وزراء “يسكنون” التلفزيون… وبرامج فنية تكرس قيما جديدة… ونشرات لإلهاء المشاهد العربي!

ما لكم تبحثون عن وجع الدماغ خلال جلوسكم أمام التلفاز؟
دعوكم من أخبار الحروب والكوارث والاغتيالات، وتعالوا نمتّعكم بما يدغدغ أحاسيسكم المرهفة ويرسم البهجة على وجوهكم، ما ينسيكم قسوة الزمان وغلبة الدَّيْن وقهر الرجال.
هل كُتب عليكم الشقاء؟ هل أصبحتم تتلذذون بتتبع المآسي، وإلا لماذا تتلهفون على معرفة مصير الكاتب الصحافي جمال خاشقجي من خلال نشرات الأخبار التلفزيونية لدينا؟ يكفي أن قنوات العالم تتسابق من أجل الظفر بقصب السبق في الموضوع، ما بين مُؤكد مقتله شرّ قتلة، أو مُتكهّـن باختفائه وبقائه على قيد الحياة، إمّا معتقلا أو معذبا، أو حرا طليقا في مكان ما بهذه البسيطة.
هوّنوا على أنفسكم! لن تجدوا أي خبر عنه في نشراتنا، أولا لأننا لسنا قناة إخبارية متخصصة، وثانيا لأن نشرات الأخبار عندنا جُعلت أساسا من أجل رضى السلطة وتلميع صورتها، لا لتكون مجسدة لسلطة الإعلام، وثالثا لأن جمال خاشقجي سعودي، ونحن تربطنا روابط خاصة مع السعودية، فيها من النفع أكثر ما فيها من الضرر، ولو أن مسؤولها الأول عن الرياضة سخر من بلادنا ذات يوم، مستكثرا عليها الحلم بتنظيم كأس العالم لكرة القدم، ثم عاد يتودد إليها، معلنا دعمه ملفنا لاستضافة كأس إفريقيا للأمم وذلك بصفته رئيسا للاتحاد العربي لكرة القدم.
هل تستغربون؟ هكذا هي السياسة، لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وإنما مصالح متبادلة. لا تهمنا معرفة مصلحته. أما مصلحتنا، نحن، في هذا الظرف الدقيق، فهي ألا نُغضب خدّام البيت العتيق، وقد صار ذكرهم على لسان كل عدو وصديق!

وصفة سحرية لإسعاد الناس!

وعوض أخبار النكد، سنجعلكم تتملون بوجوه الحكومة السعيدة، وأنتم تعلمون علم اليقين أن بعض الوزراء تحديدا صاروا نجوما من فرط ركض الكاميرات وراءهم، أو على الأصح ركضهم هم أمامها، وبحثهم عن الأضواء، وتوزيع التصريحات بكرم حاتمي، حتى ولو كان النشاط الذي يحضرونه أو يرأسونه تافها ولا يستدعي كل تلك الضجة الإعلامية! وما ذنبنا نحن إن كان كل هم وزراء بعينهم هو الظهور في التلفزيون، أكثر مما يهمهم خدمة الوطن والمواطن؟ وقس على ذلك حالة العديد من البرلمانيين الذين يتزاحمون خلف كل مسؤول يعطي تصريحا لقناة ما.
وإذا لم يكفكم ذلك، فسنصوّر لكم مشاريع الخير والنماء التي يعيشها وطنكم، حيث سنفرد فقرة خاصة في نشرات الأخبار للتطور الاقتصادي الذي تشهده كل جهة على حدة، مما سيجعلكم تتساءلون بدون شك: لماذا يفكر معظم شباب الوطن في الهجرة، ويحاول كثيرون منهم ذلك سالكا أخطر السبل وسط الأمواج المتلاطمة، والحال أن مدنهم وقراهم تعيش مسيرة تنموية متلاحقة؟
وسنزين النشرات كذلك بأخبار عن هوايات الناس في البحر والبر والجبال، مساهمة منا في إمتاع العين وشغل البال عن قلق السؤال.
وسنضيف لوصفة السعادة التلفزيونية هذه سهرات فنية، تجعلكم تهبون عن بكرة أبيكم للرقص على أنغام الفرق الشعبية و”جذبة” راقصات الأعراس والمواسم وغيرها من المناسبات الخاصة والعامة، حيث التحرر من قيود الحشمة والوقار، وإطلاق العنان لحرية الجسد وإغواء كلمات الأغاني. هذا دون أن ننسى حاجة الفتيان والفتيات للتفاعل مع الموضة “الفنية” الجديدة التي أفرزها “اليوتيوب” ومنتديات التواصل الاجتماعي، حيث لا ضرورة للتقيد بمواصفات الإبداع على مستوى الأشعار والموسيقى والغناء.
ونختم ذلك، ببرامج ترفيه وتسلية لا يُشترط في جلها التوفر على الموهبة والخلفية الثقافية والإعلامية وخفة الدم، وذلك من أجل إشاعة التسفيه والابتذال والتسطيح، حتى نتيح خلق نمط جديد من السلوكات والعلاقات داخل المجتمع، بعيدا عن القيم السائدة، ونعطي لأبنائكم القدوة المرجوة والمثال النموذجي، لكيفية الوصول إلى الشهرة بأقصر الطرق!

قراءة الطالع لضرب
عصفورين بحجر واحد!

وأملا منا في تخليصكم من احتمالات الكآبة واليأس، سنفكر في إحداث فسحة تلفزيونية لكم للتمسك بالأحلام والتنبؤات وقراءة الطالع، ولن تكون النتيجة سوى إيجابية ومفرحة بطبيعة الحال، وسنضرب عصفورين بحجر واحد: إسعادكم من جهة، ومن جهة ثانية جعل التلفزيون يجني أموالا “محترمة” من خلال الاتصالات الهاتفية والرسائل القصيرة.
انتظروا، إذن، اليوم الذي سنستضيف فيه “خبراء” في قراءة الأبراج ومستطلعي الحظوظ من “المنجمين” العصريين، ممن يرتدون ربطات العنق، ويتقنون استعمال الكمبيوتر وكذا التعامل مع الكاميرا بعد وضع “الرتوش” التجميلية على وجوههم وشعورهم. وأكيد أنه ما إن يطل الواحد منهم من خلال شاشة التلفزيون، حتى تبدأ المكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة في التهاطل عليه كالمطر المدرار. ويشرع هو في الإجابة عليها جواب الواثق من نفسه، ويقدم “إكسير النجاح” والأمل والبشرى لكل متصل. فسيكون لدى الخبير جواب لكل سؤال، وسيحاول أن يغلف حلوله السحرية تارة بغلاف علمي يدعي الدقة وتارة أخرى برداء ديني في محاولة لدرء تهم الشعوذة والدجل والرجم بالغيب عليه.
ورغم أن المقولة الشهيرة تردد “صدق المنجمون ولو كذبوا”، فإن حكومتنا الموقرة سوف تُعجب كثيرا بحكمة قارئي الأبراج والأكف، وسوف تعتبرها داء لكل دواء، لأن كلا الطرفين يجمعهما قاسم مشترك هو إشاعة الوهم. وذلك ديدن العديد من البرامج التلفزيونية أيضا في البلدان العربية.

كاتب صحافي من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية