«أرامل» البريطاني ستيف ماكوين في مواجهة قضايا الجندر والعنصرية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: في عالم تشغله قضايا الجندر وحقوق المرأة ومناهضة العصرية، نجد أن فيلم «أرامل» للمخرج البريطاني ستيف ماكوين خير استهلال لمهرجان لندن في دورته الثانية والستين (10 إلى 21 أكتوبر/تشرين الأول). فالمهرجان الذي أخذ على عاتقه منذ سنوات أن يقدم خير ما أنتج العالم من سينما خلال العام لجمهور العاصمة البريطانية، حتى أصبح يعرف بمهرجان المهرجانات، لأنه يختار في برنامجه أفضل ما قدم في المهرجانات الكبرى طوال العام ليقدمه لجمهوره وحضوره، مهرجان أيضا تعنيه القضايا الاجتماعية والسياسة الكبرى التي تشغل العالم.

وفي «أرامل» يقدم ماكوين فيلما يستحوذ كلية علينا، منذ أول لحظة بفيلم من أفلام الجريمة والسطو، عن نساء فقدن أزواجهن في عملية سطو، ولم يجدن بدا أو مناصا من إتمام مهمة أزواجهن، ولكن الفيلم لا يجعل من عملية السطو والتخطيط لها المحور الوحيد للفيلم، بل يكشف ماكوين من خلالها الكثير من الفساد المستشري، ويناقش عبرها قضايا مثل العنصرية والمرأة ونظرة المجتمع إليها، والسياسة المعاصرة وما يسيرها. قد يوحي عنوان الفيلم «أرامل» بانكسار هؤلاء النساء الثكلى وضعفهن وقلة حيلتهن، لكنهن يمسكن بناصية التصور المجتمعي لهن ويحولنه لصالحهن، بل أن إحداهن تقول إن أفضل سلاح يمتلكنه هو ظن الآخرين إنهن لسن أهلا للقيام بعملية سطو.
يقدم ماكوين في الفيلم، المقتبس عن مسلسل قُدم في التلفزيون البريطاني في الثمانينيات، ثم حولته مؤلفته ليندا لا بلانت إلى رواية تحمل العنوان نفسه، أحداثا تحفل بالتشويق، ولكنه لا يجعل عملية السطو همه الوحيد، ومن خلالها يناقش ماكوين العديد من القضايا التي تشغله، فالمخرج الذي كان محور فيلمه السابق «12 عاما من العبودية» (2013) هو العنصرية والعبودية، يعود في فيلمه الحالي ليناقش العنصرية والعبودية في ثوبهما المعاصر، العبودية في صورة القروض التي يقدمها الأثرياء للفقراء بشروط مجحفة تعجزهم عن سداد الديون، والعنصرية التي يواجهها السود والمنحدرين من أعراق أخرى في الولايات المتحدة على يد البيض وأصحاب النفوذ.

يطرح الفيلم الكثير من القضايا داخل إطار فيلم السطو، ولكن اختيار هذا النوع السريع الإيقاع من الأفلام لم يمهل ماكوين أن يتمعن في الدخول إلى لب وجوهر قضايا الفساد السياسي والعنصرية.

تدور أحداث الفيلم، الذي كتب له السيناريو ماكوين مع كاتبة السيناريو الأمريكية جيليان فلين (كاتبة فيلم «فتاة مفقودة» لديفيد فينشر ومسلسل «أدوات حادة»)، في شيكاغو المعاصرة، حيث نلمح في مرور سيارة ملصقات تحمل صورة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ويبدأ بما يندر أن نراه على شاشة السينما: قبلة حارة في الفراش بين زوجين في منتصف العمر، وفي زواج بين رجل أبيض وامرأة سوداء. منذ البدء يحطم ماكوين التصورات النمطية، ويتجاوز الأعراق والسن. يقدم الفيلم العديد من الشخصيات، ولكن قلب الفيلم ومحوره هو فيرونيكا (فايولا ديفيز) في أداء متميز للغاية، الزوجة المحبة الثكلى التي نراها في مستهل الفيلم تتبادل قبلا حارة مع زوجها هاري (ليام نيسن)، والتي تتقاطع قبلها مع مشهد زوجها في عملية سطو مخفقة يذهب ضحيتها هاري وكل شركائه. لا يبدو لنا أن فيرونكا، التي نعلم من شذرات عن ماضيها إنها كانت معلمة وعضو نقابة في نقابة المعلمين، على اطلاع بمجريات عمل زوجها وأنشطته الإجرامية، أو يبدو لنا أنها تعلم القدر اليسير عنها، ولم تحاول قط معرفة المزيد. ولكنها تجد نفسها فجأة في خضم الأحداث التي توجب عليها أن تأخذ زمام الأمور، عندما تتعرض لتهديد مباشر من رجل العصابات الأسود جمال مانينغ (برايان تايري هنري)، بعد سطو زوجها على التمويل الذي كان يعتزم به مانينغ خوض الانتخابات المحلية في شيكاغو. بين ليلة وضحاها تجد فيرونكا أنه يتعين عليها أن ترد إلى مانينغ مليوني دولار، وإلا سيفتك بها فتكا.


ومنذ تلك اللحظة يصبح شغل فيرونيكا الشاغل هو كيفية تدبير المبلغ المطلوب، وتجد الحل الذي لا مناص منه في تنفيذ خطة كان زوجها قد دونها في مذكرته السرية لعملية سطو جديدة. وتجند فيرونكا لإعانتها في تنفيذ الخطة مقابل حصة مساوية من المال، أرامل من رافقوا زوجها في عملية السطو وراحوا جميعا ضحية إخفاقها. عادة ما تكون أفلام السطو وعمليات السرقة المسلحة أفلاما يهيمن على بطولتها الذكور وتكون شخصياتها الرئيسية من الرجال، ولكن ماكوين يقدم لنا في فيلمه وفي تنفيذ عملية السطو شخصيات نسائية، نتعاطف معها ونتفهمها وندرك أنها لنساء ما كن ليلجأن إلى السطو إلا لظروف ناجمة في معظمها عن قهر الرجال والمنظومة الاجتماعية لهن.

حين نرى أليس (إليزابيث دبيكي)، الشقراء الجميلة البولندية الأصل، لأول مرة نراها باكية تكسو وجهها كدمات إثر صفع صديقها المتكرر لها، بينما تجد ليندا (مشيل رودريغز) المنحدرة من أصول لاتينية، متجرها يضيع منها بسبب زوجها الذي يقترض قروضا لا يقدر على سدادها، بينما تعمل بيل (سنثيا إرفو)، المنحدرة من أصول إفريقية، ليل نهار لمحاولة توفير المال الكافي لتربية ابنتها الصغيرة التي لا عائل لها سواها. ظروف ضاغطة وتجبر ذكوري وترهيب وتنمر، كلها أمور تجبر نساء من خلفيات عرقية مختلفة للاتحاد للاستيلاء على المال ليسددن ديون أزواجهن القتلى، والاحتفاظ بما تبقى لأنفسهن. يوضح ماكوين أن العنف لا يولد إلا العنف وأن النساء اللاتي صبرن طويلا على الظلم والقهر قد لا يجدن مناصا من التحول إلى العنف. والعنف في المدينة لا ينفصم عن الفساد السياسي في أروقة السلطة فيها. يسعى مانينغ، الأمريكي من أصول إفريقية ورجل العصابات إلى «تبييض» صورته عن طريق الدخول في المعترك السياسي في شيكاغو ويستعين بالترهيب والقتل للحصول على المال اللازم لذلك. وفي الوقت ذاته يواجه مانينغ فسادا لا يقل عن فساده من أسرة موليغان، صاحبة النفوذ السياسي في المدينة، والمنحدرة من أصول إيرلندية بيضاء. عنف السياسي المزمع المنحدر من أصول سوداء لا يقل عن عنصرية وجبورت وعنف السياسي الأبيض. صراعات على الوجاهة والسلطة لا يتورع الخائضون معتركها عن الترويع والقتل والسطو وسفك الدماء.
ولكن إيقاع فيلم الحركة والتشويق والسطو اللاهث المتسارع دوما لم يمهل ماكوين أن يقف مليا في تروٍ ليناقش في تعمق شتى القضايا التي طرحها الفيلم. يطرح الفيلم الكثير من القضايا داخل إطار فيلم السطو، ولكن اختيار هذا النوع السريع الإيقاع من الأفلام لم يمهل ماكوين أن يتمعن في الدخول إلى لب وجوهر قضايا الفساد السياسي والعنصرية التي يطرحها الفيلم. لم يقدم ماكوين في «أرامل» النظرة المتمهلة المتعمقة في نفوس شخصياته، كما قدمها في فيلمه المتميز «عار» (2011)، ولا الطرح المتعمق للقضايا الشائكة التي طرحها في الفيلم. ولكن ما ينجح فيه ماكوين بحق هو خلق التوازن بين الأحداث المتسارعة لعملية السطو والقضايا التي يسعى جاهدا لنقاشها.
ويبقى العنصر الأقوى والأكثر تميزا في الفيلم هو إدارة ماكوين لطاقم التمثيل في الفيلم، خاصة فايولا ديفيز، التي امتلكت ناصية الفيلم وقدمت أداء متميزا للغاية في دور فيرونكا، فكل التفاتة وكل اختلاجة وجه وكل نظرة، تكشف لنا وجها جديدا لفيرونكا وقدرة فذة على الأداء من ديفيز. فيرونكا كما قدمتها ديفيز هي العاشقة المتولهة بزوجها، وهي الزوجة المكلومة التي تحاول التعامل مع الفجيعة، وهي المرأة الحاسمة المسيطرة، وهي المرأة التي تعاني الوحشة والخوف، وهي المرأة التي لا تتورع عن العنف والغضب حين تتعرض للظلم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية