غييوم بيرييه في “رجب طيب اردوغان، طموح وسلطة”: خلافه مع حلفائه السابقين مرتبط بدعمه القضية الفلسطينية

سمير ناصيف
حجم الخط
0

يصعب على بعض المحللين السياسيين العالميين والإقليميين فهم أسباب خلاف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، في السنوات الأخيرة مع بعض حلفائه الغربيين (أمريكا وبعض دول أوروبا) ومع بعض رفاق دربه السياسيين الأتراك. هؤلاء الكتّاب قد لا يدركون ان أحد أسباب الخلافات الأساسية ربما يعود لتعاطفه مع القضية الفلسطينية والتزامه القيم الإنسانية والإسلامية في هذا المجال، حتى إذا كان هذا الأمر سيدفعه إلى التضحية بعلاقته مع أمريكا وإسرائيل وتوجهه نحو المحور الروسي، الإيراني، كما يفعل حالياً.
كتاب “رجب طيب اردوغان، طموح وسلطة” للصحافي الفرنسي غييوم بيرييه يتناول هذه الحقيقة.
في الفصل السابع، الصفحة (152) يقول الكاتب الذي أمضى فترات طويلة من حياته في تركيا، ان “أول تصدّع خطير في تحالف اردوغان مع الإسلامي ـ السياسي فتح الله غولن سببه حادث الباخرة التركية مافي ـ مرمرة، المتوجهة إلى غزة لتحدي الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع. ففي 2010 وبدعم من اردوغان ووزير خارجيته السابق أحمد داود أوغلو، ذهبت السفينة في اتجاه غزة فاعترضها الكوماندوز الإسرائيلي في عرض البحر وقتل عشرة ناشطين أتراك على متنها، ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل. وبدلاً من ان يسكت غولن، حليف اردوغان المفترض والمقيم في الولايات المتحدة والمتعاون مع أجهزتها الأمنية، أو يعبّر عن حزنه على الضحايا الأتراك الشهداء الذين سقطوا في العملية، قرر ان ينشر في صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية مقالاً أشار فيه إلى ان منظمي هذه الرحلة كان يجب ان ينسّقوا مع إسرائيل ويحصلوا على موافقتها قبل الانطلاق في رحلتهم! وبعكس اردوغان الذي اعتمد الدبلوماسية الفاعلة في علاقته بالقضية الفلسطينية وبإسرائيل وحاول ان يشرف على مفاوضات بين الجانبين، فقد ركز على ضرورة التحالف القوي مع إسرائيل والاستخبارات الأمريكية المؤيدة لها ووضع اردوغان في موقع محرج.
وهذا الأمر، ظهر جلياً في خلفيات محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016 حيث يقول المؤلف، انه بعد إسقاط الجيش التركي طائرة حربية روسية في 2015 بسبعة أشهر حاول اردوغان ان يدفن فأس الحرب بين تركيا وروسيا، وقدم أسفه لإسقاط الطائرة الروسية وعبّر عن رغبته في استئناف التعاون التركي مع روسيا في شؤون الطاقة والاقتصاد وفي تجاوز التناقضات العميقة بين الدولتين عموماً وحول الحرب السورية واغتيال السفير الروسي في أنقرة، في مبادرة تمت عام 2016. ولكن بعد ذلك بشهر واحد فقط جرت محاولة الانقلاب العسكري ضد اردوغان المدعومة من جماعة غولن والجهات التي تخشى التقارب التركي ـ الروسي.
الكاتب ربما أراد الإشارة أيضاً إلى ان هذا الانقلاب فشل ليس فقط بسبب التأييد الشعبي الداخلي لاردوغان بل لإدراك روسيا أن المحور الأمريكي، الإسرائيلي الداعم لغولن كان يسعى لإفشال الانفتاح التركي ـ الروسي. وقد طُرحت أسئلة حول هوية السلاح الجوي الذي اعترض الطائرات الانقلابية التي كانت تقصف البرلمان التركي في أنقرة وأفشل الانقلاب.
كما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واردوغان ظهرا نهاية عام 2016 كمنتصرين في معركة حلب ضد جهات جهادية ثائرة مدعومة من الخارج، وأشرفا آنذاك على وقف إطلاق النار بين المحاربين مثلما يجري السعي لإنجازه حالياً في المناطق السورية التي لم يتم إقرار السلام الميداني فيها بشكل كامل وخصوصا في إدلب.
وفي الكتاب إشارات مهمة إلى العلاقة التركية بسوريا وإيران والاتحاد الأوروبي والإخوان المسلمين وأمور أخرى.
يقول الكاتب ان علاقة تركيا بسوريا مرت بمراحل إيجابية في 2011. ففي مطلع تلك السنة، اجتمع الرئيسان اردوغان والأسد في الاسكندرون (مقاطعة هاتاي) لتدشين سد نهر العاصي، وتمت بعد هذا الاجتماع زيارات ودية قيادية بين البلدين، ولكن، وبعد ذلك بستة أشهر، أعلن اردوغان موافقته على تغيير النظام في دمشق وقرر احتضان المعارضة والجيش السوري الحر وبدأ باستقبال المحاربين الراديكاليين وتسهيل دخولهم إلى سوريا.
بطريقة غير مباشرة يوضح الكاتب ان دوافع اردوغان للقيام بهذا الانعطاف في سياسته نحو سوريا لم تقتصر فقط على الأسباب السياسة الاقتصادية، بل لطبيعة شخصيته ولنشوئه في بيئة إسلامية محافظة ومتواضعة اجتماعياً ترفض كل ما يسيء إلى الطبقات المسلمة الفقيرة والمسحوقة.
ففي مواجهة بينه وبين سكان مدينة إسطنبول التي كان رئيساً لبلديتها قبل ان يصبح رئيسا للحكومة، أصر على إنشاء مسجد في منطقة تقسيم، السياحية. كما أصر على مبادرات مماثلة في زياراته إلى الدول الأوروبية التي تتواجد فيها أقليات مسلمة تركية فاعلة. وحسب المؤلف، ربما يعود هذا التوجه إلى محبته لجده (مثله الأعلى) الذي استشهد في مسجد كانت تحاول الدولة التركية العلمانية في مطلع القرن الماضي إزالته من الوجود.
اردوغان، حسب المؤلف، لم يكن عنصرياً تجاه إسرائيل، وحاول التوسط لإجراء مفاوضات بين رئيس وزرائها ايهود أولمرت وسوريا وفلسطين في 2008 لكن الجهات المتصلبة في إسرائيل أفشلت الوساطة وأسقطت أولمرت من منصبه. وشعر اردوغان بالإهانة في كبريائه، والكبرياء أمر هام سياسياً وشخصياً للرئيس التركي كما ظهر في تحديه الكلامي وإهانته للمسؤول الإسرائيلي شمعون بيريز في مؤتمر دافوس متهما قيادات إسرائيل بالعنصرية أمام قادة العالم.
اردوغان، في رأي المؤلف، قائد لا يرضى بالفشل ولا يتورع عن تبديل مواقفه إذا كان ذلك في مصلحة بلاده وقيادته للبلد. ورأسماله السياسي دعم الطبقة المظلومة والفقيرة في تركيا. ويسميها الكاتب طبقة “الأتراك السود” الأناضوليين المحافظين دينياً مثله والذين يحتقرهم “الأتراك البيض” من الأوروبيين والغربيين في توجههم. فالأتراك المهمشون وأمثالهم في العالمين الإسلامي والعربي يفضلون قادة على شاكلة اردوغان بدلا من زعماء وصلوا إلى قيادتهم بطرق أخرى.
وبالنسبة للاختلاف في مواقفه مع غولن حول القضية الفلسطينية والتبعية لأمريكا وإسرائيل، فهو يشير إلى نقطة خلاف أساسية في التعامل التركي مع إيران.
فتح الله غولن ومؤيدوه من السنّة المتشددين يعارضون بقوة التعامل مع إيران ويعتقدون ان أي تقارب من شأنه ان يهدد الاتفاقات الأساسية التركية مع واشنطن (ص156).
أما اردوغان، ففي الوقت الذي ابتعد فيه عن إسرائيل وأمريكا، تقرّب من إيران وسعى لتنمية الشراكة الاقتصادية والتجارية التركية ـ الإيرانية. وآنذاك شنت صحيفة “زمان” التركية المؤيدة لغولن حملة عنيفة ضد هذا التوجه، علماً أنها فعلت ذلك منذ عام 2012 كما شنت هجوما قويا ضد مدير الاستخبارات التركية هاكان فيدان، الذي يُعتبر من المقربين من اردوغان واتهمته ووزراء في الحكومة وأقرباء لاردوغان بالفساد.
وجرت مبادرات قضائية استدعت ثلاثة وزراء وشخصيات سعت للتقارب الاقتصادي بين أنقرة وطهران للتحقيق. واستهدف القضاء التركي نهاية عام 2013 أحد أبناء اردوغان وأربعين شخصية تركية واستدعاهم للتحقيق.
وهنا وضع اردوغان حداً للأمر مشيراً إلى نشوء “دولة موازية” لتركيا وسماها “عصابة متسترة وراء الدين لا تفكر إلا في مصالحها”. وبدأ حملة تطهير للمنتمين إلى حركة غولن منذ بداية عام 2014 تصاعدت بعد الانقلاب العسكري عام 2016 حيث اعتُبرت حركة غولن إرهابية واتهم السفير الأمريكي في أنقرة بأنه الموجه الرئيسي لها (ص 161).
وتطالب تركيا بقيادة اردوغان الولايات المتحدة بتسليم غولن لمحاكمته ولكن واشنطن ترفض، ما ساهم في المزيد من التقارب التركي الروسي وصَعّدَ الإجراءات الأمريكية السياسية والعقوبات ضد تركيا.
قد يظن البعض ان سبب هذه الإجراءات تصلّب اردوغان ومزاجيته ضد الغرب، والتقلب المتكرر في مواقفه إزاء زعماء العالم، ولكن النظر إلى علاقته بالاتحاد الأوروبي، يثبت العكس. فقد قام الرئيس التركي (حسب المؤلف) بشتى المبادرات لإرضاء الاتحاد الأوروبي ونفّذَ شروطه ساعياً لقبول تركيا في الاتحاد، ولكن ولاعتبارات فرنسية وألمانية ربما دوافعها طائفية ـ عنصرية تمت عرقلة الأمر.
الدخول التركي إلى أوروبا كان في نظر اردوغان (حسب المؤلف) أفضل وسيلة للتخلص من هيمنة الجيش السياسية على الدولة (ص 68) ولكن الأزمة القبرصية تم استخدامها لإقصاء تركيا وقبرص التركية عن أوروبا بدلاً من حدوث عكس ذلك. فبعد تصويت أتراك قبرص في شمال الجزيرة بنسبة (65) في المئة لوحدة الجزيرة ومعارضة يونانيي الجزيرة بنسبة (70) في المئة، أُدخلَ القسم اليوناني في الاتحاد الأوروبي ورُفض القسم التركي وعُرقل دخول تركيا. وهذا الأمر ساهم في ازدياد غضب اردوغان ضد أوروبا وتوجهه نحو القومية الإسلامية وتشجيع الحركات الجهادية الإسلامية بدلاً من الخيارات السلمية وفي انفتاحه على دول وقوى أخرى، في رأي الكاتب.
إلا ان تعاون تركيا مع روسيا في هذه المرحلة وتأكيد اردوغان ان أوروبا في حاجة إلى تركيا وخصوصا بالنسبة للخوف من الهجرة واللجوء إلى أوروبا، ربما غيرت المعطيات، فقد أصبحت تركيا في وضع لا يمكن الاستغناء عنه وتجاهله وصارت في يد الرئيس اردوغان ورقة جديدة فاعلة سياسياً.

غييوم بيرييه: «رجب طيب اردوغان، طمو وسلطة»
المترجم: أنطوان الهاشم
دار عويدات، لبنان 2018
243 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية