الدوحة ـ «القدس العربي»: مهندسو عملية اختطاف الكاتب السعودي جمال خاشقجي، والجهات المشرفة عليها، ومن أصدر أوامر تنفيذها، هدفت خطتهم المرتجلة من أول لحظة ـ من دون أي اعتبار للعواقب ـ تمرير رسالة مباشرة وقوية، إلى جميع الشخصيات المعارضة، أو المنتقدة للنظام السعودي الحالي، مفادها: “هذا مصيركم جميعا”.
سيناريوهات القضية التي هندست بين عدد من العواصم، تصب جميعها في خانة واحدة، لتعبد خط سير واضحا، يبرز المدى الذي يمكن أن تصله آلة القمع، أينما كان الشخص، واستعراض امكانيات البطش داخليا وخارجيا.
عملية خاشقجي، كانت تهدف بداية حسب بعض التحليلات إلى اختطاف الكاتب، وإعادته لبلاده مكبلا، تمهيدا للزج به في غياهب سجونها، ومعتقلاتها، وإدخاله باب الطاعة، وقبلها جمع قدر من المعلومات حول تحركات زملائه، انتهاء بتصفيته مباشرة في حال رفض، أو لم تسر العملية وفق الخطة السريعة.
القيادة السعودية في ظل سطوة حاكمها الفعلي محمد بن سلمان، على القرار، تتحرك وفق حسابات عديدة لا تأخذ بعين الاعتبار التفاعلات التي تشهدها البيئة الإقليمية، وتطورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تحرك أحيانا القوى الدولية.
محاولات ولي العهد السعودي برسم صورة ناصعة عنه يوجهها للرأي العام الغربي، وتقديم نفسه كرجل إصلاحي ينقل بلاده نحو عهد جديد تبخرت جميعها. انعكست النقلة الأخيرة على رقعة شطرنج بلاده، سلبا عليه. يواجه الرجل الآن أكثر من أي وقت مضى، ضغوطا عديدة من صناع القرار الدولي، مع تساؤلات تطرح بحدة، “عن أي إصلاحات نتحدث، والأصوات الحرة تكمم أفواهها أو تغتال بدم بارد؟”.
“فضيحة إسطنبول” التعبير الأدق لما حدث في القنصلية السعودية في العاصمة الاقتصادية لتركيا، فتحت أنظار العالم لتاريخ آل سعود في قمع الأصوات المعارضة لنظام حكمها، وقلبت الملفات حول عمليات البطش التي طالت أسماء عديدة.
ولم يكن جمال خاشقجي، أول شخص يُغدر به من قبل سلطات بلاده، والتاريخ الحديث يحتفظ في أرشيفه بعدد من الملفات لا تزال تفتح حتى الآن.
في الداخل كما في الخارج، وحيثما كانوا يصلون إليهم، ويستهدفونهم، أصبحت الدوائر الرسمية الدولية، ووسائل الإعلام العالمية تعنون تقاريرها، مستعيدة عددا من القضايا التي نفذتها المملكة منذ القرن الماضي حتى الآن.
ديفيد هيرست يفتتح مقالا له بصرخة، لخص فيها نظرة المجتمع الغربي والإعلاميين والصحافيين العرب لما يقوم به آل سعود، بعد توالي النبأ المفجع.
وقال، هذا أحلك أيامي منذ عملت محرراً في موقع “ميدل إست آي” وما كان ينبغي له أن يكون كذلك، ليس جمال خاشقجي، أول سعودي منفيّ يُقتل، فلا أحد اليوم يتذكر ناصر السعدي، الذي اختفى من العاصمة اللبنانية بيروت في عام 1979 ولم يُرَ بعد ذلك قط” يعنون الكاتب البريطاني في افتتاحية سجلت تفاعلا واسعا.
عاد الجميع ليتحدث عن اختطاف النشطاء السعوديين مثل الأمير سلطان بن تركي، من مدينة جنيف السويسرية في عام 2003 والأمير تركي بن بندر آل سعود، الذي تقدم بطلب اللجوء السياسي في فرنسا عام 2015 واللواء علي القحطاني الضابط في الحرس الوطني السعودي، الذي مات أثناء وجوده في الحجز.
اختطاف خاشقجي، وفي انتظار استكمال فصول الحكاية كاملة، ومعرفة تفاصيلها، دفع بالكثيرين للبحث عن وثائقي سابق أنجزته هيئة “بي بي سي” يسرد معلومات موثقة، عن عمليات سابقة لاختطاف أمراء من آل سعود، بسبب معارضتهم للأسرة الحاكمة، في إطار برنامج تديره الرياض لاستهداف المعارضين لسياساتها.
وحسب الوثائقي، تمّ اختطاف الأمير سلطان بن تركي، الذي عرف بانتقاده علانية القيادة السعودية، المرة الأولى، يوم 12 حزيران/يونيو 2003 بعدما دعاه الأمير عبدالعزيز بن فهد للإفطار، في قصر والده في ضواحي جنيف السويسريّة، بحضور الشيخ صالح آل شيخ.
وحاول بن فهد إقناع بن تركي بالذهاب إلى السعوديّة وعندها “ستُحلّ كل المشاكل” وعندما رفض، غادر آل شيخ وبن فهد الغرفة، ليحضر بعدها ملثّمون ويكبّلون بن عبدالعزيز، ثم يغرزون إبرةً في عنقه، ليجد نفسه بعد أيام عندما استيقظ بمستشفى في الرياض، ثمّ تنقّل بين السجن والإقامة الجبرية.
ويستطرد الوثائقي الذي تحول لمرجع، لواقعة سجلت في العام 2010، بعد تدهور صحّة سلطان بن تركي، فسُمح له بالذهاب إلى بوسطن الأمريكيّة للعلاج، وهناك تقدّم بشكوى جنائيّة في المحاكم السويسريّة ضد بن فهد وبن صالح. بعدها، وفي كانون الثاني/يناير 2016، قرر السفر من باريس حيث كان يقيم في فندق خاص، إلى القاهرة، ليكتشف في نهاية الرحلة أنّ الطائرة هبطت في الرياض، وتمّ اختطافه للمرة الثانية، وكان معه مرافقون أوروبيون وأمريكيون تم احتجازهم لثلاثة أيام ثم سُمح لهم بالمغادرة.
أما ثاني الأمراء، فكان تركي بن بندر آل سعود، الذي كان مسؤولاً في الأمن السعودي، ما سمح له بالاطّلاع على عدة وثائق، إذ كان مكلّفاً بفرض النظام بين أفراد الأسرة المالكة، ليُسجن لاحقاً بسبب نزاعٍ حول الإرث.
وعند إطلاق سراحه، توجّه إلى باريس وبدأ بثّ مقاطع فيديو عام 2012 تدعو إلى إصلاحات في السعوديّة، فحاول السعوديّون إقناعه بالعودة إلى بلاده فرفض، وظلّ ينشر مقاطع الفيديو حتى تموز/يوليو 2015، ثم اختفى في وقت لاحق.
وأشار الوثائقي إلى أنّ خبراً واحداً في الإعلام العالمي، يعود إلى صحيفة “الصباح” المغربيّة، يُشير إلى أنّه سجن في المغرب، ثمّ تم ترحيله إلى الرياض بناءً على طلب السلطات السعوديّة.
كما يحكي الوثائقي قصّة اختطاف الأمير سعود بن سيف النصر، والذي بدأ عام 2014 تدوين تغريدات تنتقد النظام الملكي في السعودية، وتدعو إلى مقاضاة المسؤولين السعوديين الذين أيدوا عزل الرئيس المصري محمد مرسي، ثم عام 2015 أيّد دعوة إلى الانقلاب على الملك سلمان بن عبدالعزيز.
ويعرض الوثائقي نفسه شهادات من الأمير خالد بن فرحان آل سعود والذي حصل على اللجوء السياسي في ألمانيا عام 2013. ويقول بن فرحان إنّه يخشى أن يلقى المصير نفسه.
كما روى كيف تمّ اختطاف سعود بن سيف النصر، عبر “فبركة من المخابرات السعوديّة”، بعد تقديم عرض لسعود من شركة روسية إيطالية قالت إنها تسعى لاستثمارات في الخليج، وتحتاج دعماً من قبل شخص في العائلة الحاكمة. وحضرت طائرة خاصة للشركة لتقلّ بن سيف النصر، لكن بدل أن تحطّ في ميلانو، اتّجهت إلى الرياض.
فضحية إسطنبول جعلت المراقبين ينبشون في الملفات الأخرى لعدد من الأسماء السابقة، وهي بالآلاف لأشخاص يقبعون في السجون، السعودية، مع إلصاق تهم خطيرة ببعض ناشطي حقوق الإنسان، ووصفهم بأنهم إرهابيون، تمهيدا لتنفيذ حكم الإعدام فيهم بسبب اتهاماتٍ تقول منظمة “هيومان رايت ووتش” إنَّها “لا تشبه الجرائم المعترف بها”.
ويختتم الحقوقيون تقاريرهم بأن في السعودية الآن، يكفي منشورٌ واحد تدونه على الشبكات الاجتماعية لتموت. وترمز هذه العبارة إلى المصير الذي ينتظر الداعية سلمان العودة الذي يواجه تهما خطيرة تقود جميعها إلى إعدامه، بسبب تغريدة واحدة كتبها يتمنى فيها من الله أن يؤلف بين قلوب حكام دول الخليج ليتجاوزوا الخلاف الحاد الذي تشهده عواصم مجلس التعاون منذ فرضت 3 منها حصارا على جارتها الدوحة.
رحيل واختفاء خاشقجي، لم يكن سيمر بسلام وأمن هذه المرة، خلافا للمحاولات الأخرى لتكميم الأفواه، والتي تجاوزتها المملكة بأقل قدر من الخسائر، وبتنازلات قدمتها، مع إغراءات وزعتها على جهات عديدة، لتجاوز تبعات الحادثة.
العملية إلى جانب بشاعتها فتحت سيلا من الانتقادات عن الدوافع الكامنة وراء تصرف كثيرا ما وصف بالأرعن، بالبحث والتساؤل عن الجرم الفاحش الذي ارتكبه الرجل.
العودة إلى مقالات وتغريدات وتصريحات الكاتب في “واشنطن بوست” لا تحيل إلى أي انتقاد صريح أو لاذع لدوائر الحكم في بلاده السعودية ولا تهجم على قياداته.
تحليل آراء خاشقجي وتصريحاته العلنية والخاصة تصب في خانة النصح والعتب اللطيف، لما يحدث حوله ولما يتعرض له عدد من الأشخاص، وكان يرفض تماما أن يطلق عليه صفة المعارض.
الموقف الواضح للرجل بما يحمله سجله من تعامل وتعاون مع سلطات بلاده المدنية والأمنية وكونه ظل لسنوات مستشارا لجهاز الاستخبارات، فتحت المجال أمام طرح سؤال جوهري، عن دوافع ومبررات الفعل الذي لجأت إليه دوائر صنع القرار في السعودية.
ويستثني المتابعون لسيرة جمال تفصيلا واحدا يُعتقد أنه أحد أسباب العملية وهو ما يتجلى أكثر مع تتبع إشارات ومسارات آتية من كل من أبو ظبي والقاهرة، وتوالي مؤشرات مشاركتهما في العملية، لوجود بصماتهما الخفية خلف الموضوع.
الأمر يتعلق بتهمة التعاطف أو التعاون والانضمام لجماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الدول الثلاث السعودية، والإمارات، ومصر إرهابية، والاستشهاد ببعض اقتباساته: “غرِّد عن الحرية.. أنت إخوان، عن الحقوق.. أنت إخوان، عن مواطنك المعتقل.. إخوان، عن المشاركة والكرامة.. إخوان، ترفض الاستبداد.. طبعاً إخوان، عن غزة وسوريا.. إخوان بالتأكيد. يا كارهي الإخوان، لقد جمعتم كل المكارم فيهم، فعملتم لهم أفضل دعاية”.
عملية إسطنبول الأخيرة بقدر بشاعتها وعكس ما سعت إليه من نتائج بتكميم أفواه المعارضة، وإدخال الرعب في قلوب المنتقدين، سارت في اتجاه مختلف، ووجهت الأنظار نحو ما يحدث في المملكة، وخارجها، وجعلت الكل يدقق في العمليات السابقة.
المعارضون لتوجهات بن سلمان الذي يعتبره مناوئوه الخطر المحدق بالسعودية، يتدارسون سرا وعلانية، ويتواصلون مع أعضاء من الأسرة الحاكمة، لمناقشة البدائل الممكنة لوقف اندفاع ولي العهد.
سيجد الحاكم الفعلي في السعودية الذي يأتمر بتوجيهات بن زايد نفسه، معزولا وتتهاوى جميع مخططاته للسيطرة على الحكم، في المملكة بتأييد وهمي من القوى الغربية، أما البلد فستشتد أكثر أزماته، ويتحول لقرينة ترمز للظلام.