الجزائر: حكايات البرلمان والمخابرات وسط حسابات وترتيبات غامضة

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر ـ «القدس العربي»: عرفت الجزائر أسبوعا حافلا بأحداث وضجيج غير مسبوق، فأزمة البرلمان التي دخلت أسبوعها الثالث تزداد تفاقما وتعقيدا، وأحداث أخرى وقعت في أماكن أخرى كلها توحي أن هناك شيئا ما ليس على ما يرام، وأن الحديث عن وجود تشنج داخل السلطة لم يعد مجرد هوس عند أنصار نظرية المؤامرة، كل هذا يقترن بتراجع الحديث عن ولاية رئاسية خامسة.
دخلت أزمة البرلمان في نفق مظلم، هذه القضية التي بدأت بأسباب أقل ما يقال عنها إنها غير ذات أهمية، تحولت إلى أزمة مؤسساتية، وصداع في رأس الحكومة، السعيد بوحجة أحد قدماء المجاهدين (84 سنة) والذي كان يعرف دائما بشخصيته الهادئة والمهادنة التي لا تفضل الدخول في صراعات أو صدامات مع أي كان، خاصة على مستوى الدولة، الذي كان الجميع يناديه “عمي السعيد” لم يكن أحد يتوقع أن يتولى رئاسة البرلمان، لكنه فجأة وجد نفسه على رأس مجلس الشعب، ولا أحد يشك أن اختياره لتولي هذا المنصب تم بضوء أخضر من الرئاسة، وحتى بوحجة نفسه لم يتحرج من قول إن الرئيس بوتفليقة هو من عينه، لذا لما تم “انتخابه” من طرف زملائه، اعتقد الجميع أنها مكافأة نهاية الخدمة، وأنه سيقضي خمس سنوات في راحة بال وبعدها يكون لكل حادث حديث، لكن الأمور تسارعت، وتسربت معلومات تقول إن بوحجة أقال الأمين العام للمجلس، وأن له نفوذ وعلاقات متشعبة واتصالات فوقية، وأنه حتى رئيس المجلس السابق العربي ولد خليفة، أقاله ثم تراجع بعد تدخلات فوقية.
وبسرعة انتقل الحديث من إعادة (الأمين العام) إلى منصبه، إلى المطالبة برحيل بوحجة، وتطور الأمر من الهمس إلى التصريح العلني، وبعد أن خرج بعض النواب في البداية مطالبينه بالاستقالة، أصبح مطلب أحزاب الموالاة، التي راح قادتها يطالبون بوحجة صراحة بالاستقالة، وهو رافض متمسك بمنصبه وموقفه ومتحصن بالقانون الذي يقف في صفه، فلا شيء يجبره من الناحية القانونية على الاستقالة، والغريب أن كل طرف يدعي سرا وعلانية أن الرئاسة تدعمه.
اللافت للانتباه أن بوحجة أدار المعركة بذكاء، وهو ما يؤشر على أنه ليس وحيدا، إذ كان حريصا على إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام بشكل شبه يومي، في وقت تحصن فيه خصومه وراء صمتهم، وقدم حججا وبراهين وأسقط كل مبرراتهم، وأضاف على ذلك أنه يحظى بدعم وثقة الرئيس وعائلته، وأنه لن يستقيل ما لم يتصل به من عينه (بوتفليقة) وبالتالي وضع العقدة في المنشار.
في الوقت الذي كان فيه البرلمان وما زال يعيش حالة غليان، اندلعت قضية أخرى لها علاقة من قريب أو من بعيد بالموضوع، فموقع “ALG24” الإخباري نشر مقالا بدا عاديا، يتساءل صاحبه عن سبب عدم تدخل جهاز الاستخبارات في الأزمة التي يعيشها البرلمان، مع إجراء مقارنة مع الطريقة التي كان يعمل بها الجهاز في عهد قائده السابق الفريق محمد مدين المعروف باسم “الجنرال توفيق”، في اليوم التالي قامت الدنيا ولم تقعد، فقد أوقفت قناة “النهار” (خاصة) نشراتها وبرامجها لتعلن أن الصحافي اسماعيل جربال، الذي كتب المقال تم توقيفه من طرف عناصر جهاز الاستخبارات أمام مقر مجمع “النهار” الذي يتبع إليه الموقع مع أن صاحبه سبق أن نفى ذلك، ولم تتحرج القناة المحسوبة على الرئاسة في استخدام كلمات مثل “اختطاف” الصحافي “بطريقة همجية” مع بث الصور التي أظهرت رجالا بالزي المدني يطلبون من الصحافي مرافقتهم، وبعد حوالي ساعة أعلنت القناة أن الذين أوقفوا الصحافي قاموا بالإفراج عنه.
القضية لم تتوقف هنا، إذ بثت القناة تسجيلا صوتيا بين أنيس رحماني واسمه الحقيقي محمد مقدم والعقيد إسماعيل، وهو قائد مركز البحث والتحريات التابع للمخابرات الشهير باسم “مركز عنتر” والذي كان يكفي ذكر اسمه لبث الرعب في النفوس، وملخص المكالمة التي أجريت بين الرجلين 24 ساعة قبل توقيف الصحافي، أن العقيد كان يتوسل لمدير وصاحب مجمع النهار أن يرسل له الصحافي للحديث إليه، ولكن أنيس رحماني، رفض بشدة، وأبلغ محدثه أنه لن يرسل الصحافي، وأنهم إذا أرادوا منه شيئا، عليهم أن يأتوا بأمر من القضاء، وهو الأمر الذي جعل العقيد يتلعثم، ويطلب بنوع من الخجل حذف المقال الذي كان سببا في كل الضجة، لكن رحماني تمسك بموقفه الرافض لذلك، وراح يقول له إن بشير (عثمان طرطاق) مدير جهاز الاستخبارات تجاوز حدوده وأنه سيدفع الثمن غاليا.
وانتشرت هذه المكالمة السيريالية كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، واختلفت التعليقات بين من اعتبر الأمر مسرحية سيئة الإخراج، لأنه لا يعقل أن رجال الاستخبارات يتصرفون مثل رجال الشرطة ويذهبون لتوقيف شخص أمام مقر عمله وتحت أعين كاميرات المراقبة، فيما اعتبر آخرون أن ما حدث عمل بطولي من طرف مدير “النهار” الذي دافع عن الصحافي الذي يعمل لديه، ووقف في وجه عقيد في المخابرات، فيما اعتبر فريق آخر أنه لا يمكن الفصل بين هذه القضية وما يجري داخل البرلمان، لأن هذه الوسيلة الإعلامية تبنت قضية إقالة بوحجة، ولأن الموضوع الذي كان السبب في هذه الضجة يخص عدم تدخل الجهاز في أزمة البرلمان، وهو ما فهم منه أن جهة ما لم يعجبها صمت وحيادية الجهاز في هذا النزاع، فيما اعتبر آخرون أن ما قالة بوحجة بخصوص اتصال مسؤول أمني كبير به ومطالبته إياه بالاستقالة، قبل أن يعيد الاتصال به ويطلب منه البقاء.
منذ البداية ذهبت بعض التحليلات في اتجاه وجود أشخاص نافذين وراء بوحجة طلبوا منه الصمود، وعدم الامتثال لأي أمر بالاستقالة إلا إذا صدر عن الرئيس بوتفليقة مباشرة، هذه الجهة التي تدين بالولاء للرئيس لا تعترف بأي سلطة أخرى، وهي التي قد تكون أوعزت لمنظمة المجاهدين إصدار بيان مساندة لبوحجة ولو كان بنوع من التحفظ، وهو أكبر مؤشر على وجود انقسام داخل السلطة بشأن هذه المسألة، ولولا هذا الانقسام لما صمد بوحجة أكثر من نصف يوم.
الملاحظ أيضا أن الفترة الحالية يسودها غموض، وحتى مشروع الولاية الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي كثر حوله الحديث في المرحلة السابقة يبدو أنه قد جمد، وكل الذين كانوا يبشرون بالولاية الخامسة دخلوا في فترة من الصمت، لأن الرؤية غير واضحة، ولا أحد يريد المغامرة باتخاذ موقف حتى لا يجد نفسه في وضعية تسلل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية