رواية السوري خيري الذهبي “المكتبة السرية والجنرال”ذاكرة سوريا العَصِيَّة على التدمير

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
3

تضع رواية “المكتبة السرية والجنرال”، وهي الثانية عشرة للروائي السوري خيري الذهبي، تضع نفسها بين أعمال المغامرة الروائية التي تنجح في المراهنة على ارتقائها الفني، في ظل حدث راهن مهول مثل حدث الثورة السورية المباشر الذي غالباً يُسقط الأعمال الفنية التي لا ترتقي إلى المستوى العميق في علاج أبعاد هوله. يتجلى هذا على نحو خاص حين تأخذ على عاتقها الفني علاجَ مسألة حساسة وشائكة يُحس السوريون ويَلمسون تناولَها لوجودهم دون أن يستطيعوا إدراك أبعاد هذا التناول، وهي مسألة الذاكرة الجمعية السورية، التي يجري تدميرها بصورة منهجية على يد نظام عصابات بربري يرفع في الظاهر العلني شعار شرط وجود زعيمه إلى الأبد أو يحرق البلد، ويقوم بتنفيذ هذا الحريق بمستويات تتجاوز ما يعرضه الإعلام من قتل وتقطيع واعتقالات واغتصاب وتدمير، إلى التدمير الأكثر عمقاً والمتعلق بامتداد الوجود. وتكشف الرواية عن مستويات هذا التدمير بتهديد أحد جنرالات النظام كمثال، للمعتقل بين يديه، الصحافي صلاح اليازجي الترجمان، الذي يخفي معرفته بمكان مكتبة اليازجي، المدرَكة لدى الجنرال بأنها “ليست مكتبة فحسب، بل ذاكرة بحجم مدينةٍ، متخفيةً مستترة تحت الأرض، وخلف الجدران الساذجة”، في الصفحة 118: “اسمع… لن نستطيع حكم هذا البلد إلا لو سَلّم طواعية، وبيت اليازجي أصبح اليوم الراية الأخيرة لرفض التسليم… أعتقد أنك تتساءل: فلم لا نحرق الحي، وسكانه وكتبه، وكل ما تظنونه تميمة خلاصكم الخاصة، ناسين أننا اليوم في القرن الحادي والعشرين، ونملك من وسائل التدمير ما لم يفكر به حتى إبليس، وانحنى علي هامساً: نحن نتبناكم اليوم… لقد ورثناكم أحياء، و إن تفاخرتم بكثرتكم العددية، فسنخفضكم إلى الربع مزيحين كل المشاغبين، الرافضين لحقنا في الحكم… والمكتبة… كنزكم الذي تعتزون به… إما أن تستسلم لنا فنتبناها، أو نحرقها حتى الرماد… هل فهمت؟ نحرقها، ولتذكر حكاية الأُمَّيْن مع الملك سليمان”.
في العلاج الروائي الحديث لتعقيدات هذه المسألة، يلجأ الذهبي إلى حلول الواقعية السحرية بإضافة استخدام التراث السوري في جميع عصوره، الممتدة ماضياً إلى الديانات الأمومية؛ واستخدام تقنيات سرد حكايات ألف ليلة وليلة بالصورة الخاصة التي يتميز بها السرد عن الحكايات. كما يلجأ في تشويق قارئه إلى الطابع البوليسي الذي يخلق شغف المتابعة دون أن يَسقط في فخ تحوّل روايته إلى رواية بوليسية، وذلك بتعميق الأبعاد النفسية لشخصياته حتى الحدود الأوديبية في علاقة الأب والابن وزوجة الأب. ويبتكر الذهبي، لاحتواء وإطلاق مرئياته، سرديةً يستطيع بها بلورة شخصياته الحاملة لهذه المرئيات من جميع الزوايا، وذلك بسرد الشخصيات عن نفسها، وسرد الآخرين عنها، وإنْ بإكثارٍ من الفصول المتتابعة التي كان يمكن اختزالها لتحقيق تأثير أعمق بوقت أقل للقراءة.
كما يبتكر الحكاية المشوقة الظاهرة التي تتلخص في أن طاغية سوريا، “الجنرال الأكبر”، اكتشف أن العوام يتداولون نبوءةً في كتاب “الجفر” الذي هو في الأصل كتاب شيعي تنبؤي، تتلخص في أن “الطاغية وسلالته لن يزيدوا في الحكم على أربعين سنة هي سنوات “الدور”، أي سنوات بلوغ النبي سن النبوءة؛ وهي سنوات تغيّر الزمان، وتغيّر الأئمة بإحسانٍ إلى يوم الديّان”. ويقوم الطاغية بجمع وإتلاف كل نسخ كتاب “الجفر”، واستبدالها بنسخ تتنبأ بعودة العدل إلى أنصار الشهيد ابن الشهيد، وتخلو من نبوءة نهاية الدور، وتوزيع هذه النسخ المزورة في كل مكان، وعمل ترويج وندوات تزوير للحقائق في التلفزيون الوطني عن الكتاب. لكن الطاغية يكتشف من خلال كتاب رحلاتٍ بورنوغرافي عنوانه “جارية في حريم دمشق”، من تأليف البريطانية الليدي مالرو، أن بطلة الكتاب روزي، التي تتخفى كجارية لكشف دواخل ما يدور في عوالم حريم دمشق، رأت الكتاب وقرأت عن النبوءة في مكتبة سرية ببيت اليازجي الترجمان.
ويُدخل الذهبي قارئه في مغامرةِ قراءةٍ مشوقة، واقعية سوريالية بالوقت ذاته، تمر بعراقة المكان الذي هو دمشق القديمة، الحاضنة لذاكرة العالم بمكتبتها السرية، وبمحاولات مدير فرع المخابرات المكلف العثور على هذه المكتبة السرية العجيبة التي تُسْلم نفسها لمن تريد، وخاصة لأبناء اليازجي الترجمان، وتقتل من يحاول العبث بحرمتها، ممن يرسلهم مدير فرع المخابرات. كما تمر بعرض حياة أصحاب المكتبة، وبلورة شخصياتهم بصورة آسرة بدءاً من الجد الأول الرحالة المؤسس الشيخ شمس الدين اليازجي الترجمان، مروراً بابنه الذي خبرت المغامِرة البريطانية حياة الجواري في قصره، وبالشيخ محيي الدين، الذي يمثل نبالة الثقافة السورية ورفعتها من خلال الخط الكوفي أمام بربرية نظام “العرضحالجية” من خلال خط النسخ، وانتهاءً بشخصية زوجة الشيخ محيي الدين، إلهام، الصبية التي تعاني من الحرمان وتصبو لإشباع عطشها الجنسي، وتتفهم في النهاية عقدة زوجها الشيخ الذي أخصاه إذلال الجنرال له. كذلك تُعرض شخصيات أولاد الشيخ محيي الدين، صلاح ونوري، اللذين يعانيان التعذيب على أيدي مخابرات النظام التي تدرك أهميتهما في استمرار حفظ الثقافة السورية من الاندثار، إضافة إلى العرض العميق الممتع للشخصيات المرتبطة بهذه العائلة مثل الجنرال مسعود الحسن، المكلف بالعثور على المكتبة، وشخصية عميلته ياسمين، الصحافية النجمة في صالونات دمشق، الدخيلة لكشف مكان المكتبة والعاشقة لأبناء اليازجي في الوقت ذاته.
خلال ذلك كله تمرّ هذه القراءة الممتعة بكنوز ذاكرة الحضارة الإنسانية المصفّاة بمرشّح مخترعي الأبجدية السوريين. وتمر بحياة الثورة السورية، بدءاً بقتل المتظاهرين السلميين، وحتى التفجير بالقنابل الفراغية التي تلقيها طائرات المحتل الروسي لتدمير السوريين والمكان الذي يحفظ ذاكرتهم الجمعية. وتمر بطبيعة الحال بمحاولات النظام لدثر هذه الذاكرة أسرارُ وخفايا هذه المحاولات. كما تمر في النهاية عبر القراءة وعبر إصدار مثل هذه الرواية الكاشفة، كيفية مقاومة السوريين لجرائم دثر وجودهم.
خارج الرواية ولكنْ بتأثيرات قراءتها، تتقاطع محاولات الطاغية الواقعية تدميرَ ذاكرةِ السوريين بتدمير أمكنة وخزائن هذه الذاكرة، مثل الجوامع التاريخية وعلى رأسها الجامع الأموي الكبير في حلب، وجامع خالد بن الوليد في حمص، والجامع الكبير في درعا، ومثل جميع الأماكن الأثرية وساحات المدن السورية، وصولاً إلى تدميره من خلال “داعش” لسجن تدمر الذي يمثل شاهد بشاعة مرعبة عن تدمير الطاغية للذات السورية.
وتتقاطع مع علاجات الرواية الفنية لحالة تدمير المكان حالةُ تفجير النظام السوري بقذائف المدفعية المباشرة، في 2 أيار (مايو) 2013، جسرَ دير الزور المعلق الذي يشكل أيقونة المدينة ومظهر ذاكرتها الجمالية ومكان لقاءات الأحبة والزوار فيها، ورد فعل أهل المدينة المباشر والعفوي عن طريق نشر صورهم على الجسر في جميع وسائل التواصل الاجتماعي، تعبيراً منهم عن الاستنكار والرفض ومقاومة الاندثار. ويختتم الذهبي روايته الكاشفة بمشاهد تدمير القنابل الفراغية للحي وللبيت الذي يحتضن المكتبة، بعد يأس النظام من العثور عليها واستغلالها في التزوير، وبرد فعل أمينها نوري اليازجي الترجمان الذي يروي: “فوق الركام المتحرك… وجدتني أصرخ بطريقة خطيب المنبر الذي لم أمارسه يوماً، ولكنها الجينات كما يبدو، وهتفت: يا شيخ شمس الدين، أنا حفيدك الذي كنتَ تنتظر… يا جامعَ مكتبات التاريخ في مكتبة… يا جامعَ النبوءاتِ والأحلام والرؤى في مكتبة… أمعن النظر لترى المكتبة تتحرك، لتغرق في هاوية القنبلة الفراغية إلى العدم كما يريد الجنرال المجنون… الجنرال الذي أعلن: أنا أو الدمار… يا شيخ شمس الدين لا تستجب لنداء الخراب… فاستجابة كهذه سهلة، ولقد أدمناها حتى كان الخراب، اخرج عن صمتك، وأنت مَن صمَد أمام تيمور وقازان ومغول العالم كله… يا شيخ شمس الدين، إن كان لا بد من أضحية، فسأكون الأضحية، ولكن أنقذ مكتبتك… أنقذ مشروعنا للخلود”.

خيري الذهبي: “المكتبة السرية والجنرال”
الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2018
324 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية