بادية ظفار العُمانية «ثمريت» عينها على سياحة الصحراء

رلى موفّق
حجم الخط
0

صلالة- «القدس العربي»: حملت ولاية ثمريت الظفارية، كأس تتويجها على ولايات السلطنة. أتى أبناؤها إلى “مهرجان صلالة 2018” للمشاركة في مسابقة الولايات التي تشكّل جزءاً حيوياً من المهرجان السياحي السنوي لمدينة صلالة، مركز محافظة ظفار. تبذل كل من الولايات المتنافسة جهداً كبيراً من أجل إبراز ما تتميّز به من تراث شعبي وعادات وفنون وحِرف وأزياء ومأكولات وألعاب. سبق لثمريت أن شاركت مرّات عدّة في المهرجان، ما جعلها تكتسب تجربة وخبرة أهلتها للفوز هذه السنة بالمرتبة الأولى.
قدّمت “ليلة ثمريت” مشهدية جاذبة عمّا تختزنه هذه الولاية ذات الطبيعة الصحراوية، والتي تُعتبر من أهم الولايات في محافظة ظفار الواقعة في أقصى جنوب سلطنة عمان. أهميتها تنبع من موقعها الاستراتيجي، فهي تربط بين كل الطرق الرئيسية المهمة، وتُعتبر البوابة الرئيسية لمدينة صلالة من الجهة الشمالية، وتبعد عنها حوالي 80 كيلومتراً لناحية بادية ظفار.
تجتهد في الحفاظ على البيئة البدوية التي تُعبّر عنها، ونقل الموروث للجيل الشاب في مواءمة مع تطلعات العصر والتقدّم التكنولوجي والعلمي والعملي. بدت حاضرة سواء في “يوم ثمريت” في المهرجان، الذي احتضن لوحات عدّة عكست نماذج من مختلف نواحي الحياة، أو في البُعد التطويري الذي تسلكه الولاية بدعم المجلس البلدي لمحافظة ظفار والذي يضم ممثلين عن الولايات العشر التي تتألف منها المحافظة، والتي لديها ومحافظة مسقط خصوصية عن باقي المحافظات التسع، إذا لا تخضع ومسقط إلى إشراف وزارة الداخلية، بل يدير شؤون كل منها وزير دولة يشغل موقع المحافظ.
التركيز لا يقتصر على شبكات الطرق الرئيسية، حيث تُشكّل الرابط الأساسي بين ولايات محافظة ظفار بكافة ولايات ومناطق السلطنة، بل يطال بناء الفنادق الفخمة والمنشآت السياحية وتطوير المعالم التراثية التي من شأنها أن تجعل السياحة أحد الموارد الاقتصادية، في ظل توجّه الحكومة الرئيسي إلى تنويع موارد الاقتصاد العماني، وتعزيز السياحة مستفيدة من المعالم الأثرية والطبيعية والموروثات الشعبية التي تكتنزها السلطنة، وبما يتلاءم مع نسق الحياة في كل ولاية.

تعزيز الموروث

نحو 300 من الشيوخ والأعيان من أبناء الولاية بمناطقها المختلفة متنوعي الأعمار، كبار وشباب وصغار، نساء ورجال، عملوا يداً واحدة على مدى أكثر من أربعة أشهر في التحضير لليوم الكبير لولايتهم. تحضيرٌ قطعه لبعض من الوقت، إعصار “مكونو” الذي ضرب جنوب السلطنة في أيار/مايو الماضي، واستطاعت السلطات التعامل سريعاً مع الأضرار التي أحدثها.
لكل ولاية والٍ يقوم بتسيير شؤون الإدارة المحلية، ويشكل همزة الوصل بين الحكومة ومؤسساتها وبين المواطنين. والي ثمريت الشيخ مسلم بن أحمد بن عبد الله الحضري الذي كان حاضراً مع كبار المسؤولين، مشرفاً على مشاركة ولايته في مهرجان صلالة السياحي الذي امتد على مدى 45 يوماً، عبّر ليس فقط عن ارتياحه بما قدّمه أبناء ثمريت من عروض وأعمال كانت ثمرة تدريبات طويلة، بل عن الطموح الذي يحمله وأبناء الولاية للمستقبل. فالحرص على تراث الأجداد والسعي للحفاظ عليه، وتأمين الاكتفاء الذاتي لولايته الذي هو هدف في الحسبان، لا يعوّق تلك الرغبة بالتواصل مع الخارج، وفي جذب أطياف واسعة من المحافظات الأخرى إلى محافظة ظفار وتحديداً إلى ثمريت.
هي مقصد للسيّاح الأجانب، وتساهم في صناعات النفط والزراعة، واستخراج اللبان النجدي. فظفار هي “أرض اللبان والبخور” في الجزيرة العربية، وبوابة عُمان على المحيط الهندي ومعبر القوافل في جنوب شبه الجزيرة العربية، وتُقدّم على أنها بوابة التقدّم والتطوّر والازدهار في مسيرة عُمان الحديثة.
كانت ولاية ثمريت تُعرف قديماً باسم “مدوي”. وقد اكتسبت أهميتها نتيجة موقعها الاستراتيجي في البادية الذي شكّل تجمعاً للقوافل المتجهة إلى كافة ولايات محافظة ظفار. تضم سبع مناطق تُسمى “نيابات”، وتتميز بمناخها الصحراوي الحار، فصيفها شديد الحرارة وشتاؤها دافئ وأمطارها شحيحة. وفيها العديد من المحميات الطبيعية التي تكثر فيها أنواع متعددة من الحيوانات البرية كالغزلان والأرانب والطيور بأنواعها.
في الولاية مواقع أثرية مهمة وخاصة منطقة الشصر، بعدما تم اكتشاف مدينة أوبار، التي أكدت الدراسات أنها كانت مركزاً تجارياً هاماً لتجميع اللبان والتجارة. وتحتضن الشصر نبع ماء وحيداً في الصحراء الواقعة إلى الشمال من ثمريت مما جعلها أرضاً خصبة للاستيطان منذ ما يزيد على سبعة آلاف سنه. وكذلك هناك واحة هانون، التي كانت في العصور القديمة موقعاً لتجميع اللبان، وكذلك منطقة “مضي” المشهورة بالآثار الإسلامية ولا سيما الأضرحة، وعين مشديد.

حداثة تحاكي التاريخ

في ساعات قليلة، اختصرت دهراً من تاريخها ومن عاداتها وتراثها وثقافتها. في لوحة الفنون الشعبية، كانت عروض عن فن كل من التغرود والهبوت واليولة والبرعة والرعباء واللولاي، وعن المهيد، الذي يؤديه الرجال والنساء. لوحات جسّدت الفنون التقليدية المرتبطة بحياة البدوي ونمط البادية عموماً والعُمانية خصوصاً. أما في لوحة الألعاب الشعبية، فكان للرماية حضور مميز إلى جانب المصارعة وألعاب “اللحيم وبكيرة ودعنوتن”.
اشتهرت منذ القِدَم بإقامة سباقات الهجن ذات الطابع المميّز والخاص، وفيها مضمار كبير وشامل خُصص لكافة ولايات محافظة ظفار حيث يقام به سباق الهجن سنوياً، ويتزامن هذا السباق مع احتفالات السلطة بالعيد الوطني من كل عام.
سكان ثمريت عددهم 13523 نسمة (حسب إحصاء العام 2010)، وهم من البدو الذين استوطنوا بادية ظفار قبل العام 976 قبل الميلاد. ويعودون في نَسبهم إلى قبائل “بيت خوار” و “الراشدي” و “بيت كثير”، ويُعرفون بسمتي الكرم والشهامة اللتين هما مِن سمات أهل البادية.
ارتبط اسمهم باستخراج اللبان، تلك الشجرة الخيّرة، والتي تم تصديرها إلى العالم، فباتت تُعرف أرض ظفار بها. تجارة القوافل البرية جزء من تاريخهم. ويعتمدون في الحياة على تربية حيوانات الإبل، سواء أكانت الإبل الحلوب، أم إبل الركوب والسباقات. ويربي معظم أهاليها الأغنام، وخاصة في مناطق النجد والسهول القريبة من الجبال من ناحية الجنوب والجنوب الغربي.
في الحِرف التقليدية والصناعات، تبرز صناعة السعفيات وخاصة من أغصان شجرة صغيرة تشبه النخلة في شكلها وتسمى “السعف”. يتفننون في صناعة الجلود، والنسيج، وفي النحت على العظام، وفي صناعة البخور، والبيت البدوي الذي يتضمن صناعة القتب والشداد والهده. ورغم مناخها الصحراوي الحار، وبفضل وسائل التنمية الحديثة، عرفت ثمريت الزراعة في بعض مناطقها ومن أهم محاصيلها الخضروات والفواكه والحشائش.
أما المأكولات الشعبية، فهي تشتهر بالهريس والعصيدة والثريد والمعجين واللقميات والمقصقص والروبة والدهن والنجوس. كلها أطباق جهدت نساء ثمريت لتقديمها في المهرجان.

دور عسكري

موقع ثمريت الجغرافي، الذي جعلها تلعب دوراً مهماً في تاريخ الحضارة العُمانية، ساعدها أيضاً لتكون رافداً رئيسياً في دعم القوات المسلحة العُمانية، فهي تضم أول قاعدة عسكرية للقوات الجوية العمانية، لعبت دوراً فعالاً في مساندة القوات الأمريكية وحلفائها خلال عمليات “درع الصحراء” و “عاصفة الصحراء” وخلال الحرب على الإرهاب في أفغانستان. كما شهدت قاعدتها في العام 2009 تدريبات مشتركة بين القوات الجوية العُمانية وأسراب من القوات الجوية الهندية، ناهيك عن التدريبات المستمرة التي تعزز القدرات الجوية للسلطنة.

العين على المستقبل

مشاريع مستقبلية تنوي الولاية تنفيذها في ثمريت. في خريطة المشاريع تطوير بعض المواقع السياحية وهي عين عيون في منطقة عويان، التي تبعد عن الولاية حوالي 60 كيلومتراً من جهة الجنوب، وعين الحشمان، التي توجد في نيابة الحشمان وتبعد عن الولاية حوالي 180 كيلومتراً من جهة الشمال الغربي مع استعراض تاريخ وأهمية الموقعين قديماً وحديثاً والاستفادة منهما في الوقت الحاضر والمستقبل كمعلمين سياحيين تمت دراستهما من كل الجوانب، وتطوير بعض المواقع السياحية الواعدة التي تملك موقعاً متميزاً ويرتادها كثير من السياح من داخل السلطنة وخارجها.
لا يُخفي والي ثمريت “الطموحات غير المحدودة”. فكما يأتون من بقاع السلطنة ومن الجوار الخليجي في الخريف لحضور مهرجان صلالة الذي يُشكّل علامة فارقة وحدثاً اجتماعياً وسياحياً وتراثياً وثقافياً وفنياً، ويُحرّك الدورة الاقتصادية في مناطق الجنوب، فهو يأمل أن يتم ربط ثمريت برزنامة سنوية، بحيث تكون هناك مناسبات أو أسابيع للتسوّق ولإحياء التقاليد والعادات تضاهي مهرجان صلالة. وفي البال أن يتحقق جزء من الحلم العام المقبل، تبقى هذه الولاية تعيش عرساً متواصلاً بأجمل الفنون البدوية وحسن الضيافة والموروثات الشعبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية