لم تراوده لحظة شك بأن دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول “قد”، وأقول قد، تكون هي البداية لغياب أبدي.
ولا يزال مصيره مجهولا حتى يتبين الخيط الأبيض مما سيعلنه الادعاء العام التركي من نتائج تحقيقات تعدت يومها العاشر والعالم ينتظر، كل العالم.
ثمة من يرى أن خاشقجي – باعتباره صحافيا أو مفكرا أو صاحب رأي ناقد أو كل ذلك – مزعج لسلطات بلاده، بعد أن اختار منفى له في الولايات المتحدة، حيث اعتقد أن بمقدوره هناك التحدث بكامل حريته عن “قناعاته الشخصية” بعيدا عن الاعتقال الذي تحدث بنفسه أنه يطال حتى أولئك الذين يتحدثون همسا على أطراف دعوة عشاء عابرة.
لا خلاف على أنه كان عقلانيا “بشراسة” حيثما تعلق الأمر بتوجيه الانتقاد لحال الأمة وما وصلت إليه من وهن يثير العجب، جعلت منه باحثا عن فضاء أوسع يبث من خلاله شغفه بإصلاح العالم العربي الإسلامي حيث ينتمي إليه معتزا به وبثوراته وحراك جماهيره التواقة للانعتاق، حتى بعد أن أجهضتها الثورات المضادة، لكن حسبُ جمال أنها ما زالت تقاوم وحسبه أنها ستقاوم.
مثل جمال خاشقجي القريب من مراكز القرار والعارف بشخوص من يتخذ القرار، لا تغيب عنه حقيقة أن بامكانه مقايضة المال والمنصب والجاه والأمان في مقابل أن “يغلق فمه” حتى دون أن يدبج مطولات المديح، كما فعل ويفعل غيره.
لكن جمال لم يفعل، كان همّه أن يرى ما يعتقد “نحن السعوديون نستحق ما هو أفضل” قد تحقق واقعا ليس إلا!
من جريدة “الوطن” السعودية إلى صحيفة “الحياة” ومحطات إعلامية إلى محطته الأخيرة في “واشنطن بوست” حيث اختارها لعموده الأسبوعي من منفاه الاختياري، كما يسمونه، أو في حقيقته منفاه الذي أرغم عليه.
عن نفسه يتحدث، ولماذا كان المنفى خيار المضطر إليه وليس خيار الراغب فيه، يتحدث عن قلقه على أسرته الصغيرة، على وطنه الذي أحبه، عن زملاء وأصدقاء وأحبة له مغيبين في السجون والمعتقلات؛ لم يكن يريد أن يخسر صلة “الرحم” مع جمهوره، كيف وقد عاشها لشهور ظل فيها ممنوعا حتى عن التغريد في تويتر؟
ليس اعتباطا أن تثير قضية اختفاء جمال خاشقجي كل هذا الاهتمام حول العالم؛ لم يكن معارضا كما يُفهم من توصيف الأقران بعيدا عن ذكر أسمائهم كمعارضين بعضهم أمضى عقودًا في عواصم الغرب، كان ناقدا إصلاحيا لا همّ له بسلطة أو غيرها.
انتقد بوعي وإدراكِ الحريص على بلاده من أن تزل قدمها إلى الخراب، كتب عن “مغامرة” اليمن والأزمة مع قطر، عن القمع الذي طال زملاء له منعوا من الكتابة أو اعتقلوا، عن ناشطين في حقوق الإنسان، عن دعاة وخبراء وعلماء ومفكرين معتقلين منذ أكثر من عام، بعضهم بجريمة “الصمت” وآخرين بجريمة تقديم مشورات اقتصادية اعتقدوا أنها تصحيح لمسار لا أحد يعي ما سيؤول إليه حال البلد وثرواته.
من واشنطن، اعتقد جمال أن الصمت على الاعتقالات “خيانة” للمعتقلين، منها يستطيع التحدث “عندما لا يستطيع الكثيرون ذلك”.
إلى الولايات المتحدة حيث يحكمها دونالد ترامب انتقل جمال خاشقجي الذي تسببت انتقاداته العلنية لترامب بإيقافه عن الكتابة من عاصمة بلده الرياض قبل أن يغادرها إلى واشنطن البلد الذي يحكمه ترامب، حيث وجد ضالته في قول ما يشاء دون قيود أو تقييد ليديه إلى الخلف، ودون أن يرميه أحد خلف القضبان.
لم يكن يوما من جماعة الإخوان المسلمين، هكذا عرف عنه، هو متمرد على القيود ويعي أن الانتماء لأي تنظيم هو قيد يختاره الإنسان بنفسه؛ لكنه يميل إلى أن إقصاء الإسلام السياسي عموما يتناقض مع أي إصلاح سياسي أو انتقال ديمقراطي في بلدان الأمة التي إليها ينتمي.
ليس في كتاباته ما يشير إلى نزعة سلطوية أو دعم لأصوات تنادي بإسقاط حكم آل سعود، وهو من قال أنه لا يسعى لاستبدال نظام حكم آل سعود بنظام آخر، وزاد أننا في القرن الواحد والعشرين، وأن علينا مواكبة بقية دول العالم لا أكثر!
لم يختلف مع ولي العهد على رؤيته الإصلاحية، بل يتفق مع العديد من المتغيرات التي أحدثتها الرؤية على صعيد “الانفتاح” الاجتماعي وتشريعات فتح دور السينما وقيادة المرأة للسيارة، والتي كانت مثار جدل على مدى عقود، لكنه اختلف على أسس الإصلاح الاجتماعي والسياسي.
كان خاشقجي يرى أن الإصلاح في بلد تحكمه عائلة مثل آل سعود لابد أن يكون من القمة نزولا إلى القاعدة، وأن التغيير أو الإصلاح الاجتماعي لا تكفيه شكليات قيادة المرأة للسيارة وفتح دور السينما ومشاركة المرأة في مجلس الشورى، إنما يترجمه حرية الرأي والتعبير وقول ما يعتقد المواطن وجوب قوله دون أن يتسبب هذا بتغييبه خلف القضبان.
حاول كسر أقانيم الإعلام العربي السائد فكسروه في قناته “العرب” التي ولدت من رحم ثروات الأمير الوليد بن طلال، لكن ثروات الأمير كلها لم تقاوم وباء النظرة أحادية الجانب في الإعلام العربي فتم قبرها بعد ساعات فقط من طرح جمال خاشقجي لرؤيته للسياسة التحريرية للقناة المنتظرة، وفي أقل من 24 ساعة بث حفلت باستضافة معارض بحريني لم يكن لغير “العرب” أن تستضيفه.
لا يريد جمال لقناته “المقبورة” أن تكون كأخواتها العربيات، كان يريد لها أن تلتزم المعايير الموضوعية والابتعاد عن الاستخدام العشوائي غير المنضبط والتسويق الأهوج للمفردات والمصطلحات وتوظيفها خدمة لسياسات دولة نكاية بأخرى.
من يحمل السلاح ضد الدولة أو النظام القائم يستحق محاكمة قانونية، لكن لا يستحقها أولئك الذين وجدوا أنفسهم ذات ساعة بين جدران أربعة، هؤلاء سجناء رأي لا يجب أن “يشير العالم إلى أن بلدي يسجن أمثالهم”، يقول أن هؤلاء يحملون وجهات نظر إصلاحية.
إذا كان لكلٍ رؤيته لكيفية الخلاص من واقع الأمة المتردي، والانعتاق من ربقة الوقوف في أواخر صف الدول، فإن لخاشقجي رؤيته الخاصة بأن “الديمقراطية الليبرالية” هي الحل لأزمات الأمة المتفجرة بالسلاح في أربع دول، وأزمات اجتماعية واقتصادية لا تكاد دولة من دول عالمنا العربي الإسلامي بعيدة عنها، الدول الغنية قبل الفقيرة.
اتفقنا معه في ذلك أو اختلفنا، فهو يرى في الديمقراطية الليبرالية “ضرورة” وليست خيارا للمترفين.