منه. بعفوية نظرت إلى أخي حين كنت أردد موال لصباح يقول “لبنان” وضحكنا معاً وكذلك الجمهور. ففي تلك اللحظة رجعت بالزمن كثيراً وتخيلت مناداتي له وهو طفل بذاك الصوت الممدود.
■ ماذا تقرأين في مشاركة فنانين لبنانيين ضمن مهرجانات الصيف الدولية؟
■ بعد تصاعد الصرخة حول إقصاء الفنانين اللبنانيين عن الحفلات الكبيرة في بلدهم بات الوضع أفضل. كفنانين نرحب بكل من يغني عندنا. ولدينا الرغبة نفسها في الغناء في البلاد العربية وغيرها. في هذا غنى للجمهور والفنان. بعضهم يرى عجقة مهرجانات، وأرى أن زيادتها أفضل بكثير من زيادة أشياء أخرى. في عالم جميعه حروب يبقى نشر الفرح ظاهرة صحية.
■ ماذا عن أغنياتك الخليجية؟
■ ليس غناء خليجياً كما هو سائد. تعاونت مع مجموعة فنانين يجمعني بهم التقدير والمودة. زرتهم مرّة في السعودية حيث توجد صالونات فنية تُعنى بنشر التراث الحجازي، ومن ثمّ كانت لقاءات بين لبنان والدوحة. وسجلت معهم مجموعة ألحان حجازية الطابع، تسوق عبر موقع على يوتيوب اسمه صالون الفن.
■ وماذا عن غيابك سنوات في الدوحة؟
■ لم يكن غياباً كلياً، بل كنت أقيم بين الدوحة وبيروت. كنت في الدوحة مع زوجي المايسترو نبيه الخطيب، حيث أسس هناك “كورال سوار” في “الجزيرة أطفال”. شاركت في بعض نشاطات هذا الكورال ومنها حفل غنينا خلاله رائعة الأخوين رحباني “زهرة المدائن”. تألف الكورال حينها من 70 طفلاً يمثلون 11 جنسية عربية. للأسف توقف هذا المشروع قبل سنة. خلال وجودي في الدوحة أحييت عدداً من الحفلات وسجلت مجموعة أغنيات لإذاعة “صوت الخليج”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية